Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قطاع الصحة في صميم التحول الاقتصادي المقبل في الخليج

يتطلب تطبيق حزمة من التدخلات التي توصي بها "منظمة الصحة العالمية" في دول مجلس التعاون استثماراً يقدر بنحو 14 مليار دولار على مدى 15 عاماً

لا تظهر كلفة الأمراض المزمنة في موازنات الصحة فقط، فهي تمتد إلى سوق العمل عندما يضطر أشخاص إلى مغادرته في وقت باكر، أو يفقدون جزءاً من قدرتهم على العمل والإنتاج (بيكسلز)

ملخص

تبرز أهمية الاستثمار في القطاع الصحي في دول الخليج، في وقت يتزايد عبء الأمراض المزمنة، بالتزامن مع ارتفاع التوقعات من القوى العاملة وأنظمة الرعاية الصحية، وتشكل الأمراض المزمنة نحو 74 في المئة من الوفيات في منطقة الشرق الأوسط، فيما تأتي أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري في مقدم الأسباب الرئيسة.

تتسارع وتيرة التحول بصورة لافتة في مختلف دول الخليج، حيث تعمل الحكومات على تنويع اقتصاداتها والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، وتعزيز رأس المال البشري، إضافة إلى تطوير قطاعات جديدة من شأنها دعم النمو لعقود مقبلة.

لكن ثمة استثماراً آخر سيكون له دور متزايد في تحديد مدى استدامة هذا النمو، وهو القطاع الصحي، إذ تعتمد التطلعات الاقتصادية لدول الخليج في جانب أساس منها، على قدرة الناس على المشاركة الكاملة في المجتمعات والاقتصادات التي يجري بناؤها، ومن هنا لم تعد صحة السكان مجرد نتيجة اجتماعية، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية للمنطقة.

وتبرز أهمية هذا الاستثمار في وقت يتزايد فيه عبء الأمراض المزمنة، بالتزامن مع ارتفاع التوقعات من القوى العاملة وأنظمة الرعاية الصحية، إذ تشكل الأمراض المزمنة نحو 74 في المئة من الوفيات في منطقة الشرق الأوسط، فيما تأتي أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري في مقدم الأسباب الرئيسة.

وقدّر تقرير صادر عام 2024، عن "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي"، يستند إلى بيانات السعودية والبحرين والكويت وعُمان وقطر، أن الأمراض المزمنة تكلف هذه الاقتصادات نحو 50 مليار دولار أميركي سنوياً، أي ما يعادل في المتوسط 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المسجل عام 2019، ويعود نحو 30 مليار دولار من هذه الكلفة إلى النفقات الطبية المباشرة، في حين يرتبط مبلغ 20 مليار دولار إضافية بخسائر الإنتاجية.

ولا تظهر كلفة الأمراض المزمنة في موازنات الصحة فقط، فهي تمتد إلى سوق العمل عندما يضطر أشخاص إلى مغادرته في وقت باكر، أو يفقدون جزءاً من قدرتهم على العمل والإنتاج، أو يصبحون أقل استقلالاً، وكذلك تظهر عندما يضطر أفراد من العائلة إلى الابتعاد من العمل لتوفير الرعاية، وعندما تؤدي المضاعفات التي يمكن الوقاية منها إلى الحاجة لموارد صحية أكثر كثافة.

 

وتكتسب هذه التداعيات أهمية أكبر في ظل وضع رأس المال البشري في صلب خطط التحول الاقتصادي لدول الخليج، ويقدم مرض السكري مثالاً واضحاً على حجم التحدي، إذ إن نحو 38 في المئة من الأشخاص المصابين بالسكري في المنطقة لا يعرفون عن إصابتهم به، وهو ما يزيد احتمال اكتشاف المرض ومضاعفاته بعد وصوله إلى مراحل متقدمة.

وتشير التوقعات إلى أن الأثر الاقتصادي للسكري في المنطقة قد يصل إلى 1.5 تريليون دولار أميركي سنوياً بحلول عام 2050، لتجعل مضاعفات هذا المرض، ومنها فقدان البصر، هذه التداعيات الاقتصادية أكثر وضوحاً، ففي السعودية قُدّر العبء السنوي لضعف البصر والاصابة بالعمى المرتبطين بالسكري بنحو 150.3 مليار ريال سعودي، وهو رقم يعكس كلفة الرعاية الصحية، إضافة إلى الخسائر في الإنتاجية.

كذلك تكشف هذه الأرقام أيضاً عن فرصة يمكن البناء عليها، فالأدلة المستقاة من دول مجلس التعاون الخليجي الخمس تشير إلى أن تطبيق حزمة من التدخلات التي توصي بها "منظمة الصحة العالمية"، التي تتميز بفعاليتها العالية لجهة الكلفة في مواجهة الأمراض المزمنة، سيتطلب استثماراً يقدّر بنحو 14 مليار دولار أميركي على مدى 15 عاماً، وهو ما يعادل زيادة سنوية متوسطة بنحو 1.4 في المئة في إجمال الإنفاق الصحي، أو نحو 16 دولاراً أميركياً للفرد سنوياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، يمكن أن يسهم التطبيق الكامل لهذه التدخلات في تفادي نحو 290 ألف وفاة باكرة خلال 15 عاماً، إضافة إلى تحقيق مكاسب في إنتاجية العمل تُقدر بنحو 49 مليار دولار أميركي، وتعيد هذه المعطيات صياغة النقاش الاقتصادي، فالمسألة لم تعد تقتصر على كيفية احتواء الحكومات ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية، بل أصبحت تتعلق أيضاً بتحديد المجالات التي يمكن أن يحقق فيها الاستثمار اليوم مكاسب ملموسة، ويحدّ من كُلف بشرية واقتصادية أكبر في المستقبل.

وهنا تبدأ أهمية الوقاية والتوعية والفحص المنهجي والتشخيص الباكر، وتبرز الحاجة إلى الاستفادة بصورة أكثر فاعلية من الابتكار، فالذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية يمكن أن تساعد في توسيع نطاق الفحوص، وتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للأخطار خلال مراحل باكرة، وتمكين الأنظمة الصحية من الاستفادة بصورة أفضل من قدرات الأطباء والمتخصصين.

لكن قيمة هذه التقنيات تكمن أيضاً في مدى دمجها ضمن مسارات رعاية مترابطة، تضمن انتقال المرضى بكفاءة من مرحلة تحديد الأخطار إلى التشخيص ثم إلى الرعاية المناسبة.

وفي السياق نفسه، تتيح البيانات الواقعية، والسجلات الوطنية، وتعزيز قياس النتائج، تحديد مكامن الخلل في رحلة المريض، بدءاً من التأخر في التشخيص، مروراً بانقطاع المرضى عن متابعة الرعاية، وصولاً إلى تحديد المجالات التي يمكن أن يحقق فيها الاستثمار أكبر قيمة صحية واقتصادية، ويمتلك الخليج كثيراً من المقومات اللازمة لمواصلة هذا المسار، من رؤى وطنية طويلة الأمد، وبنية تحتية رقمية متطورة، وقدرة استثمارية، واستعداد واضح للتحول.

ومع رسم ملامح الموازنات والأولويات التنموية للأعوام المقبلة، تستحق الصحة أن تُعامل من منظور الاستثمار طويل الأمد نفسه الذي يُعتمد عند التخطيط للبنية التحتية والتكنولوجيا ورأس المال البشري، فالفصل المقبل من مسيرة النمو في المنطقة لن يتحدد فقط بما تبنيه دول الخليج، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية صحة وإنتاجية الأشخاص الذين سيقودون هذا النمو.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة