Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تحولت الراحة إلى تهمة وبات الإجهاد إنجازا؟

الكسل أو امتلاك وقت فراغ كبير يُعدان في كثير من الأحيان علامة على الخمول والتقاعس

كل سمات هذا العصر قد دفعت إنسانها ليرى نفسه مشروعاً ريادياً غير قابلاً للتوقف عن الإنجاز (بيكسباي)

ملخص

الراحة مصممة لمساعدة الجسم على التعافي، لكن بالنسبة لبعض الناس يُثير التباطؤ شعوراً معاكساً، فبدلاً من الراحة يشعرون بالذنب، وبدلاً من الهدوء يشعرون بالضغط.

في كتابها "الجرأة على العظمة"، تصف برينيه براون أستاذة باحثة في جامعة هيوستن، الانشغال المفرط بأنه إستراتيجية تخديرية تُمكننا من تجنب مواجهة حقيقة حياتنا. وتوضح أننا نفضل ملء أوقات فراغنا بالأنشطة، أي نوع من الأنشطة، بدلاً من المخاطرة بالبقاء وحيدين مع أفكارنا. ويشجع المجتمع اليوم هذا السلوك، فالكسل أو امتلاك وقت فراغ كبير يُعدان في كثير من الأحيان علامة على الخمول والتقاعس مما يؤدي إلى الشعور بالذنب لأنك لا تفعل شيئاً حتى وأنت على شفا الانهيار، فلماذا تحوّلت الراحة إلى تهمة، والملل إلى عيب، والتوقف إلى فشل؟ ففي زمن يقدّس الإنجاز، لم يعد الإنسان يعمل ليصل، بل يعمل لأن التوقف نفسه أصبح مهدداً لهويته، ويبقى السؤال الأعمق، هل نستريح أم نُدير أنفسنا كمشروع لا يتوقف؟

ذنب الراحة

بعد الانتهاء من الدراسة أو العمل أو ممارسة الرياضة أو إنجاز أي مهمة، تشعر أنك استحققت الراحة. ولكن إذا استرحت من دون القيام بشيء ينتابك الشعور بالذنب، وتبدأ بالتفكير في كل ما كان بإمكانك فعله، فتقول كان بإمكاني أن أستمع لبودكاست، كان بإمكاني أن أشاهد حلقات لتطوير الذات أو تلك التعليمية، لقد كان عليّ أن أستغل يومي بطريقة أفضل. وبما أنه كان من المفترض أن يكون هذا اليوم استراحة، لكنك ستقضي وقت استراحتك في التفكير في كيف كان ينبغي أن تكون منتجاً في وقت قد لا يكون هذا الإنتاج مفيداً.

إذ يُشعرك يوم مثمر بأنه يوم جيد، أما يوم كسول فيشعرك بأنك متأخر عن الركب، فحتى عندما لا تفعل شيئاً جسدياً، لا يزال عقلك قادراً على الحكم على اليوم ومقارنة نفسك بالآخرين والتفكير في كل ما كان بإمكانك إنجازه. لهذا السبب يمكنك قضاء ساعات في المنزل من دون القيام بأي شيء صعب، ومع ذلك تشعر بالإرهاق الذهني بحلول المساء. فعندما تأخذ يوم إجازة لا يفسره دماغك دائماً على أنه راحة، وإذا كنت قد دربت نفسك على الدراسة أو العمل أو السعي وراء الأهداف باستمرار، فسيبدأ دماغك بربط النشاط بالتقدم والتقدم بالمكافأة، وهو ما استثمرته وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد هذه المشاعر على مدار الوقت.

 لذا، عندما تتوقف فجأة عن فعل أي شيء، يحدث تباين بين ما توقعه عقلك وما حدث بالفعل. فالراحة مصممة لمساعدة الجسم على التعافي، لكن بالنسبة لبعض الناس يُثير التباطؤ شعوراً معاكساً، فبدلاً من الراحة يشعرون بالذنب، وبدلاً من الهدوء يشعرون بالضغط. وقد يحدث هذا عندما يعتاد جهازك العصبي على البقاء متيقظاً. فإذا كان الانشغال يساعدك على الشعور بالسيطرة، أو أنك مرغوب أو أنك تحظى بالثناء، أو أنك أقل قلقاً، فقد تشعر عند التوقف وكأنك تفقد السيطرة. وعليه فقد لا يعد جسمك الراحة آمنة، بل قد يحسبها تعرضاً للضغط.

تعدد المهام السام

وتقول الأبحاث على الدماغ إنه في كل مرة تنتقل فيها بين المهام ولا تعطي نفسك وقتاً للراحة تستهلك الغلوكوز، وفي كل مرة يستهلك فيها دماغك الغلوكوز، فإنك تحرق كمية محدودة منه، إضافة إلى الأوكسجين اللازم لحرقه، إذ يملك دماغك القدرة على التخلص من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الغلوكوز والأوكسجين، لكن عند نقطة معينة، يبدأ هذا الغاز بالتراكم إذا أرهقت نفسك. عندها تبدأ بالشعور بالتعب والتشوش الذهني، وربما تشعر به في جسدك أيضاً.

ويُطلق الباحثون في مركز صحة الدماغ على هذا النمط اسم "تعدد المهام السام"، وفي مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست"، قالت ساندي تشابمان المديرة العامة للمركز، إنه يخلق وهماً بالإنتاجية بينما في الواقع يُرهق الدماغ ويُقلل من إنتاجيته، وأضافت تشابمان، "عندما تنتقل بين المهام، لا يُعيد دماغك ضبط نفسه فوراً، بل يستنزف طاقتك الذهنية".

وهذا ليس مجرد مصطلح رائج جديد، بل يتوافق مع أبحاث قديمة راسخة، ففي دراسة أجرتها جامعة ستانفورد في عام 2009 بقيادة الباحث إيال أوفير بالتعاون مع البروفيسورين كليفورد ناس وأنتوني واغنر، ونُشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، جرى اختبار الأشخاص الذين يميلون إلى تعدد المهام بصورة مكثفة مقابل الأشخاص الذين يفضلون التركيز على مهمة واحدة. وقد أظهر الأشخاص الذين يميلون إلى تعدد المهام أداء أسوأ في جميع الاختبارات تقريباً، وكانوا أكثر عرضة للتشتت بسبب المعلومات غير ذات الصلة، وواجهوا صعوبة أكبر في تنظيم ذاكرتهم. وقال أوفير حينها "واصلنا البحث عن نقاط قوة الأشخاص الذين يميلون إلى تعدد المهام، لكننا لم نجدها".

"الاحتشاء النفسي"

وبالنسبة لعدد من مفكري هذا العصر هناك سبب لذلك، إذ يشرح المفكر بيونغ تشول هان في كتابه "مجتمع الاحتراق النفسي" قائلاً "لم يعد مجتمع اليوم منسجماً مع تصور ميشيل فوكو عن المجتمعات التأديبية، أي الأنظمة الاجتماعية التقليدية التي تقوم على المنع والتحكم الخارجي وفرض الحدود من السلطة العلوية، فقد حل محله نظام آخر منذ فترة طويلة، وهو نظام يعبر عنه مجتمع صالات لياقة البدنية وأبراج المكاتب والبنوك والمطارات ومراكز التسوق والمختبرات الوراثية، إذ لم يعد مجتمع القرن الـ21 مجتمعاً تأديبياً بل هو بالأحرى مجتمع للإنجاز وبالمثل لم يعد أفراده ذواتاً مرنة قابلة للتشكل بل ذواتاً للإنجاز، فهم يديرون أنفسهم بأنفسهم". ولكن هذا التحول، بحسب هؤلاء المفكرين، يؤدي إلى "الاحتشاء النفسي" لكمية الضغط التي يفرضها الإنسان على نفسه خلال سعيه لتحقيق نفسه عبر الإنجاز، إذ قال آلا إهرينبرغ، "في الواقع ليس الإفراط في المسؤولية والمبادرة الفردية هما ما يفضيان إلى الإصابة بمرض الاكتئاب، ولكن الإلزام من أجل الإنجاز أي الصيغة الملزمة الجديدة لمجتمع العمل في عصر الحداثة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الذات الريادية

إن كل سمات هذا العصر قد دفعت إنسانها ليرى نفسه مشروعاً ريادياً غير قابل للتوقف عن الإنجاز، وقد ظهرت الدراسات الأدبية حول الذات الريادية والمبادرة في أوائل التسعينيات في أعقاب إصلاحات مارغريت تاتشر في المملكة المتحدة، وتأثرت بكتابات ميشيل فوكو حول كيفية تغير السلطة والذاتية وأنماط الحكم عبر التاريخ. وبناء على ذلك، تشكلت هذه الذات من مثال الإنسان العقلاني في عصر التنوير إلى الإنسان الاقتصادي المعاصر. ومع تطور الحداثة اتخذت هذه الذات أشكالاً مختلفة وتطورت إلى الذات الريادية المعاصرة، فرائد الأعمال لم يعد يسأل كيف يمكنه الاستفادة من المجتمع، بل أصبح مدفوعاً بتحمل المسؤولية من خلال التساؤل عما يمكنه تقديمه للمجتمع. ففي مجتمع ما يعرف بنيوليبرالي، تغيرت أدوار ومسؤوليات المواطن من مجرد المطالبة بحقوق معينة تكفلها الدولة إلى المشاركة الفعالة والريادية في حل المشكلات بنفسه. وهذا يعني إضفاء "شكل ريادي محدد" على حياة الفرد من خلال تحويل نفسه إلى فاعل نشط ومسؤول ومبدع في اقتصاد السوق.

وبالتالي، لم يعد مفهوم الذات الريادية مرتبط فقط برائد الأعمال التقليدي الذي يؤسس شركة جديدة أو مشروعاً جديداً، بل أصبح يشمل أيضاً خوض غمار الحياة كمشروع ريادي في حد ذاته. وبهذا المعنى، أصبحت الذات الريادية تشكل خلفية نُقيم من خلالها قيمة الإنسان في المجتمع المعاصر. وينطوي هذا على نوع من القوة الإنتاجية التي لا تُلزمنا بفعل شيء، بل يمكن وصفها بأنها جذابة وودودة ومنتجة، إذ تعمل من خلالنا. وتُظهر دراسات سابقة حول هذا "التذويت" كيف يسعى الأفراد في المجتمع النيوليبرالي إلى التحسين والحرية وتطوير إمكاناتهم، بينما يُخفون انعدام أمنهم وضعفهم.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة