كشفت مراجعات لمنظمة الصحة العالمية عن أن معدلات نقص النمو لدى الأطفال في تزايد مستمر وقد بلغت نسبة 23,2 في المئة أي ما يعادل 150 مليون طفل في العالم. وجرى الربط دوماً بين نقص النمو وسوء التغذية المزمن الذي يؤدي إلى عدم وصول الأطفال إلى احتياجاتهم الغذائية المطلوبة للنمو، لكن، حصل تحول في النظرة إلى سوء التغذية في الأعوام الأخيرة، واعتُبر نمط الحياة العصري والنظام الغذائي الحديث الذي يعتمد على الأطعمة السريعة التحضير، ويرتكز على أطعمة غنية بالدهون والسعرات الحرارية من العناصر الرئيسة المسببة، وإن كان يؤدي إلى البدانة، فغالباً ما تنقص العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاج إليها الطفل في نموه في هذا النوع من الأنظمة. ويشكل قصر القامة جانباً جوهرياً في نقص النمو لدى الأطفال، وعلى رغم أن العامل الوراثي يؤدي دوراً مهماً في تحديد طول قامة الطفل، ثبت أن عوامل أخرى ترتبط بنمط الحياة وبمشكلات صحية معينة أحياناً، قد تؤثر في قامة الطفل، مع إمكان التدخل في الوقت المناسب في مواكبة للنمو الطبيعي للطفل.
بين الوراثة والعوامل الخارجية
تعرف منظمة الصحة العالمية نقص النمو بأنه انخفاض الطول بالمقارنة مع العمر بمقدار معيارين انحرافيين أو أكثر، عن الوسيط الوارد في معايير نمو الطفل المعتمدة عالمياً. وعلى رغم أنها تعتبر ذلك ناتجاً من الحرمان من التغذية السليمة، والإصابة المتكررة بالأمراض، ونقص الرعاية الصحية المبكرة، فإن مثل هذه المشكلات ليست موجودة في دول فقيرة حصراً، كما قد يتصور البعض، فقصر قامة الطفل ممكن في أي مكان في العالم، وعلى رغم أنها قد تكون حالة طبيعية وعادية، ينظر إليها الأهل أحياناً كمشكلة لا بد من التدخل لمعالجتها أو لمعرفة أسبابها في الأقل، علماً أن هذا التدخل المبكر لدى وجود مشكلة معينة ترتبط بالنمو كفيل بإحداث تحول في نمو الطفل.
أياً كان ما وراء قصر قامة الطفل أو قلة نموه بالنسبة إلى المعدل الطبيعي، قد تكون هواجس الأهل في هذا المجال مبررة أحياناً، وليس دائماً، فلكل طفل معدل نمو معين، وثمة أطفال يكونون أقصر قامة لأسباب عدة، وفي قسم من الحالات لا يكون قصر القامة مرتبطاً إلا بالعامل الوراثي.
بحسب طبيب الأطفال المتخصص في أمراض الدم والأورام محمد عياد فرحات، فإن قامة الطفل ترتبط بعوامل عدة، منها العامل الوراثي الذي له علاقة بجينات عدة وطفرات مسؤولة عن الطول "وتمكن العلم من تحديد كثير منها، في وقت بقيت طفرات عدة غير محددة بعد، لكن ما يمكن قوله إنها شكلت عاملاً أساساً في تحديد الطول. وفي نسبة 80 في المئة يكون العامل الوراثي مسؤولاً عن طول الطفل. انطلاقاً من ذلك وضعت معادلة حسابية قادرة على تحديد الطول التقريبي للطفل بالاستناد إلى طول والديه، وتقضي بجمع طول الأب مع طول الأم ويضاف إلى المجموع 13 للصبي أو يطرح 13 للفتاة من النتيجة التي تقسم بعدها على اثنين، أما المجموع الذي يمكن الحصول عليه عندها، فيدل على الطول المتوقع للطفل عندما يصبح بالغاً"، وبحسب الطبيب فرحات "هذا لا يعني أن العملية الحسابية تعطي إجابة مؤكدة حول الطول المتوقع للطفل، لكنها تعطي صورة تقريبية مع فارق محتمل بنسبة 8,5 في المئة زيادة أو نقصاناً، فتنجح هذه العملية الحسابية في إعطاء نتيجة تقريبية لطول الطفل في نسبة 90 إلى 95 في المئة من الحالات، ولكن في الوقت نفسه، لدى التحدث عن دور العامل الوراثي، ليس المقصود بذلك الأب والأم حصراً، بل يرتبط الأمر بأفراد العائلة كاملة وصولاً إلى الأجداد، بما أن العوامل الجينية ترتبط بهم، على سبيل المثال قد لا يكون الأب والأم متمتعين بطول القامة، لكن يمكن أن يعود طول الطفل إلى طول قامة خاله مثلاً".
التغذية وعوامل أخرى
على رغم أهمية دور العامل الوراثي فلا يمكن استبعاد دور العوامل الأخرى التي تؤثر في نمو الطفل وطول قامته، ويرتبط قسم منها بنمط الحياة. ومن هذه العوامل ما له علاقة بالبيئة المحيطة بالطفل وبالنظام الغذائي الذي يتبعه، والذي له دور في غاية الأهمية أيضاً، فحتى في حال وجود عوامل جينية داعمة لطول قامة الطفل، قد تكون التغذية غير المناسبة التي لا تحوي كميات كافية من العناصر الغذائية الأساسية لنموه سبباً لقصر القامة في النتيجة مع التقدم بالعمر، وعلى رأس هذه العناصر الغذائية البروتينات والفيتامينات خصوصاً الفيتامين "د"، والكالسيوم، فهي تؤثر إلى حد كبير في طول قامة الطفل، كذلك أوضح فرحات "أن النظام الغذائي الغني بالسكر يؤثر سلباً في قامة الطفل كونه يؤثر في هرمون النمو ويخفض مستوياته، فيما المطلوب التركيز على نظام غذائي متوازن ومتنوع غني بمختلف العناصر الغذائية من فيتامينات خصوصاً الفيتامين د، والمعادن والبروتينات بشكل أساس".
على رغم أن الطول المتوقع لطفل قد يكون بمستوى جيد، من الممكن أن يأتي طول دون المستوى المتوقع عند البلوغ، مما يؤكد دور التغذية في هذا المجال أن خضوع الطفل لحمية صارمة لخفض وزنه قد يؤثر سلباً في نموه، إذا كانت العناصر الغذائية التي يحتاج إليها لجسمه ونموه ناقصة فيها، لذلك، على المتخصصة في التغذية أن تشرف على الحمية المناسبة لعمر الطفل وأن تكون حريصة على توفير العناصر الغذائية التي يحتاج إليها حتى لا يتأثر طول قامته، لذلك لا ينصح بلجوء الطفل إلى حمية بطريقة عشوائية بما أنها تؤثر إلى حد كبير في نموه. وعلى العكس، كما أن نقص العناصر الغذائية الأساسية يؤثر في نموه، كذلك يمكن للنظام الغذائي الغني بالسكريات والأطعمة السريعة التحضير أن يؤثر أيضاً ويسبب نقصاً فيه، وهي من المشكلات الشائعة في أيامنا هذه. وأظهرت الدراسات أن تناول مصادر السكر قبل النوم تحديداً يؤثر سلباً في إنتاج هرمون النمو ليلاً، من هنا أهمية تجنبها في هذا الوقت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الوقت نفسه، لا تعتبر التغذية وحدها مسؤولة عن قصر قامة الطفل أو طولها، فالنشاط الجسدي الذي يمارسه ومعدلات الطاقة تؤثر أيضاً، وتابع طبيب الأطفال المتخصص في أمراض الدم والأورام "على سبيل المثال، تساعد السباحة على الحد من الضغط على غضروف النمو، وتسهم في تنمية العظام، وتعزيز الكتلة العضلية، وينطبق ذلك أيضاً على رياضة كرة السلة التي تعتبر مفيدة لنمو الأطفال أيضاً، فهي من الرياضات التي أثبتت الدراسات أنها تزيد طول قامة الطفل بتأثيرها في غضروف النمو ودورها في تعزيز النمو، حتى إن تمارين المط تؤدي هذا الدور أيضاً كونها تحفز النمو، وتساعد كل رياضة تقوم على مبدأ القفز على تعزيز النمو، لكن قد يؤثر كل من الرياضات إيجاباً بطريقة مختلفة".
وفي ما عدا التغذية والنشاط الجسدي، يمكن أن تؤثر إصابة الطفل بأمراض مزمنة معينة أو تناوله أدوية على طول قامته، على سبيل المثال، يؤثر تناول الكورتيزون سلباً على طول قامة الطفل كونه يخفف من إفراز هرمون النمو في الجسم. لذلك، لدى وصفه فترة طويلة، من المهم إعطاء الطفل مزيداً من الفيتامين "د"، وتجرى مراقبة معدلات الكالسيوم في الجسم. كذلك بالنسبة إلى العلاج الكيماوي الذي يؤثر سلباً، وأيضاَ مشكلات المناعة وأدوية الأمراض المزمنة. كما يعتبر الأطفال الذين يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي أكثر ميلاً لنقص النمو، فهم يعانون ضعفاً في القدرة على امتصاص العناصر الغذائية، وكونهم لا يمتصونها بمعدلات كافية، يتأثر نموهم سلباً لعدم توفر العناصر الغذائية التي يحتاجونها لنموه. وينطبق ذلك على الأطفال الذين يعانون اضطرابات في الغدة الدرقية وهي تؤثر على طول القامة لديهم إذا كان هناك قصور فيها.
حتى أن للنوم تأثيراً على نمو الطفل، فبقدر ما ينام لوقت أطول، ويكون نومه عميقاً، ويتبع عادات نوم سليمة، يزيد نموه أكثر بعد. من هنا أهمية الابتعاد عن الشاشات قبل ساعة من النوم على الأقل، ليكون النوم عميقاً ويحصل النمو بشكل طبيعي.
في حال نقص هرمون النمو
وشدد فرحات على أهمية المتابعة المستمرة لنمو الطفل ومراقبة مستوياته في مختلف المراحل مع طبيب الأطفال، "فلا بد من التدقيق في معدلات الزيادة في الوزن والطول، لكن هذه المراقبة لا تجرى بمقارنة الطفل مع الآخرين، بل بالاستناد إلى معدل النمو بحسب جدول النمو في سجله الطبي، ومن المفترض أن تكون هناك زيادة نمو مستمرة مع تقدم الطفل في العمر، وإذا كان طول الطفل متناغماً مع مؤشر النمو فلا مشكلة، أما إذا كان الطول ثابتاً لا يزيد، فلا بد من اللجوء إلى الفحوص، علماً أن النمو يكون سريعاً في السنة الأولى، ثم يصبح أكثر بطئاً في مرحلة لاحقة، ويعاود الارتفاع حتى البلوغ. في حال ملاحظة قصور في طول الطفل، نطلب فحوصاً للغدة الدرقية وصورة للعظام وفحوص هرمون النمو، وعند الحاجة يتم تحويل الطفل إلى طبيب مختص بالنمو، لكن يمكن أن تبدو فحوص الدم طبيعية، ويكون هناك شك مستمر، عندها تكون هناك حاجة لإدخاله إلى المستشفى لإجراء الفحص الخاص بهرمون النمو، وهو يقضي بإعطائه دواء يؤدي إلى إفراز هرمون النمو ويجرى فحص الدم عندها للتأكد من مستوياته، فهرمون النمو يفرز عادة ليلاً، وبهذه الطريقة يمكن مراقبة مستوياته في النهار في المستشفى عبر تحفيز إفرازه، علماً أن اكتشاف أي مشكلة في النمو لدى الطفل، يجب أن يحصل في مرحلة مبكرة قبل البلوغ لتحقيق نتيجة أفضل وليكون التدخل أكثر فاعلية، ومن الممكن ملاحظة قصر في الطول في قرابة خمس أو ست سنوات ويكون التدخل السريع أفضل عندها".
وفي حال إثبات وجود مشكلة نقص في هرمون النمو لدى الطفل، يحصل التدخل في العمر المناسب قبل البلوغ عير إعطائه حقن هرمون النمو تحت الجلد بإشراف الطبيب المتخصص بالغدد لدى الأطفال، وذلك بشكل يومي خلال عام أو إثنين أو ربما أكثر، بحسب مدى استفادته منها، على أن يحصل ذلك قبل البلوغ لأنه ما من جدوى لهذه الحقن بعدها. وفي مرحلة البلوغ، من المفترض وقف الحقن ولا حاجة إلى متابعتها لأن غضروف النمو يتوقف. مع الإشارة إلى أن الولد يصل إلى مرحلة البلوغ في عمر 12 أو 13 سنة، فيما يزيد طول الفتاة قبله، وبحسب الدراسات يمكن أن يزيد طولاً بعد عمر 18 سنة بمعدل ثلاث أو خمس سنتمترات تقريباً، أما الفتاة فتلغ بعمر 18 سنة الحد الأقصى للطول تقريباً.