ملخص
عرف الشاعر السعودي محمد العلي، الذي غاب عن 94 سنة، بكونه أحد رواد القصيدة السعودية والخليجية والعربية الحديثة، وألقيت عليه ألقاب عدة، منها شاعر "الماء" وشاعر "السؤال"، وكانت كنيته "أبو عادل". واللافت أن أجيالاً من الشعراء والقراء تناقلوا قصائد له، ومنها قصيدة "لا ماء في الماء" وقصيدة "إنتظار".
لا شك في أن المعترك الشعري والفكري في السعودية فقد برحيل محمد عبدالله العلي أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل معالم الحداثة، في الشعر والأدب والفكر والصحافة. فقد جمع "أبو عادل"، خلال مسيرة امتدت نحو سبعة عقود، بين كتابة القصيدة والمقالة الصحافية والفكرية، والعمل التربوي والصحافي، وجعل من اللغة أداة لاكتشاف العالم، ومن السؤال مدخلاً إلى مراجعة الأفكار وتحديث الوعي الثقافي.
كم يبدو من الصعب اختزال العلي في صفة واحد، فالشاعر الذي ارتبط اسمه بالماء والخليج والنخيل، كان أيضاً قارئاً للظاهرة الاجتماعية وناقداً لها، منشغلاً بعلاقة الإنسان بمحيطه، وبما تصنع الأفكار في حياته. وعبر التداخل بين الحساسية الشعرية والوعي النقدي نشأت خصوصية تجربته، فإذا بقصيدته تحمل قلق المعرفة، وبمقالته تفتح أمام القارئ مجالاً للتأمل والمراجعة.
ولد العلي عام 1932 في بلدة العمران في محافظة الأحساء، وتلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، فتلقن القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. ثم انتقل مع والده إلى النجف في العراق لتلقي العلوم الدينية، وتابع دراسته حتى حصل، وفق السير المنشورة عنه، على البكالوريوس من كلية الفقه عام 1962، قبل عودته للسعودية عام 1964.
ولعل هذا التكوين أسبغ عليه معرفة باللغة العربية وتراثها كما بالعلوم الدينية، وأتاح له في الوقت نفسه الاقتراب من بيئة أدبية تتفاعل فيها الثقافة الموروثة مع تيارات التجديد. وكانت إقامته في العراق مرحلة مهمة في اتساع صلته بالأدب الحديث، في مناخ شهد حضور بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وسواهما من شعراء الحداثة الأولى، وكذلك صعود الشعر الجديد متمثلاً في قصيدة التفعيلة. ويمكن قراءة مساره اللاحق بوصفه حواراً متصلاً مع ذلك التكوين، إذ أصبحت المعرفة الموروثة لديه مورداً للإبداع وموضوعاً للفحص وإعادة النظر.
مهمات عديدة
عمل العلي بعد عودته معلماً في ثانوية الدمام، ثم في إدارة التعليم في المنطقة الشرقية، وتولى لاحقاً الإشراف التربوي في الهيئة الملكية في الجبيل حتى عام 1993. وترأس تحرير صحيفة "اليوم" مدة عامين، وعرف بزاويته "كلمات مائية"، وكتب "وقوفاً بها" في مجلة "اليمامة". وقد أتاح له التعليم والصحافة التواصل مع أجيال مختلفة، وجعلا حضوره الثقافي يتجاوز جمهور الشعر إلى قراء يتابعون قضايا المجتمع والمعرفة والتغيير. ثم كتب لاحقاً في صحيفة "الحياة" الصادرة في لندن زاوية يومية، أدبية وسياسية.
بدأ العلي تجربته في فضاء القصيدة العمودية، بما تحمله من موسيقى عروضية ونفساً وجدانياً، ثم اتجه إلى شعر التفعيلة في منتصف الستينيات. ويؤرخ الشاعر والناقد علي الدميني لهذا التحول بقصيدة "الغابة"، المكتوبة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1965. ومن القصائد البارزة في مساره "العيد والخليج"، و"دارين" و"ه متى أتغزل"، و"لا ماء في الماء".
ونظر إلى هذا التحول في كونه متصلاً بتطور رؤيته إلى الشعر وعلاقة الذات بالعالم، فقد اتسعت القصيدة لديه لتستوعب التوتر بين الحلم والواقع، وتحتوي أسئلة الزمن والاغتراب، وما يتركه المكان في الإنسان من ذكريات وحنين. وأصبح الإحساس الفردي مدخلاً إلى التأمل الجماعي، وفيه تتجاور التجربة الشخصية مع القضايا الاجتماعية والإنسانية.
يحضر الخليج في شعر العلي بوصفه بيئة ذات أصوات وذاكرة وعلاقات إنسانية، تشارك في بناء المعنى وترسيخ الدلالات. وقد التقط سعد البازعي هذه السمة في دراسته "محمد العلي: الشعر في الماء"، حين رأى أن انتماء الشاعر الخليجي يتسع بهموم البيئة القريبة إلى قضايا عربية وإنسانية. فالمحلية عند العلي تمنح القصيدة مادتها الحسية وصورها، ثم تتيح لها مخاطبة قارئ يتجاوز حدودها الجغرافية.
رؤية شعرية
وبدا واضحاً أن الماء يظل أكثر عناصر عالمه الشعري حضوراً وإثارة للتأويل، وقد خصصت الباحثة عبير محمد أبوزيد دراسة أكاديمية لهذه التيمة في شعره، تناولت صلتها بالموروث والمعاناة الذاتية ورؤية الشاعر للعالم. ويتخذ الماء، في هذا الأفق، أبعاداً تتداخل فيها الحياة والذاكرة والغياب والبحث، ويصبح عنصراً في تشكيل التجربة ورصد تحولاتها.
في عنوان "لا ماء في الماء" تنشأ مفارقة بين حضور الشيء وغياب معناه: كيف يمتلئ المكان بالماء ويبقى الظمأ؟ يمكن قراءة هذا التوتر بوصفه سؤالاً عن الحياة حين تفقد قدرتها على الإرواء، وعن واقع تتوافر فيه الأشياء وتغيب قيمتها الإنسانية. وهي إمكانية تأويلية يتيحها العنوان ضمن احتمالات أخرى؛ إذ تبقى الصورة الشعرية مفتوحة على مشاركة القارئ في إنتاج دلالتها.
يكتسب البحر في شعر العلي بدوره، طاقة تتجاوز المشهد الطبيعي، فيغدو مجالاً لتأمل الذاكرة والمصير، وما يتحول في الإنسان والمجتمع. وتنبع قوة الصورة من احتفاظها بصلتها الحسية بالمكان، فالموج والملح والأفق تظل حاضرة، حتى حين تنفتح القصيدة على أسئلة الحرية والكرامة والوجود.
ومن الموضوعات البارزة في تجربته الاغتراب، بما يتجاوز البعد الجغرافي إلى الشعور بالمسافة بين الإنسان ومحيطه. وقد ربطت قراءات نقدية هذا الجانب بحساسيته تجاه الجمود، واهتمامه بالعقل النقدي، ورغبته في مساءلة المألوف. لذلك تتجاور في شعره رهافة الوجدان وقلق المعرفة، ويقترن الحنين والوحدة بالتطلع إلى التغيير.
الناقد شاكر النابلسي توقف عند البعد الفكري في شعر العلي، وعند اشتباك القصيدة مع موقف ورؤية. ويطرح هذا الجانب سؤالاً عن قدرة الشعر على حمل القضية، مع الاحتفاظ بحريته وجمالياته. وتستحق تجربة العلي القراءة من هذا المدخل، وخصوصاً عندما تنجح الصورة والمفارقة في تحويل الموقف إلى خبرة شعرية تمنح القارئ مجالاً للتأويل.
تحتل قصيدة "انتظار" موقعاً خاصاً في هذا السياق، فبحسب شهادة علي الدميني، كتبها العلي في زنزانة انفرادية عام 1982. وفي المقطع الذي أورده الدميني، يقرأ الشاعر آثار السابقين على الجدار، ثم يتجه بخياله إلى اللاحقين. وتتيح هذه الحركة قراءة الكتابة بوصفها مقاومة لانغلاق المكان، إذ تتحول الزنزانة، عبر المخيلة، إلى موضع اتصال بمن مروا وبمن سيأتون، ويكتسب الجدار زمناً أوسع من لحظة الاحتجاز.
المقالة والفكر
وبموازاة الشعر، كان للعلي حضور مؤثر في المقالة الصحافية والفكرية. فقد ارتبط اسمه، في مناخ السجال حول الحداثة في السعودية، بالدفاع عن الرؤية النقدية والعقلانية وحرية الإبداع. وانشغل بكيفية تكوّن الأفكار واكتسابها سلطتها، وبقدرة الإنسان على نقد ذاته وتنمية معارفه، وقد رأى في الثقافة حركة مستمرة تتطلب القراءة والمراجعة والانفتاح على المنجز الجديد.
و نظر العلي إلى العلاقة بين المثقف والمجتمع باعتبارها علاقة متبادلة في صناعة الوعي، وأبدى تقديره لتجاوز الأجيال الجديدة تجارب سابقيها، حين يقوم هذا التجاوز على الإبداع والمعرفة. وقد لخص جانباً من تصوره لدوره بقوله: "أفضل أن أعرف بأني جاهدت في تغيير الفكر الاجتماعي وهذا يكفي"، كما نقل عنه الكاتب أحمد الهلال.
تضيء هذه العبارة الصلة بين الشعر والفكر في مشروع العلي، فلكل منهما أدواته، لكنهما يلتقيان في إيقاظ الحس بما يحتاج إلى مراجعة، وفي البحث عن أثر للمعرفة في حياة الناس. ومن هنا تنبع أهمية قراءة أفكاره ومقالاته في سياقها الاجتماعي والتاريخي، وتتبع الأسئلة التي طرحها والوسائل التي اختارها لمناقشتها.
تنوعت مؤلفات العلي بين الشعر والمقالة والتأمل الثقافي، ومن أبرزها "كلمات مائية"، الذي جمعت فيه مقالاته وصدر عام 2008، وديوان "لا ماء في الماء" الصادر عام 2009، و"هموم الضوء"، و"درس البحر"، و"نمو المفاهيم: تساؤلات وآراء في الوجود والقيم"، و"البئر المستحيلة: محاولات لتجاوز السائد في الثقافة والمجتمع"، و"حلقات أولمبية: مقالات في قضايا التنوير والحداثة". كما صدرت عام 2015 مختارات من شعره لعنوان "لا أحد في البيت"، وقد أشرف هو بنفسه على اختيارها.
مشروع شامل
وقد أسهم العلي أيضاً في جمع مقالاته ومحاضراته المتفرقة في إتاحة مشروعه للقراءة، وكان له دور بارز في هذا العمل. وتكشف هذه الكتب عن حصيلة جهد طويل في الكتابة الصحافية والمحاضرات، وعن امتداد الاهتمامات وتداخلها بين نصوصه المختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقدم كتاب "هموم الضوء" مثالاً على طريقته في العمل الثقافي، بما يضم من قراءات في كتب تتناول الحداثة والحضارة والعقل والمستقبل. وتوضح إحدى مقالاته حرصه على عرض آراء المؤلفين بأمانة، مع التدخل في الشرح والمقاربة.
حظي العلي باحتفاء ثقافي ونقدي توج مسيرته الطويلة، فقد حملت الدورة الأولى من مهرجان بيت الشعر في الدمام اسمه عام 2015، وصدر في المناسبة كتاب يضم شهادات وقراءات لأعماله بعنوان "تلك الزرقة التي علمتنا الأناشيد". وفي عام 2022 فاز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي في فرع "التجربة الشعرية"، تقديراً لمنجزه ومكانته في الشعر العربي.
يبقى محمد العلي حاضراً في الثقافة السعودية والعربية من خلال هذا التداخل بين الشاعر والمفكر والناقد "صاحب السؤال" كما وصف. فقد جمع بين الحساسية الشعرية والوعي النقدي، وجعل التراث والتحولات العصرية موردين متجددين للكتابة والتفكير.
لبنان وبرمانا
شخصياً تعرفت إلى الشاعر محمد العلي خلال إقامته لبضع سنوات في لبنان، وتحديداً في بلدة برمانا، المرتفعة عن البحر التي جعلها مصيفاً ومشتى، له في التسعينيات المنصرمة. كنت التقي به مع بعض الأصدقاء، شعراء وصحافيين، فتدور حلقات النقاش وقراءة الشعر، وكان يقرأ لنا بعضاً من قصائده الجميلة والمؤثرة. حينذاك كنت على علاقة صحافية به، إذ كنت أتلقى عبر الفاكس مقالاته الخاصة بزاويته في جريدة "الحياة" وأرسلها إلى إدارة التحرير. وأحياناً كان يسلمني ثلاثة مقالات معاً عندما كنت ألتقي به في برمانا. كانت إقامته في لبنان فسحة جميلة، وكان هو فيها دوماً الشاعر الصديق المحتفى به دوماً.