Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سؤال شيلي الشعري الذي ظل بلا جواب

قصيدة "انتصار الحياة" غير المكتملة استعانت بالمفكر الفرنسي روسو كي ينسف فكر التنوير النهضوي

بيرسي شيلي (1792 - 1822) (غيتي)

ملخص

عبر الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي في قصيدته "إرادة الحياة" عن مواقفه التي كانت بدأت تزداد تشكيكاً في التنوير، بل حتى في العقلانية، وذلك في زمن كان ميله إلى الشعر قد بدأ يتغلب لديه نهائياً على ميله إلى الفكر

في عام 1822 الذي رحل فيه الشاعر بيرسي شيلي عن عالمنا وهو، بعد، في عز شبابه لم يتجاوز الـ29 من عمره بعد، ترك وراءه بين النصوص التي تركها قصيدة لم تكتمل أبداً عنوانها "انتصار الحياة". هذه القصيدة نشرت للمرة الأولى في سنة 1824، أي بعد رحيل صاحبها بعامين، من دون أن يتدخل أحد في الطبع في وضع نهاية لها.

ومن هنا ظل السؤال الذي تحمله سطورها الأخيرة يقول: "ما هي الحياة؟". أما السؤال الآخر الذي شغل بال الكُثر، منذ ذلك الحين، فهو: لو قيض لشيلي أن يعيش أكثر وأن يكمل قصيدته هذه، بالتالي، هل كان سيكملها مجيباً عن ذلك السؤال الذي طرح في السطر الأخير المكتوب؟ أم أنه كان سيتركها على حالها ناقصة، أي سيبقي سؤاله من دون جواب؟

والحقيقة أن هذا السؤال يستبطن سؤالاً آخر أكثر يقينية: هل كان شيلي ينوي أصلاً أن يختتم القصيدة بالإجابة عن ذلك السؤال؟ ليس من السهل اليوم الإجابة عن كل هذه الأسئلة.

ومن هنا ومهما كان من شأن الفرضيات التي يمكن إيرادها في هذا السياق كجواب، من المؤكد أن الشكل "النهائي" أي "غير المكتمل" للقصيدة يفرض علينا التعامل معها، ومنذ نشرت للمرة الأولى، كما هي واعتبار السؤال الذي تنتهي إليه سؤالاً ينتمي إلى الشاعر بامتياز.

قصيدة لنهاية حياة

من المؤكد أن شيلي، قد اشتغل على قصيدته هذه طوال الأشهر الأخيرة من حياته، بل يمكن القول ترجيحاً أيضاً إنه اشتغل عليها طوال السنوات الأخيرة من تلك الحياة. ذلك أن المناخ العام لـ"انتصار الحياة" والأجواء الوجودية المطروحة فيها، ناهيك بتقنيتها نفسها، يمكن الافتراض أنها تولدت لدى الشاعر الشاب منذ قراءته المبكرة لقصيدة دانتي النهضوية "الكوميديا الإلهية"، تلك القراءة التي جعلت شيلي راغباً دائماً في كتابة عمل لا يقل ضخامة ونهضوية عن عمل شاعر إيطاليا الأكبر.

وهنا في هذا السياق قد يكون علينا أن نلفت، منذ البداية، إلى عاملين أساسين يربطان "انتصار الحياة" بـ"الكوميديا الإلهية"، أولهما البنية التشطيرية التي تتشابه تماماً في العملين عبر تقسيم القصيدة إلى مقاطع يضم كل منها 13 شطراً، وثانيهما وجود المفكر والكاتب الفرنسي روسو، في قصيدة شيلي ليؤدي هنا دوراً مشابهاً للدور الذي يلعبه الشاعر اللاتيني فرجيل في قصيدة دانتي: أستاذاً، مثالاً أعلى، ودليلاً في التجوال. وليس من المهم طبعاً إذا كانت الجولتان تشبهان بعضهما بعضاً. فالمهم هو وجود هذين الأساسين اللذين يكشفان التطلع الأول لشيلي.

توقف مباغت

من بين تفاصيل المخطط الإجمال الذي كان شيلي يتوخى كتابة قصيدته تبعاً له، نفذ الشاعر خمسة أجزاء رئيسة، يتألف كل جزء منها من عدد من الأبيات والأشطر، علماً أن الجزء الخامس لم يحتوِ إلا على أربعة أبيات تدور كلها من حول السؤال الذي يحمله ذلك الجزء وهو "ما هي الحياة؟".

ومن الواضح هنا أن شيلي توقف بصورة مباغتة بعد تدوين هذه الأبيات الأربعة المنتهية بعلامة السؤال. ويتأكد لنا هذا، من خلال سيرة شيلي، كما من خلال المقارنة بين عدد أسطر كل جزء من الأجزاء. فالمقدمة تتألف من 40 سطراً أو بيتاً، والقسم الأول يتألف من 134 بيتاً، بينما يتألف الجزء الثاني من 119 بيتاً، والجزء الثالث من 147 بيتاً. وعلى هذا يكون لدينا في نهاية الأمر ما مجموعه 548 بيتاً أنجز شيلي كتابتها، من عمل من المنطقي القول إنه كان يريد له أن يتجاوز هذا الرقم كثيراً.

وفي المقدمة لدينا الراوي وحكاية أزمته الوجودية غير المروية وكذلك رؤياه التي تشبه حلم اليقظة. فما هي هذه الرؤية؟ إنها صور متتابعة لمكان يبدو غامضاً أول الأمر، لكنه على غموضه مملوء بازدحام بشر يأتون ويذهبون عابرين على غير هدى. إنهم هنا وكأنهم ليسوا هنا، لا يبدو عليهم أنهم ينتظرون أي شيء... لا يبدو عليهم أنهم يعبأون بأي شيء! هل يقل عددهم عن الملايين؟ إنهم شعوب بأسرها... لكنهم حتى وإن كانوا غير مبالين، ينظرون في الوقت ذاته إلى عربة مقبلة يقودها دليل كفيف. ومن هذه العربة ينزل عدد من الأشخاص يمارسون رقصة وحشية.

وهنا إذ يبدأ الجزء التالي من القصيدة، يدخل جان جاك روسو على الخط ويتعرف إلى الناس ويحذرهم من الجمود. ومن خلال روسو ومن بعده، تتتالى شخصيات تاريخية كبرى: الإسكندر، أفلاطون، بيكون، نابليون وحكماء وحكام وديماغوجيون... وخصوصاً زعماء من النوع الذي لا يأتي إلى السلطة إلا كي يدمر.

تشكيك في التنوير!

من الواضح في هذا السياق كله أن شيلي، الذي كان خلال تلك الفترة من حياته وفكره، قد بدأ يشكك في جدوى أفكار التنوير النهضوية كلها، طرح شكوكه هذه على صورة أسئلة وأفكار يعبر عنها دليله ومثله الأعلى روسو. غير أن شيلي حرص هنا على أن يقدم روسو تحت كاشفي ضوء في الوقت ذاته. فهو من ناحية يعيد إليه الاعتبار، لكنه من ناحية ثانية يرفضه تماماً بصفته مفكراً تأسيسياً من مفكري عصر التنوير. فحتى وإن كانت لروسو هنا، كلمة الفصل، ومضمون السؤال الأخير، فإن شيلي يبدو راغباً في أن يعكس صاحب "العقد الاجتماعي" و"إميل"، كل شكوكه وأسئلته حول ذينك المفكرين الفاسدين المفسدين، فولتير وكانط. وذلك خصوصاً من خلال أسئلة يحدث في أحيان كثيرة أن توضع على شكل حوار مناجاة، بين وجهين لروسو نفسه، أو على صورة أسئلة يطرحها الراوي على روسو، الذي سرعان ما يرفض الأسئلة مُبدياً مفهوم الحياة والطبيعة على مفهوم الفكر والمنطق.

صحيح أن السائل يذكر روسو، بين الحين والآخر، بذلك الظمأ إلى المعرفة الذي كان من شيمه... غير أن روسو سرعان مما يؤكد أنه فعلاً كان ظمئاً إلى المعرفة، لكنه في الوقت ذاته عاش الحياة، ارتعب، أحب، كره، تألم... وظل يفعل ذلك كله حتى مات... وهذا ما نبهه تماماً إلى أن العثور على المعرفة، ليس كل شيء في الحياة. ولن يكون هو بأي حال الجواب عن السؤال الأساس، سؤال الوجود وسؤال المعرفة أيضاً: ما هي الحياة؟

وفي هذا السياق نفسه سيكون لافتاً إلى أن نرى روسو، ذات لحظة، ليس عاجزاً فقط عن الإجابة عن سؤال الحياة، بل كذلك عن الإجابة عن سؤال الذات. فهو إذ يسأل: من أنت؟ لا يسعه إلا أن يجيب: لست أدري. أعرف فقط أنه كان ثمة ذات يوم كيان اسمه روسو. أما الآن فإنه ليس أكثر من "قناع".

وعلى هذا النسق تدور غالبية فقرات "الحوار" بين روسو والراوي... هذا الراوي الذي لن يطول بنا الأمر في النهاية، قبل أن ندرك أنه إنما يمثل الرغبة البشرية التي قد تكون حققت امتلاءها عبر التنوير، لكنها عجزت في المقابل عن أن تطرح على نفسها ذلك السؤال الجوهري عن الحياة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الشعر والفكر

قد يكون منطقياً هنا أن نقول إن بيرسي شيلي (1792 - 1822)، إنما عبر في هذه القصيدة عن مواقفه التي كانت بدأت تزداد تشكيكاً في التنوير، بل حتى في العقلانية، وذلك في زمن كان ميله إلى الشعر قد بدأ يتغلب لديه نهائياً على ميله إلى الفكر. ويشهد على هذا بالطبع تطور كتاباته الشعرية والنثرية التي كانت بدأت، انطلاقاً من رومنطيقية ما، تنحو أكثر وأكثر صوب لا عقلانية، لربما كانت هي مما جعله زعيماً غير منازع لطائفة من شعراء النزعة المسماة ما - قبل - الرافائيلية، وهي نزعة سادت في الشعر كما سادت في الرسم، وكان من أبرز وجوهها في الشعر، روبرت براوننغ وبايرون وسوينبرن.

أما بالنسبة إلى شيلي نفسه فنعرف أن من أبرز أعماله: "آلاستور، روح العزلة" و"ثورة الإسلام" و"نظرة فلسفية إلى الإصلاح" و"بروميثوس طليقاً" و"دفاعاً عن الشعر" الكتاب النظري الذي لم يقيض له أن ينشر إلا بعد رحيل مؤلفه بنحو عقدين من الزمن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة