Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كتاب كامبريدج عن الأدب العربي الحديث يترجم بعد 30 عاما

نقاد عرب وعالميون يتناولون القضايا والمراحل والإعلام برؤية شمولية

لوحة للرسام خالد الساعي (صفحة الرسام - فيسبوك)

كان القراء والنقاد العرب ينتظرون ترجمة كتاب "تاريخ الأدب العربي الحديث" إلى العربية، بعد صدوره بالإنجليزية عام 1992 عن جامعة كامبريدج. وحديثاً لبّى المركز القومي للترجمة في القاهرة رغبة القراء والنقاد، فعهد إلى المترجم عبدالمقصود عبدالكريم مهمة تعريبه، فصدر في 696 صفحة. والكتاب هومن تحرير الناقد والأستاذ في جامعة كامبريدج، المصري الراحل محمد مصطفى بدوي (1925–2012)، وشارك في إنجاز الأبحاث عدد من الباحثين العرب والأجانب.

يتناول الكتاب الموسوعي الأدب العربي على مدى نحو قرنين، بدايةً من أوائل القرن التاسع عشر، ويغطي الخلفية التاريخية وظهور الكلاسيكية الجديدة والرومانسية والشعر الحديث ونشأة الرواية وتطورها، ونشأة المسرح وتطوره، في البلاد العربية، من المغرب إلى العراق، كما يخصص فصلاً عن كتابة المرأة، وفصلاً عن شعر العامية في تلك البلاد. يضم الكتاب 14 فصلاً، تضمن أولها مقدمة المحرر التي ركزت على الخلفية التاريخية، ودراسة بيير كاشيا، من جامعة كولومبيا، عن الترجمة والتعريب من 1834 إلى 1914. الفصل الثاني يتضمن دراسة ساسون سوميخ من جامعة تل أبيب بعنوان "الشعراء العرب الكلاسيكيون الجدد". واشتمل الفصل الثالث على دراسة ر. س. أوستل من جامعة أكسفورد وعنوانها "الشعراء الرومانسيون".

وتناولت سلمى الخضراء الجيوسي (كامبريدج، ماساتشوستس) مشروع الترجمة العربية، في الفصل الرابع المخصص للشعر العربي الحديث. وعالج روجر ألن (جامعة بنسلفانيا، فيلادلفيا) في الفصل الخامس بدايات الرواية العربية، وتناول الباحث نفسه في الفصل السادس موضوع "الرواية العربية الناضجة خارج مصر". وتضمن الفصل السابع دراسة لهيلاري كيلباتريك من جامعة بيرن بعنوان "الرواية المصرية من (زينل) هيكل حتى 1980". وتناول صبري حافظ (مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، جامعة لندن) موضوع "القصة القصيرة العربية الحديثة". وفي الفصل السادس دراسة لمحمد مصطفى بدوي عن التطورات المبكرة للمسرح العربي. وتناول علي الراعي (جامعة عين شمس) في الفصل العاشر المسرح العربي منذ الثلاثينيات. وتناول بيير كاشيا كتاب النثر في الفصل الحادي عشر، والنقاد في الفصل الثاني عشر. وتضمن الفصل الثالث عشر الكاتبات العربيات في دراسة لميريام كووك من جامعة دوك. أما الفصل الأخير فاشتمل على دراسة عن شعر العامية، لمارلين بوث من جامعة إلينوي في إوربانا – شامبين.

الصحافة ونشأة الرواية

يقول روجر ألن من جامعة بنسلفانيا، فيلدلفيا، في دراسته المعنونة بـ"بدايات الرواية العربية"، "ربما يمدنا جورجي زيدان (1861–1914) بأفضل مثال للطريقة التي أسهمت بها الصحافة في نشأة جمهور الرواية في العالم العربي. فبعد تأسيس مجلة "الهلال" في 1892 واصل استخدامها لنشر سلسلة روايات تاريخية رفعت هذا الجنس الأدبي إلى مستويات جديدة من البراعة والجماهيرية. واستخدم كتاب آخرون من لبنان تقاليد الصحافة الناشئة في مصر، للمساهمة بطرق مهمة في نشأة جمهور للقصة العربية الحديثة، مستفيدين من مطبوعات مثل "الرواية الشهرية"، وأنتج نيقولا حداد سلسلة أعمال كاملة بعناوين مثل "حواء الجديدة"، 1906، و"فاتنة الإمبراطور"، 1922، وتمثل في تنوعها جسراً بين الذوق المنتشر لقصص التسلية والظهور التدريجي لتراث يركز أكثر على الواقع الراهن آنذاك".

وبصرف النظر حول الجدل في شأن ما إذا كانت رواية "زينب" للمصري محمد حسين هيكل التي نشرت عام 1913، هي أول رواية عربية، فإن أستاذ الأدب العربي في قسم الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، روجر ألن، يعتبرها "نقطة مرجعية مهمة في تاريخ الرواية العربية الحديثة"، ص259.

وفي دراسته الأخرى ضمن محتويات الكتاب نفسه التي تتناول "الرواية العربية الناضجة خارج مصر"، لاحظ ألن أن الرواية واصلت في العقود التالية لنشر "زينب" وظائفها، مسلية ومعلمة، على أيدي بعض الكتاب، فقدمت الروايات الغرامية مادة جاهزة للسينما، كما حدث مع رواية "زينب" نفسها، ثم للتلفزيون. ومن تلك الروايات، "غادة أم القرى" (1947) للجزائري أحمد رضا حوحو، و"هائم على الأرض أو رسائل الحرمان" للسوداني بدوي عبدالقادر خليل.

المواجهات مع الغرب

ولاحظ ألن أن رواد كتابة الرواية في ثلاث مناطق منفصلة من العالم العربي اتخذوا المواجهات مع الغرب موضوعاً لأعمالهم، ومن هؤلاء السوري شكيب الجابري برواياته "نهم" (1937)، و"قدر يلهو" (1939)، و"قوس قزح" (1946). ورأى أن كثيراً من المحاولات الروائية والقصصية العربية المبكرة اتكأ على السيرة الذاتية، ومن ذلك على سبيل المثال القصة القصيرة "الدكتور إبراهيم" (1939) للعراقي "ذو النون أيوب". وبعد أن حققت البلاد العربية استقلالها، كانت الحاجة إلى ترسيخ إحساس بالهوية الذاتية بوصفها أمة، حافزاً أساسياً لظهور تقاليد قصص الواقعية الاشتراكية. وفي هذا السياق يحتل نجيب محفوظ المكانة الأبرز، فقد كتب سلسلة أعمال عن وطنه، ومدينته القاهرة، في الأربعينيات، ورسم في الثلاثية (1956–1957) مشهداً واسعاً لمجتمع يجتاز اضطراب التغيير على المستويين الفردي والجماعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحين نضع في الاعتبار تاريخ الرواية بوصفها جنساً أدبياً في ثقافات أخرى، لا يكون من المدهش أن تشهد الفترة التالية للاستقلال والثورة في العالم العربي ظهور أعمال كثيرة تتناول أكثر المؤسسات الاجتماعية حيوية، الأسرة، الوحدة التي تمثل بكلمات لوكاتش "أداة لاستمرار الحياة بشكل طبيعي". ولاحقاً صار صوت الكتابة النسوية أكثر جرأة ليس فقط في معالجتها لعلاقات المرأة بالرجل وآرائها عنه، لكن أيضاً في رغبتها في استكشاف الأبعاد الأكثر عاطفية وحسية في نفسها.

سلسلة متصلة

ولاحظ محمد مصطفى بدوي في مقدمة الكتاب أنه بينما يمكن اعتبار الأدب العربي الكلاسيكي سلسلة متصلة بالأساس، يشكل الأدب الحديث -من بعض الجوانب المهمة- رحلة جديدة تماماً، حتى لو تمت المبالغة أحياناً في انقطاعه عن الكلاسيكي، لأن الأدب الحديث على الرغم من استعارته أشكالاً أوروبية من قبيل الدراما والرواية، لم يقطع بشكل كامل ارتباطه بماضيه. وأضاف، "كانت النهضة نتاجاً لالتقاء مثمر بين قوتين: التقاليد الأصيلة والأشكال الأوروبية الوافدة، إضافة إلى ذلك، كان التحول عن الماضي بطيئاً جداً وتدريجياً، لكن نتيجة التأثير العميق للأدب الغربي على النهضة، يبدو من الطبيعي أكثر، تقسيم معالجته إلى فصول عن الشعر والرواية والقصة القصيرة والدراما والنقد الأدبي، إلى حد كبير، كما قد نفعل في مسح تقليدي لأدب غربي، لكن من الخطأ التغاضي عن استمرارية الأدب العربي، الكلاسيكي والحديث: استمرارية حددت طريقة فهم العرب للأجناس الأدبية الوافدة وتعريبها. وبشكل مساو قد نتهم بالتشويه إذا أهملنا مختلف القضايا المهمة التي يبدو أنها خاصة بالأدب العربي الحديث، أو على الأقل تميزه عن أدب الغرب". ورأى بدوي أنه تنبغي الإشارة إلى أن المقصود بالأدب العربي الحديث، الأدب المكتوب حصراً باللغة العربية. أما الظاهرة الحديثة بشكل غريب للمؤلفين العرب الذين يعبرون عن أنفسهم في أعمال إبداعية بلغة أوروبية، ولتكن الفرنسية أو الإنجليزية، فهي فاتنة ومهمة دون شك، وتستحق -بتعبير بدوي- دراسة جادة لاعتبارات أدبية واعتبارات تتخطى الأدب، لكنها بدقة لا تنتمي للأدب العربي، ومن ثم فإنها استبعدت من الدراسات التي يضمها الكتاب.

النهضة الحديثة

ولأسباب متنوعة -يقول بدوي- ظهرت النهضة الحديثة في الأدب العربي في مصر وسوريا (وكانت تشمل لبنان حينذاك)، ومنها انتشرت ببطء إلى بقية العالم العربي. في ذلك الوقت كانت التركية اللغة الرسمية للإمبراطورية العثمانية، ومن ثم عانت الثقافة العربية عموماً انعدام الرعاية الكافية، لكن الأدب العربي استيقظ بقوة من غفوة الرضا عن الذات، حين غزا بونابرت مصر عام 1798، فقد جلب معه أول مطبعة بأحرف عربية، وأسس "معهد مصر" ليجري فيه علماء حملته العسكرية تجاربهم، ولإنجاز مسح كامل ومنهجي لمصر ومواردها. وربما اختلف مسار الأدب العربي الحديث كله اختلافاً تاماً -بحسب بدوي- لولا النتائج غير المباشرة للحملة الفرنسية، ثم كان ظهور محمد علي الذي أرسى الأشكال الغربية للتعليم عقب توليه حكم مصر عام 1805. وحين اعتلى حفيده إسماعيل العرش واصل سياسة تحديث التعليم. وفي بيروت تأسست كلية أميركية عام 1847، ونقل اليسوعيون كليتهم (جامعة سانت جوزيف) إلى بيروت عام 1874، وفتحت أيضاً مدارس البعثات للبنات.

وكان من الطبيعي أن يكون خريجو هذه المعاهد أكثر تقبلاً للأفكار الغربية، وقد جاؤوا بعد جيل ناصيف اليازجي (1800–1871) الذي ضم أول كتاب مسيحيين حريصين على الاهتمام الشديد باللغة العربية والأدب العربي. كتب مارون النقاش أول مسرحية بالعربية (في 1870)، وكتب بطرس البستاني أول موسوعة عربية. وقدم سليمان البستاني ترجمة شعرية لإلياذة هوميروس. وكان سليم البستاني هو صاحب أول رواية عربية في 1870، بحسب المحرر، إلا أن المترجم علَّق على ذلك بالقول إنه ثبت تاريخياً أن أول رواية عربية هي "وي إذن لست بإفرنجي" لخليل الخوري، وحدث ذلك في سنة 1858، وقد اكتشفها الباحث محمد سيد عبدالتواب وأعاد نشرها بواسطة المجلس الأعلى المصري للثقافة عام 2017. وأسس جورجي زيدان مجلة "الهلال" في 1890. وبالتدريج حدث تطور جذري في الكتابات العربية الحديثة في مفهوم الأدب ووظيفة الكاتب. وتراجعت تدريجياً رؤية القرون الوسطى التي سادت حتى القرن التاسع عشر، واعتبرت الكتابة تثقيفاً خلقياً وروحياً أو تسلية من خلال براعة اللغة والمهارات اللفظية، أمام موقف يرى أن على الأدب أن يعكس الواقع الاجتماعي ويغيره.

والجدير ذكره أن محرر الكتاب، عمل أستاذاً للأدب العربي في جامعة أكسفورد، من 1964 إلى 1992، وعمل مدرساً في جامعة الإسكندرية لمدة عشر سنوات، وألقى محاضرات في عدة جامعات عالمية بوصفه أستاذاً زائراً، كما شارك في عديد من المؤتمرات الدولية، وله إسهام بارز في مجال الدراسات النقدية والأدبية، وكذلك في مجال الترجمة من الإنجليزية وإليها، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام 1992.

المزيد من ثقافة