Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تؤثر تغييرات الكونغرس في مسار الحرب ضد إيران؟

يمتلك المشرعون أدوات تمويلية ورقابية مؤثرة لكن ترمب يستطيع تجاهلها لفترة

وفقاً لاستطلاعات الرأي وتوقعات المراقبين، وحتى أسواق المراهنات، يبدو أن التغيير قادم إلى الكونغرس لا محالة (رويترز)

ملخص

على رغم التصريحات المتفائلة من الجانبين الأميركي والإيراني بإمكان تحقيق اختراق دبلوماسي قريباً من شأنه أن ينهي الحرب بين واشنطن وطهران، فإن الشكوك ما زالت قائمة بسبب انعدام الثقة، بخاصة أن جميع العوامل التي حالت دون التوصل إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي، قد تظل قائمة حتى بعد الثالث من نوفمبر الجاري، بينما تتزايد التكهنات حول احتمال تجدد الصراع بعد الانتخابات، مع طرح سيناريوهات مختلفة لتوسع نطاق الحرب، بدءاً من شن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، وصولاً إلى تصعيد حرب الوكالة من العراق ولبنان، في وقت يكرر فيه ترمب تهديداته بشن ضربة قاصمة لإيران.

تواجه إدارة الرئيس دونالد ترمب ثلاثة سيناريوهات تتعلق بالنتائج المحتملة لانتخابات التجديد النصفي اليوم، الأول الأكثر تفاؤلاً، هو احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ بمخالفة جميع استطلاعات الرأي، أما الثاني الأكثر احتمالاً، فهو سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، واحتفاظ الجمهوريين بمجلس الشيوخ، في حين أن السيناريو الأكثر تشاؤماً للإدارة، هو تمكن الديمقراطيين من السيطرة على غرفتي الكونغرس، ولأن معظم الأميركيين ربطوا ارتفاع كلفة المعيشة بالحرب ضد إيران، فإن كل سيناريو مما سبق ستكون له تداعياته حول مسار هذه الحرب، وسط صراع محتمل بقوة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فكيف ستؤثر هذه الانتخابات على مسار الحرب؟

 

ترقب واسع

مع بدء إدلاء الأميركيين بأصواتهم في واحدة من أهم انتخابات التجديد النصفي خلال العقود الأخيرة، يترقب الجميع النتائج المتوقعة في مجلسي النواب والشيوخ، وما إذا كانت ستحمل تغييرات قوية تعيد تشكيل السياسة الأميركية، وتنقل الاهتمام إلى انتخابات عام 2028 الرئاسية، أم ستسفر عن مفاجأة غير متوقعة تبقي سيطرة الجمهوريين على غرفتي الكونغرس، ومن ثم تحافظ على سياسة الإدارة كما هي، بل وتعزز موقف ترمب خلال العامين الأخيرين من ولايته.

لكن وفقاً لاستطلاعات الرأي وتوقعات المراقبين، وحتى أسواق المراهنات، يبدو أن التغيير قادم إلى الكونغرس لا محالة، إذ إن تغيير ميزان القوى في مجلس النواب، لا يتطلب من الديمقراطيين سوى قلب أربعة مقاعد فقط يستحوذ عليها الجمهوريون حالياً، في وقت تشير بعض التقديرات إلى أن الديمقراطيين قد ينتزعون ما بين 12 و25 مقعداً بما يدفع حصيلتهم إلى 240 مقعداً في أكثر التقديرات تفاؤلاً، بينما تتطلب الغالبية 218 مقعداً فقط من بين 435 هي مجمل مقاعد مجلس النواب.

أما التغيير الأكثر شمولاً، والذي سيعد انتكاسة كبيرة للجمهوريين، وانتصاراً ساحقاً للديمقراطيين، فهو تمكن المرشحين الديمقراطيين من انتزاع أربعة مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ، بما يضمن سيطرتهم على مجلس الشيوخ، حيث سيصبح لديهم 51 مقعداً من بين 100 مقعد في المجلس، وهو سيناريو اكتسب زخماً في الأيام السابقة على الانتخابات، مع ظهور تحولات أوسع في آراء الناخبين الذين يتطلعون إلى التغيير بسبب قلقهم حول ارتفاع كلفة المعيشة والتضخم والذي يرتبط بدرجة كبيرة بالحرب الدائرة ضد إيران.

تغيير مسار الحرب

على رغم التصريحات المتفائلة من الجانبين الأميركي والإيراني بإمكان تحقيق اختراق دبلوماسي قريباً من شأنه أن ينهي الحرب بين واشنطن وطهران، فإن الشكوك ما زالت قائمة بسبب انعدام الثقة، بخاصة أن جميع العوامل التي حالت دون التوصل إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي، قد تظل قائمة حتى بعد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، بينما تتزايد التكهنات حول احتمال تجدد الصراع بعد الانتخابات، مع طرح سيناريوهات مختلفة لتوسع نطاق الحرب، بدءاً من شن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، وصولاً إلى تصعيد حرب الوكالة من العراق ولبنان، في وقت يكرر فيه ترمب تهديداته بشن ضربة قاصمة لإيران.

ووسط هذه التطورات، وبينما يبحث بعض أعضاء الكونغرس بالفعل عن الأدوات المتاحة لديهم لفرض إنهاء الحرب، يظل التساؤل المهم هو ما إذا كانت نتيجة انتخابات الكونغرس ستؤدي إلى تغيير مسار الحرب.

 

تبدل السيطرة على مجلس النواب

من المرجح أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، على رغم احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلس الشيوخ، إلى زيادة صعوبة حصول ترمب على التمويل اللازم للحرب على إيران، إذ يتعين أن تبدأ جميع مشروعات قوانين الاعتمادات المالية في مجلس النواب، وهو أمر من شأنه أن يمنح الديمقراطيين نفوذاً أكبر في التعامل مع طلبات التمويل الإضافية التي يتقدم بها الرئيس المخصصة للذخائر، والكلف التشغيلية، ونشر القوات، أو فرض شروط صارمة عليها، ويمكن للمشرعين رفض الموافقة التلقائية على طلبات الدفاع الضخمة، ما يضطر الإدارة إلى تحويل الأموال من قطاعات دفاعية أخرى أو مواجهة نقص حاد في الموارد، وهو ما سيخلق ضغوطاً في نهاية المطاف لتقليص العمليات أو إنهائها.

يتعلق ذلك بمبالغ مالية ضخمة، إذ تضمن طلب التمويل الإضافي الذي تقدم به ترمب في يونيو (حزيران) الماضي، والبالغ 87.6 مليار دولار، 21 مليار دولار لشراء الأسلحة المستخدمة ضد إيران، و17.3 مليار دولار لتغطية الكلف التشغيلية للقوات الأميركية في ساحات القتال، وما يشير إلى هذا التوجه، ما صرحت به السيناتور الديمقراطية باتي موراي، عن ولاية واشنطن، وهي أبرز الديمقراطيين في لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ، في يوليو (تموز) الماضي بأنها تعارض الموافقة الآلية على طلب تمويل هذه الحرب، أو أية مغامرات أخرى من الرئيس ترمب.

وتمنح سيطرة الديمقراطيين على لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، ولجنة القوات المسلحة، ولجنة الاستخبارات، سلطة إصدار أوامر الاستدعاء للمسؤولين أو الوثائق لرؤساء اللجان، ويمكن لهذه اللجان عقد جلسات استماع علنية رفيعة المستوى لمساءلة الإدارة حول التقييمات الاستخباراتية، وكلف الحرب، والخسائر في صفوف المدنيين، وتداعيات الصراع على أسواق الطاقة، والجداول الزمنية لإستراتيجية الانسحاب، مما يضع الإدارة والقيادة العسكرية في موقف دفاعي، مما يضعف الدعم الشعبي للحرب.

وإذا تمكن أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون من الاحتفاظ بمقاعدهم في ولايتي كانساس وآيوا، الواقعتين في قلب المعاقل الجمهورية، بل ونجحوا أيضاً في مواجهة التحديات الانتخابية في تكساس وألاسكا وماين، فسيقدم ترمب هذه النتائج على أنها انتصار حاسم لحزبه، وتأكيد لصحة نهجه، ويعدها رصيداً سياسياً يتيح له شن مزيد من الضربات أو المطالبة بشروط أكثر تشدداً من طهران.

السيطرة على مجلسي الكونغرس

إذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على كل من مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، سيؤدي ذلك إلى تقييد قدرة إدارة ترمب بصورة كبيرة على تنفيذ وتمويل الصراع الدائر مع إيران، إذ يمنحهم ذلك أدوات حاسمة يمكنها تغيير مسار الحرب، لأن وجود كونغرس معارض بالكامل، من شأنه أن يخلق ضغوطاً قانونية ومالية وسياسية ومؤسسية قد تؤثر في خيار الإدارة، سواء نحو تهدئة التصعيد أو المضي قدماً في تعزيزه. وعلى رغم احتفاظ الرئيس بصلاحيات دستورية واسعة، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتوجيه العمليات العسكرية، وقدرة البنتاغون على إعادة توجيه الأموال المتاحة موقتاً عبر صلاحيات النقل الداخلي للموازنة، إلا أن استمرار الصراع لفترة طويلة من دون مخصصات مالية جديدة قد يؤدي إلى حرمان العمليات العسكرية من الموارد التشغيلية اللازمة على المدى الطويل.

الأهم من ذلك، أنه بموجب "قرار صلاحيات الحرب" لعام 1973، تحظى القرارات المشتركة التي تطالب بسحب القوات الأميركية من أعمال حربية غير مرخص بها بوضع خاص يمنحها الأولوية في الطرح والتصويت، ويمكن لكونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون تمرير قرارات ملزمة بصورة متكررة لوقف العمليات العسكرية.

ومع أن الرئيس ترمب يملك حق النقض (الفيتو) ضد هذه القرارات، مما يتطلب غالبية الثلثين في كلا المجلسين لتجاوزها، إلا أن إجبار الرئيس على استخدام حق النقض باستمرار يخلق حالاً من الضعف السياسي المستمر.

ثمن سياسي

من المرجح أن يؤثر حجم الخسائر التي يتكبدها الجمهوريون، على حجم الضغوط التي سيتعرض لها ترمب من داخل حزبه لتغيير مسار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فإذا فاز الديمقراطيون في ولايات ذات غالبية جمهورية ساحقة، مثل تكساس وكانساس وأيوا، إضافة إلى ولايتي ألاسكا وماين، فسيكون من الصعب على الرئيس ترمب التقليل من شأن تلك الخسائر وعدِّها مجرد انتكاسة اعتيادية في انتخابات التجديد النصفي.

وربما تعزز الخسائر التي تمتد إلى هذا العمق داخل المعاقل الجمهورية الحجج الداعية إلى ضرورة خروج الحزب الجمهوري من مأزق الحرب على إيران قبل انطلاق الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2028، وستكون لذلك تداعيات كبيرة على نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، وهما من الأسماء المحتملة لخلافة ترمب، ويتبنيان مواقف متباينة إلى حد كبير في شأن التدخلات العسكرية الخارجية.

ونظراً إلى أن الهزيمة يمكن أن تفسر على أنها رفض من الناخبين للتبعات الاقتصادية للصراع، فقد يبدأ الجمهوريون في الكونغرس، سواء أولئك الذين يمثلون ولايات متأرجحة أو من يطمحون لخوض انتخابات عام 2028، في النأي بأنفسهم عن إستراتيجية الإدارة في الشرق الأوسط، مما قد يتسبب في فقدان الانضباط الحزبي داخل الحزب الجمهوري وترك البيت الأبيض في حال عزلة، مما يجعل استمرار الانتظام العسكري مكلفاً سياسياً لحلفاء الرئيس السياسيين، بما في ذلك الأعضاء الطامحون في الوصول إلى البيت الأبيض، مثل سيناتور ولاية تكساس تيد كروز، وسيناتور ولاية أركنسو توم كوتون، ما يدفعهم إلى النأي بأنفسهم عن سياسة لا تحظى بشعبية، بينما تكون لأصوات هؤلاء الأعضاء أهمية حاسمة، كما تقول كبيرة الباحثين في برنامج الولايات المتحدة في مركز "تشاتام هاوس"، هيثر هالبرت على موقع المركز.

الاستمرار في الحرب

وعلى رغم احتمالات خسارة الجمهوريين غرفتي الكونغرس، قد يختار ترمب مع ذلك الاستمرار في الصراع أو تصعيده، إذ سيعتمد بصورة كبيرة على صلاحياته الدستورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعلى المرونة المتاحة للسلطة التنفيذية، وكذلك على الاحتياطات التمويلية القائمة، إذ تمنح المادة الثانية من الدستور الأميركي، الرئيس هامشاً واسعاً لتوجيه السياسة الخارجية واستخدام القدرات العسكرية، وتسمح السوابق المعاصرة للبيت الأبيض بتصنيف الضربات الجارية الآن على إيران أنها إجراءات دفاعية، أو مناورات لحماية الأفراد الأميركيين في المنطقة، وهو ما يتيح تجاوز المتطلبات القانونية التي تستوجب الحصول على تفويض صريح من الكونغرس.

وعلى رغم أن "كونغرس" ديمقراطياً موحداً ربما يعمل على تقييد الاعتمادات المالية الجديدة وممارسة ضغوط تشريعية قوية، فإن الرئيس ترمب يظل يمتلك آليات عدة لمواصلة أي صراع أو الحفاظ على استمراره، وحتى في حال عرقل الكونغرس حزم تمويل إضافية للحرب أو خفض طلبات التمويل المستقبلية، يمكن لوزارة الدفاع (البنتاغون) العمل وفق موازنة دفاع أساسية ضخمة اعتُمدت بالفعل، إضافة إلى أنه سيكون بوسع الإدارة غالباً تحويل الأموال داخلياً ضمن وزارة الدفاع باستخدام صلاحيات نقل الاعتمادات، لتغطية الحاجات التشغيلية العاجلة، وأعمال الصيانة، وتعويض الذخائر، مما يمنح ترمب مهلة زمنية تمتد أشهراً قبل أن تؤدي الأزمة المالية إلى توقف الحملة العسكرية تماماً.

علاوة على ذلك، يمكن لإدارة الرئيس ترمب استغلال الإطار الزمني لقانون صلاحيات الحرب، وهو 60 يوماً بموجب قرار صلاحيات الحرب لعام 1973، والذي يفترض بالرئيس سحب القوات في غضون 60 إلى 90 يوماً ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً باستخدام القوة، ومع ذلك، دأبت الإدارات الأميركية على تمديد هذه الفترة أو إعادة تفسيرها، بحجة أن العمليات الجارية لا ترقى إلى مستوى الحرب بالمعنى الدستوري، أو من خلال تنفيذ دورات من الضربات العسكرية القصيرة أو التي تتم بقرارات مستقلة، مما يؤدي فعلياً إلى إعادة ضبط العداد القانوني لهذه الفترة الزمنية.

تحديات قانونية

لأن البيت الأبيض يعتمد بصورة دورية على مكتب المستشار القانوني التابع لوزارة العدل لإصدار تفسيرات ملزمة للسلطة التنفيذية، تحدد النطاق الأقصى لصلاحيات الرئيس في شن الحروب، من المتوقع أن تستخدم إدارة الرئيس ترمب هذه الآراء كدرع قانوني ضد الطعون القضائية التي يرفعها مشرعون معارضون ديمقراطيون، فعندما يلجأ معارضون من الكونغرس أو جماعات معنية بالحريات المدنية إلى القضاء لمحاولة منع عمليات عسكرية غير مصرح بها، غالباً ما ترد المحاكم الفيدرالية هذه الدعاوى لأسباب إجرائية، إذ تقرر عادة أنها لا تملك صلاحية الفصل في النزاعات السياسية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما لم يستنفد الكونغرس الوسائل والآليات المتاحة لديه داخلياً.

ومن بين الآراء القانونية التي يمكن الاعتماد عليها، رأي نائب مساعد المدعي العام السابق في مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل جون يو، والذي طرحه في كتاب "سلطات الحرب والسلام"، إذ جادل بأن الآباء المؤسسين صمموا منصب الرئاسة عمداً ليتمكن من اتخاذ قرارات حاسمة في الشؤون الخارجية، وأن الرئيس يمتلك بموجب المادة الثانية من الدستور، سلطة واسعة لاستخدام القوة العسكرية في الخارج من دون موافقة مسبقة من الكونغرس، وأن الأداة الدستورية الرئيسة التي يمتلكها الكونغرس للرقابة، تقتصر على حجب التمويل المستقبلي، وليس التدخل في التفاصيل التشغيلية للعمليات العسكرية الجارية.

ويشير الأستاذ في كلية "هارفرد" للقانون، والمساعد السابق للمدعي العام في مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل، جاك غولدسميث في كتاباته لمنصة "لوفير"، إلى أن عقوداً من ممارسات السلطة التنفيذية وآراء مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل، أرست معياراً عملياً، وهو أن بإمكان الرئيس إصدار أوامر بشن ضربات عسكرية بصورة منفردة، بشرط أن تخدم مصالح وطنية مهمة، وألا ترقى إلى مستوى الحرب بالمعنى الدستوري، أي تجنب الغزوات البرية واسعة النطاق وطويلة الأمد، ويوضح أن الوكالات التنفيذية يمكنها قانوناً مواصلة العمليات العسكرية باستخدام الاعتمادات المالية القائمة وتحويلات الأموال، وذلك قبل أن تؤدي أي معارضة من الكونغرس إلى وقف تلك العمليات فعلياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تاريخ من الصراع

على مدار التاريخ الأميركي، أدى الاحتكاك الدستوري بين رئيس السلطة التنفيذية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، والسلطة التشريعية التي تملك صلاحية إعلان الحرب والتحكم في المخصصات المالية، إلى صدامات بارزة، لكنها لم تسفر عن تراجع الرؤساء عند مواجهة معارضة أو تحقيقات أو محاولات لقطع التمويل من الكونغرس، بل مضى عديد من الرؤساء قدماً وبقوة في تنفيذ العمليات العسكرية التي قرروها.

من أهم الأمثلة التاريخية للرؤساء الأميركيين الذين تحدوا الكونغرس لمواصلة حملاتهم العسكرية، يبرز اسم الرئيس هاري ترومان خلال الحرب الكورية التي اندلعت في الفترة من عام 1950 حتى عام 1953، حيث أرسل ترومان قوات أميركية إلى كوريا تحت غطاء عملية شرطية تابعة للأمم المتحدة، من دون السعي إلى الحصول على إعلان رسمي بالحرب أو تفويض من الكونغرس، ومع استمرار الحرب وتوسعها لتصل إلى الأراضي الصينية ثم قراره المثير للجدل بإقالة الجنرال الشهير دوغلاس ماك آرثر علناً عام 1951، واجه ترومان معارضة شرسة من أعضاء الكونغرس من كلا الحزبين، وعلى رغم صدور قرارات برلمانية متتالية، واحتدام النقاشات، وتراجع شعبيته بصورة حادة، رفض ترومان التراجع، وتمسك باستمرار الانتشار العسكري ودافع بنجاح عن صلاحياته التنفيذية طوال الفترة المتبقية من ولايته.

من نيكسون إلى بوش

أما الرئيس ريتشارد نيكسون، فعلى رغم أنه ورث حرب فيتنام وسعى لإيجاد مخرج منها، فإنه في الوقت ذاته وسع نطاق العمليات الجوية السرية، ونفذ توغلات برية في كمبوديا عام 1970، ولاوس عام 1971، وشن حملات قصف مكثفة من دون الحصول على تفويضات جديدة من الكونغرس، وبحلول أوائل السبعينيات، حاول الكونغرس الذي كان يسيطر عليه الديمقراطيون تقييد صلاحيات الرئيس من خلال تمرير تعديلات تشريعية تهدف إلى قطع التمويل عن العمليات القتالية في جنوب شرقي آسيا، لكن نيكسون تصدى لهذه المحاولات بقوة، مستخدماً حق النقض (الفيتو) ضد القيود المفروضة، ومؤكداً أن قطع التمويل في خضم النزاع يمثل تقييداً غير دستوري لصلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ومع ذلك، بلغ التوتر ذروته عندما تجاوز الكونغرس بغالبية الثلثين حق النقض الذي استخدمه نيكسون، ليقر "قرار سلطات الحرب" عام 1973، بهدف سلب الرؤساء المستقبليين القدرة على اتخاذ مثل هذه القرارات بصورة منفردة.

وفي ثمانينيات القرن الـ20، دعمت إدارة الرئيس رونالد ريغان سراً متمردي "الكونترا" المناهضين للشيوعية في سعيهم لإطاحة حكومة "الساندينيستا" الماركسية في نيكاراغوا، وفي الوقت ذاته، وخلال الحرب العراقية - الإيرانية، نشر ريغان سفناً حربية أميركية لمرافقة ناقلات نفط كويتية رفعت عليها أعلام أميركية في الخليج، مما أدى إلى وقوع مناوشات بحرية مباشرة، غير معلن عنها، مع القوات الإيرانية.

وفي ظل قلق بالغ من احتمال نشوب حرب بالوكالة أو حرب سرية قد تخرج عن السيطرة، أقر مجلس النواب الذي كان يسيطر عليه الديمقراطيون، تعديلاً حظر صراحة تقديم أي مساعدات استخباراتية أو عسكرية أميركية لقوات "الكونترا"، لكن ريغان وفريقه للأمن القومي قاوم هذا التوجه، ولجأوا إلى الالتفاف على القانون سراً، مما أدى في نهاية المطاف إلى تفجر فضيحة "إيران-كونترا".

في منطقة الخليج، وعلى رغم اعتراضات من الحزبين بأن ريغان يخاطر بشن حرب غير مصرح بها ضد إيران من دون تفعيل "قرار سلطات الحرب"، رفض ريغان سحب الأسطول الأميركي، ونجح في التصدي لضغوط الكونغرس.

في التسعينيات، أمر الرئيس بيل كلينتون الطائرات الحربية الأميركية بالمشاركة في حملة قصف مكثفة شنها حلف "الناتو" ضد يوغوسلافيا استمرت 78 يوماً، بهدف وقف التطهير العرقي في كوسوفو، من دون الحصول على موافقة تشريعية من الكونغرس، مما أدى إلى مواجهة دستورية حادة، انقسم خلالها الكونغرس، وعلى رغم غياب الدعم الصريح من الكونغرس ومخالفة "قرار سلطات الحرب"، تحدى كلينتون هذا الجمود التشريعي وأبقى الطائرات الأميركية التي واصلت حملة القصف حتى استسلم قائد القوات الصربية سلوبودان ميلوسيفيتش.

في عام 2006 واجه الرئيس جورج دبليو بوش صعوداً قوياً للحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي، كان مدفوعاً في معظمه بمعارضة حرب العراق، وبدلاً من التراجع عن تصعيد الحرب، تحدى بوش هذا التيار السياسي، وأمر عام 2007 بتعزيز القوات الأميركية في العراق.

الخيار الصعب

ولهذا، لا يتراجع الرؤساء دائماً عند تعرضهم لضغوط تشريعية مكثفة، إذ يختار البعض مضاعفة جهودهم لتحقيق نتيجة حاسمة قبل أن يتبدد رصيدهم السياسي بالكامل، ولهذا قد يجد ترمب أيضاً نفسه مضطراً إلى استكمال الحرب سعياً إلى تحقيق أهدافه، بخاصة أنه نادراً ما يقدم الكونغرس على قطع التمويل عن القوات المنتشرة في مناطق الخطر، نظراً إلى الأخطار السياسية الجسيمة المترتبة على الظهور بمظهر من يتخلى عن الجيش.

وعلى رغم أن كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، لا يستطيع منع الرئيس من إصدار أوامر بشن عمليات عسكرية، فإن بإمكانه جعل استمرار الحرب أمراً غير قابل للاستمرار من الناحية السياسية والقانونية والمالية بمرور الوقت، وسيواجه الرئيس ترمب خياراً مباشراً، إما قبول حال الجمود التشريعي والأخطار السياسية المتزايدة في سبيل السعي لتحقيق نتيجة عسكرية حاسمة، وإما استغلال وجود كونغرس معارض كذريعة للتفاوض من أجل التوصل إلى مخرج دبلوماسي.

المزيد من تحلیل