Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نافذة لضوء القمر" تستعين بالرومنطيقية ضد عبث العصر

الرسام المصري  تدفعه خيبة الحب الى الترحل بين المدن والحارات

قمر من النافذة (سوشيل ميديا)

ملخص

يطغى الطابع الرومنطيقي على رواية "نافذة مستديرة لضوء القمر" للكاتب والفنان التشكيلي المصري محمود عبده، فهي تدور في جو تخييلي، ساعية إلى مواجهة عبثية العالم المعاصر.  

يأتي الطابع الرومنطيقي في رواية "نافذة مستديرة لضوء القمر" (دار الشروق) للكاتب والفنان التشكيلي المصري محمود عبده من طبيعة العمل المختارة التي تتناول قصة فنان تشكيلي يعاني أزمة عاطفية ألقت بظلالها على حياته، ودفعته إلى العزلة والتوحد بعيداً من العالم، فلم يجِد متنفساً سوى الترحال من مدينة إلى أخرى والتجوال في الشوارع، في حركة تقودها عاطفته منبع الإلهام والبوصلة التي توجه خطواته.

تتغير مسارات حياة البطل مالك حين يسافر إلى أحد بلدان آسيا، حيث يلتقي في فندق إقامته روائياً ومصورة فوتوغرافية، ويتبنى قطة يعثر عليها في الشارع. ومع توالي اللقاءات، تتسع دائرة علاقاته لتشمل معالجة روحية ورساماً ومغنية ومساعدتها وبائعاً للتحف القديمة، فيجد بينهم مساحة للاندماج مع العالم والخروج من عزلته. وتكتمل هذه الرحلة حين تنشأ بينه والمصورة علاقة عاطفية جديدة ذات أبعاد صوفية، تفتح أمامه أفقاً مختلفاً للتواصل مع ذاته والآخرين.

نافذة قمرية

تتواصل عناصر المذهب الرومنطيقي المهيمنة على جوانب الرواية من خلال الحضور الطاغي للطبيعة التي تحظى بمكانة أساسية في الأدب الرومنطيقي، ويتجلى ذلك في رواية "نافذة مستديرة لضوء القمر"، بداية من عنوانها الذي يحيل إلى القمر، أحد أبرز مظاهر الطبيعة التي تغنى بها الشعراء والمبدعون عبر العصور، ويوظفه الراوي بصور متعددة، من بينها استدعاء الأسطورة والمعتقد الشعبي.

وتحكي الأسطورة التي يؤمن بها أهل المنطقة أن السماء كانت تضم 10 شموس، جعلت الحياة على الأرض شاقة، حتى ظهر بطل أسطوري استطاع أن يسقط تسعاً منها بسهمه السحري. ومكافأة له، منحه الإمبراطور حبتين من حبات الخلود، إحداهما له والأخرى لزوجته. لكن الحبتين سُرقتا من منزله على يد خادمته "تشانج آه" التي ابتلعتهما وحدها، فطارت في الهواء حتى استقرت داخل القمر. ومنذ ذلك الحين، ظل حبيبها ينظر إليها ويغني لها ويشعل البخور كلما اشتاق إليها. وعندما عرف الناس قصتها، تعاطفوا معها، وصاروا يقدمون الكعك لها في منتصف كل شهر قمري، وخصصوا لها عيداً سنوياً منتصف الشهر الثامن من تقويمهم القمري.

وتكتسب هذه الأسطورة دلالة خاصة في الرواية، لأن المصورة الفوتوغرافية ولدت في يوم العيد، وسُميت "تشانج آه" تيمناً ببطلة الأسطورة، قبل أن تغير اسمها إلى "سكارليت". ولا يقتصر ارتباطها بالقمر على اسمها وتاريخ ميلادها، وإنما يمتد إلى تفاصيل حياتها، فيرسم لها الفنان التشكيلي القمر داخل حجرتها، وتشتري هي الكتب التي تتناوله وتلاحظ مدى تأثير القمر في حياتها.

رحالة في الطبيعة

يستشعر الفنان الرومنطيقي جمال الطبيعة ويهيم بها، متأملاً مناظرها وخصائصها، كما يجد في العزلة بين أحضانها ملاذاً من العالم. وتتجلى هذه السمات في فصول الرواية، من خلال شخصية الفنان التشكيلي الذي اعتاد التجوال، فيصعد التلال ويرسم الفراشات والأشجار، وسائر مظاهر الطبيعة التي تلتقطها عيناه. ولا يقتصر حضور الطبيعة على علاقة الفنان بها، وإنما يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للكائنات المحيطة به، كما في وصف القطة "موكا"، "موكا أمضت وقتها بين النوم وبين مطاردة كائنات الحديقة المتنوعة، فراشات وخنافس، حاولت في ما يبدو عقد صداقة مع الدجاجات، لكن لم يكُن هذا سهلاً من أول لقاء، اكتفت بتعلم القفز مثل الضفادع الصغيرة قبل أن يرعبها نقيقها فتبعد» (صفحة 146).

ولا يكتفي المؤلف بتشكيل الطبيعة بالكلمات، وإنما يعمد إلى تقديم كل فصل من فصول الرواية الـ13 بصورة من رسومه، جاء معظمها مستلهماً عناصر الطبيعة، أو معبراً عن المشاعر الرومنطيقية وتقلباتها بين الحب والكراهية، ليمزج السارد- الرسام بين اللغة الشاعرية والتعبير البصري الرومنطيقي المنتمي إلى هذه المدرسة لغة ورسماً.

لغة صوفية

وتمثل سيرينا، المعالجة الروحية في الرواية، نموذجاً من النماذج التي تحتفي بها الرومنطيقية، من خلال المرأة التي تهجر المدينة بصخبها، وتختار العيش في مكان هادئ، حيث تربي الدجاج والماعز، وتعتني بحديقة صغيرة تزرع فيها أصنافاً من الخضراوات والفواكه والأعشاب المستخدمة في الطب التقليدي. ويمنحها هذا الانعزال والانسجام مع الطبيعة قدرة على العلاج، تتجلى في نجاحها في معالجة كسر ساق الروائي، بعدما كان مقرراً أن يظل في الجبيرة أسابيع حتى يلتئم العظم.

سيرينا، كما يصفها السارد، "تميل إلى التصوف في أدائها الحياتي العام، تحب الناس وتحب أن تصادقهم" (صفحة 142). ولا يقتصر البعد الصوفي على شخصيتها، وإنما يمتد إلى أجواء الرواية وبنائها، من خلال العناوين التي يمنحها المؤلف لفصولها مثل "باب القبول" و"باب الرحيل" و"باب القمر" و"باب البقاء" و"باب الانكشاف" و"باب النقاء" و"باب الفرح" و"باب المرج الأخضر". وتوحي هذه العناوين برحلة تتجاوز انتقالات المكان والأحداث إلى تحولات النفس واكتشاف الذات، بما ينسجم مع النزعة الروحية التي تتخلل العمل.

ويظهر هذا البعد كذلك في اللغة، كما في العبارة "كل سيرة لم تترك في القلب أثراً لطيفاً أو في الروح ذكرى مبهجة فالمحو بها أولى» (صفحة 39)، وتمتد النزعة الصوفية إلى ما يشبه الكرامات، سواء في قدرة سيرينا على علاج الكسور، أو في التواصل الروحي بين الحبيبين اللذين يشتركان في الأحلام نفسها.

خيال مجنح

تحتل الأحلام مساحة واسعة في الرواية، مما يتصل بالنزعة الرومنطيقية التي منحت الحلم مكانة بارزة، فهو المجال الذي تتجاوز فيه النفس حدود الواقع المألوف، وتستكشف ما تعجز اللغة اليومية عن التعبير عنه. وفي هذا السياق، يقول محمد غنيمي هلال "الحلم في الفلسفة الرومنطيقية هو إيحاء إلى الإنسان بجوهر الحياة نفسها وأخص خصائص الحياة وأكثر مظاهرها جدة، وأنه في صفائه صورة للنفس الصادقة ورباط ما بين الإنسان والعالم وطريقة لمعرفة ما وراء الشعور وما وراء الطبيعة".

ومن هذا المنطلق، تتعدد تجليات الأحلام في الرواية، سواء في الصلة الروحية والعاطفية التي تجمع بين سكارليت ومالك، أو في الهواجس التي تتجسد لهما في صورة أحلام، أو في المشاهد التي تُروى من منطقة ملتبسة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال. ففي بعض المواضع، يتعذر على القارئ وعلى السارد نفسه أحياناً أن يحسم ما إذا كانت الشخصيات تعيش واقعاً فعلياً أو تمر بتجربة حلمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يجحد الأدب الرومنطيقي سلطان العقل، ويمنح العاطفة والشعور مكانة مركزية، مسلّماً القلب زمام القيادة لأنه منبع الإلهام. ولا يبتعد مالك من هذا النموذج خلال ترحاله بين المدن من دون هدف محدد، وتجواله في الشوارع من دون خطة مسبقة، فمشاعره المعيار الذي يحدد بقاءه في المكان أو مغادرته. "عرفت أن المدن والبلاد كالناس لكل منها ملامح وروح وشخصية ترشحت عبر الزمن وتشكلت من آثار من سكنوها ونشطوا فوق أرضها ومائها، ومن بينها ما كنت أجد له روحاً ينفذ إلى القلب ليستقر، ومنها ما كان ثقيلاً يستعصي على القبول" (صفحة 15).  

ويصف السارد نفسه بالرحالة المعاصر يسير وحيداً، متأملاً خطوات الناس وحركة الطبيعة، ومبدياً تعاطفه مع الحيوانات، ويمنح هذا التجوال السارد مساحة واسعة للتأمل في ذاته وفي العالم المحيط به، وتتيح الرواية في الوقت نفسه مساحة للتعبير عن الشخصيات من خلال تقنية تعدد الأصوات، تتوزع فصولها بين مالك وسكارليت وماو، فيستأثر مالك بسبعة فصول، بينما تروي سكارليت أربعة فصول، وتُسند إلى ماو رواية فصلين، غير أن تعدد الأصوات لا يؤدي بالضرورة إلى استقلال الرؤى السردية، فتظل الشخصيات الأخرى مرتبطة إلى حد كبير بعالم مالك المهيمن على السرد، وتستكمل الحكاية من موقعها منه، وتكشف عن جوانب من تجربته وتفاصيل حياته أكثر مما تتعمق في عوالمها الذاتية المستقلة.

ولا يبتعد اختيار شخصيات الرواية من النموذج الرومنطيقي، جرى اختيارها بعناية، تنتمي جميعها إلى عالم الفن غارقة فيه، بدءاً من مالك الرسام الرحالة وسكارليت، المصورة الفوتوغرافية مروراً بالروائي ماو، والرسام هوجو والعازفة جابي ومساعدتها ماري والمعالجة الروحية سيرينا، وصولاً إلى القطة "موكا" وشون صاحب المتجر العجيب. وتتحرك هذه الشخصيات داخل عالم يحكمه طابع عجائبي قدري، فلا تكاد تخلو شخصية من ملمح عجائبي يتجاوز حدود الواقع المألوف.

فالروائي ماو يكتب أحداثاً سرعان ما تتحقق، وسيرينا تمتلك قدرة على شفاء المرضى، أما القطة موكا فتحب شرب القهوة، في حين يتمتع هوجو وجابي وماري بعبقرية فنية تسحر الحاضرين وتحبس أنفاسهم من فرط جمال إبداعهم. وحتى التاجر شون يمتلك أدوات وأحباراً قديمة ذات خصائص عجائبية، من بينها عطور قادرة على تغيير أمزجة الجمهور، وحبر يصنع مصائر الآخرين، وراديو قديم يذيع محطات من أزمنة سابقة. ولا تقتصر هذه النزعة على الشخصيات وقدراتها، فتمتد العجائبية إلى العلاقة العاطفية بين مالك وسكارليت التي تتجاوز حدود التواصل المعتاد إلى اتصال الأرواح وتداخل الأحلام.

ويتصل هذا الحضور الطاغي للعجائبي والخيالي بإحدى السمات البارزة في الأدب الرومنتطيقي، المتمثلة في تجاوز الواقع المألوف وإطلاق العنان للمخيلة، مما عبّر عنه الدكتور جابر عصفور بمصطلح «"الخيال المجنح"، تمييزاً له عن الخيال في الأدب الكلاسيكي الذي يخضع لمنطق السببية.

صدر للمؤلف سابقاً ديوان بعنوان "طعم التمرة" عام 2014  ونوفيلا "رقص طفيف" عام 2017، ثم مجموعة قصصية  "فرميليون" حصلت على جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2019.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة