ملخص
كان والد الصحافي البريطاني جيمس ماريوت، معلم اللغة الإنجليزية، "يحتفل بعيد ميلاد شكسبير بكعكة معدة في المنزل"، وماريوت في طفولته "كان يلوذ بمكتبة جمعية الأدب والفلسفة عتيقة الطراز في نيوكاسل، فلا عجب أن يخصص كتابه الأول لهذا الموضوع، ولا عجب أن يصف انحدار القراءة بـ’المأساة الشخصية والثقافية في آن‘".
قرأت بالأمس القريب مقالتين نشرتا في يوم واحد، الأولى في "نيويورك تايمز" لأستاذ فلسفة حكى فيها عن "الإله تحوت" وهو يعرض على ملك مصر خلقه الجديد: الكتابة، فأجابه الملك بجفاء قائلاً إن هذا الاختراع سيجعل البشر يعهدون بذاكرتهم إلى غير رؤوسهم، وإنهم سيكتسبون به سمة الحكمة من دون جوهرها.
كتب الفيلسوف الأميركي أن كل ذعر حدث بعد ذلك، سواء أمن المطبعة أم من التلفزيون أم من الهاتف الذكي، لم يكن إلا هامشاً على قول ذلك الملك المصري القديم الذي لم تحفظه لنا إلا الكتابة.
أما المقال الثاني ففي الـ"غارديان"، وهو لصحافية في "أوبزرفر" قالت إن فرط مشاهدتها للفيديوهات القصيرة أفقدها القدرة على إجراء حوار، أي الحوار العادي مع المعارف لا القالب الصحافي، فقد نفد صبرها على احتمال الاستطراد، أو التكرار، أو أي مما يقوله الناس ولا يحذفه محرر أو بالأحرى "مونتير" (عامل في مجال المونتاج)، تقول ببساطة إنها باتت مدمنة على الإيجاز.
بدا أن المقالين ينهيان لي جدل مقالات عدة عشت معها لأيام سابقة وكلها يتناول كتاباً حديث الصدور للصحافي البريطاني جيمس ماريوت عنوانه "العصور المظلمة الجديدة: نهاية القراءة وبزوغ فجر مجتمع ما بعد إجادة القراءة والكتابة".
يخشى جيمس ماريوت، كاتب العمود في صحيفة "ذي تايمز" البريطانية، من أن التوقف عن القراءة والإفراط في التعلق بمواقع التواصل الاجتماعي واستعراض الفيديوهات القصيرة لن يفقدنا فقط القدرة على الاستمتاع بأعمال خالدة من قبيل "ميدل مارش" أو أعمال جورج إليوت "التي لا يمكن أن تباري" هذه الفيديوهات في التسلية، لكنه يخشى أننا أيضاً "قد نصبح فريسة للطغاة ومنكري أهمية الأمصال واللقاحات الذين ينشئون عالماً مغايراً للذي عهدناه، عالماً قائماً على الخرافة والقبلية والاستبداد".
في طفولته، كان جيمس ماريوت - بحسب ما كتب أنطوني كامنز في استعراض الكتاب (ذي غارديان-17 سبتمبر "أيلول" الجاري) - ينكبّ على أكوام الكتب في الإجازات، بينما كان أنداده يشاهدون أفلام الكارتون، ويُنقل عنه أن قراءة تلك الكتب في العطلات كانت تستوجب منه "تخصيص كم هائل من الانتباه، لعله الأكبر في حياتي". وكان ذلك بتأثير في جيمس من أبيه المعلم الذي استطاع أن يغرس فيه ولعاً بالأدب "غيرَ شائع في شمال إنجلترا في مطلع هذا القرن".
تحية لتلك الطفولة وبأثر منها، أصدر ماريوت كتابه الذي لا نعرف أنشير إليه اختصاراً بـ"العصور المظلمة الجديدة" أم بـ"نهاية القراءة"، لأننا لا نعرف حقاً أي العبارتين المفزعتين أهون على القارئ. يصف أنطوني كامنز الكتاب بأنه ملائم تماماً للقراء المتقطعين الذين "يمتعضون إذ يرون التقارير الأسبوعية لما قضوا من وقت مع شاشة الهاتف"، وما أقل مَن يمكنهم القول في عصرنا هذا بأنهم ليسوا من هذا الصنف من القراء.
يضيف كامنز أن "كتاباً أقل نفعية كامن داخل الكتاب، وهو عن نشأة المرء على الإيمان بأن العالم يبدأ بالأدب وينتهي به، ليكتشف لاحقاً أن زعزعة هذا الإيمان لم تقتض أكثر من قطعة من الزجاج الأسود بحجم ستة بوصات" هي التي نحملها جميعاً، ولعل أغلبكم يقرأون هذه السطور عبرها.
"يمثل الكتاب مرثية تتعقب قيام وانهيار الكلمة المطبوعة منذ عصر مونتان وحتى [صانع المحتوى الأميركي] مستر بيت. ومغزى الكتاب بسيط: قلِّلوا وقت استعراض الشاشة، وزيدوا من وقت القراءة، لكن بنبرة جليلة".
استعملت إريكا واغنر أيضاً كلمة "الرثاء" في استعراضها للكتاب (ذي أوبزرفر-26 أغسطس "آب" الماضي)، بل جعلتها عنواناً لمقالتها التي تستهلها بحكاية عن "أستاذ جامعي يكلف طلبته في فصل الأدب بقراءة قصة ظن أنها ستروق لطلبته الصغار، فهي قصة مخيفة تبعث القشعريرة أكثر قليلاً مما ينبغي، فلم تؤثر القصة في الأولاد مطلقاً". كانت القصة لواشنطن إيرفنغ، وتمنى الأستاذ أن تنجح في ما فشلت فيه قبلها قصة لهنري جيمس "لم يجد الطلبة في أنفسهم طاقة لإبداء رأي فيها ولو برفع إبهام أو خفضه... وكأن مضخة هائلة سحبت منهم البقية الباقية من أرواحهم".
"انتاب المعلمَ التعيس إحساس بأن الأمر أكبر من محض بداية بليدة للفصل الدراسي وإنما هو ’قطيعة لاستمرارية تاريخية، وتأكيد لشيء أوشكتُ لأعوام أن أضع يدي عليه‘، وذلك أن طلبته ’عديمو الحيلة‘ تماماً حيال نثر هنري جيمس، حيال الوسيط نفسه، حيال الافتراضات التي يقوم عليها".
ترد هذه الحكاية في كتاب ماريوت، وبطلها هو الناقد المرموق سيفن بيركتس الذي أوردها من قبل في كتابه "مراثي غوتنبرغ" الصادر قبل ثلاثة عقود عام 1994. تكتب واغنر، "أنا أيضاً قلقة على تراجع القراءة شأن الجميع، بوصفي كاتبة، ومحررة أدبية سابقة، وهبت حياتها للكلمة المكتوبة، لكني حينما كنت طالبة، في أيام الهاتف الأرضي، كنا نقرأ الإنجيل باعتباره أدباً في حصة اللغة الإنجليزية، ولذلك بوسعي أن أتساءل: لماذا ترى القذى في عين أخيك، وأما الخشبة في عينك فلا تفطن إليها؟ ولذلك أقول إنني الآن أرجع في نهاية اليوم الشاق من محجر عملي في ’الأوبزرفر‘، فألقي نظرة عابرة على كومة الكتب وأمضي لأستعرض شبكة 'بلوسكاي' حتى أرى آخر تجاوزات ترمب. في أيام المدرسة والجامعة كنت أقرأ وأقرأ، فآنذاك لم يكن من شيء آخر يمكن أن أفعله. وإنني شاكرة الآن لذلك، وأعتقد أنه خير لي أن أجتنب الحكم على شباب لم يتكوّنوا قبل زمن الهاتف الذكي، الأداة التي يقول ماريوت محقاً إنها ’لا ترضى بأقل من حياتك كاملة‘".
تكتب واغنر أن والد ماريوت، معلم اللغة الإنجليزية، كان "يحتفل بعيد ميلاد شكسبير بكعكة معدة في المنزل"، وأن ماريوت في طفولته "كان يلوذ بمكتبة جمعية الأدب والفلسفة عتيقة الطراز في نيوكاسل، فلا عجب أن يخصص كتابه الأول لهذا الموضوع، ولا عجب أن يصف انحدار القراءة بـ’المأساة الشخصية والثقافية في آن‘".
ولكي يدلل على انحدار القراءة يورد ماريوت كثيراً من الأرقام المفزعة، فمنها أن "أكثر من ثلث الراشدين في المملكة المتحدة توقفوا كليةً عن القراءة، وأن نسبة القراءة من أجل المتعة انخفضت في الولايات المتحدة بـ40 في المئة خلال العقدين الأولين من القرن الحالي... فصلاً عن ’انخفاضات مريعة‘ في القراءة والاستمتاع بالقراءة بين الأطفال في بريطانيا".
سبق أن كتب كثيرون في موضوع انحدار القراءة، و"لعل أشهرهم المنظّر الإعلامي نيل بوستمان، مؤلف كتاب ’إمتاع أنفسنا حتى الموت: الخطاب العام في عصر الاستعراض‘، الصادر عام 1985. وقد رأى بوستمان أن شاشة التلفزيون تسرق انتباهنا وتركيزنا، لكننا الآن في عالم جديد كل الجدة. ومن الصعب كما يكتب ماريوت ’أن تقرأ في غرفة فيها تلفزيون مفتوح (بل هو محال بالنسبة إليَّ)، فعليك دائماً أن تقصد غرفة أخرى، أما مع الهاتف الذكي فما من غرفة أخرى أبداً‘". تشير واغنر أيضاً إلى أحد المؤثرين في ماريوت في كتابه هذا، وهو وولتر أونغ الذي "كان يعتقد أن المجتمعات بغير الكتابة تكون ’مبرمجة على النزاع‘ ويكون لديها انحياز متأصل إلى المواجهة"، أي إن "المرء، باختصار، أرجح أن يصرخ في وجه شخص من أن يصرخ في وجه كتاب، ونحن الآن ننكص إلى عصر شفاهية المواجهة، بأثر من وسائل التواصل الاجتماعي".
ينقل أنطوني كومينز عن ماريوت أن "ما يقوله تولستوي من أمور مهمة عن الحياة لا يمكن أن يفهمه إلا من يستطيع الانتباه" وقوله "إنني أؤمن بضرب من حقيقة الحياة لا يمكن الوصول إليه إلا عبر النثر القصصي الذي يبين خفايا عقول الآخرين... ولذلك ما من ممثل أو ممثلة على وجه الأرض بقادر على أن يرينا بوجهه أو بوجهها ما تستطيع جين أوستن أن ترينا إياه عن القلب البشري في نصف فقرة".
وليس الأدب شاغل ماريوت الوحيد، إذ ينقل عنه كومينز قوله "إن الجميع في مطلع القرن الـ20 كانوا يقرأون الصحيفة". ويقارن ماريوت بين الصحيفة ووسائل التواصل الاجتماعي في تعاملها مع السياسة فيتخيل تقريراً مطبوعاً وفيديو في "تيك توك" يتناولان المنطقة الحربية نفسها: "حتى أبسط مقالة مكتوبة يرجَّح أن تقدم لنا تفسيرات للأحداث، وللطريقة التي بدأت بها الحرب، ولأسباب ذلك"، وفي المقابل، "كل ما يلزم لإثارة غضبك هو تعريضك لصورة جثث متراكمة... فـ’مَن يغضب بسبب تحطيم صاروخ مبنى في الشرق الأوسط‘ إنما يغضب لأنه لا يوجد صحافي يفسر هذا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن كامنز يقول إن "العبارات الطنانة لا تكفي لإنقاذ كتاب، وإذا كان ماريوت يقول إن ’وباء القلق والاكتئاب وفقدان الهدف يرجع ولو جزئياً إلى... ثقافة الشاشة‘ فإننا لا نعرف على وجه اليقين إذا ما كان يخلط بين العَرَض والسبب، فهو في بداية الكتاب يعد الهواتف الذكية ’الجاني الأساس‘ في انخفاض الإقبال على القراءة من أجل المتعة، مقللاً من إسهام العوامل الاقتصادية، لكنه ينتهي بتنبيهنا إلى أن ’شديدي الثراء‘ لديهم من الموارد ما ييسر ’إبعاد أبنائهم عن الشاشات الإدمانية‘، في حين لا يملك الآباء الفقراء المرغمون على العمل في أكثر من وظيفة أن يفعلوا ذلك لأبنائهم".
يكتب كومينز أن زعم ماريوت المثير بـ"نهاية القراءة" يفقد كثيراً من قوته حينما يعمد إلى إيضاح أن مصطلح (ما بعد إجادة القراءة والكتابة Post-literate) لا يعني "العجز عن القراءة والكتابة"، إنما يعني أن الأعمال العظيمة من قبيل أعمال شكسبير ستقل لتزداد الأعمال الضحلة، ولكن متى كان لدى البشرية وفرة من الأعمال المساوية لأعمال شكسبير؟ لا أحسب أن ذلك تحقق حتى في زمن شكسبير نفسه.
يكتب أنطوني غوتليب (ذي ليتراري رفيو - سبتمبر الجاري) أن كتاب ماريوت يقدم الهاتف الذكي باعتباره "قاتل الحضارة" ويعترف بأن "العصور الوسطى التي كثيراً ما توصم بالعصور المظلمة، لم تكن بالإظلام الذي توحي به اللافتة، فإنه يخشى أن عصورنا المظلمة ستكون كذلك، إذ يرى أن انحدار الطباعة يهدد ’بنيان الحداثة المستنيرة كله‘ فـ’في غياب القراءة، يصبح العالم أقل عقلانية وأكثر فوضوية‘، وعلى رغم أن بعض الناس لا يزالون يقرأون بقدر أسلافهم المغرمين بالكتب، فإنه يرى أن ’المعرفة ترجع مرة أخرى لتصبح حكراً على نخبة‘ وبهذا تتداعى الأسس المعرفية التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية. وبسبب مقاطع الفيديو القصيرة التافهة ’يذوي الآن حتى الجانب النصي من الإنترنت‘. وفي رأي ماريوت أيضاً أن كثيراً من حماقات قرننا ’نتيجة مباشرة لتلاشي الكلمة المكتوبة واستعمار الشاشات الإدمانية لثقافتنا‘".
يوافق غوتليب على هذا، لكن على مضض، إذ يكتب أن "المرء يرى ما يدعو ماريوت إلى ما يقوله حين يرى حشود الناس في الشوارع منكفئين على هواتفهم... ويرى العالم محتملاً ترهات دونالد ترمب، فمن المغوي أن نومئ بموافقة مبهمة. لكن إذا ما جرّدنا كلام ماريوت من مبالغاته، ما الذي يتبقى؟ الأمور ليست بهذا السوء".
يشكك غوتليب في الإحصاءات التي يستند إليها ماريوت للقول بنهاية القراءة فـ"دراسات انحدار القراءة تخلص بصفة عامة إلى أن أغلبها تزامن مع صعود التلفزيون لا مع الهاتف الذكي، وأن النساء أكثر إقبالاً على القراءة من الرجال، وأن بين المجتمعات والبلاد اختلافات كبيرة، فقد خلصت دراسات مسحية في التسعينيات إلى أن مَن قرأوا كتاباً في البيت خلال العام السابق على المسح راوحوا ما بين 15 في المئة في البرتغال و72 في المئة في السويد، ولو أن هذا يبين عدم إمكان الركون إلى تلك الأرقام".
يقر غوتليب أننا لا نعيش بالطبع عصراً ذهبياً للكلمة المطبوعة، لكنه يطرح أسئلة جديرة بالطرح: "ما قدْرُ القراءة الذي قد يحول دون الانهيار إلى البربرية؟ والقراءة لمَن؟ وقراءة ماذا؟ ولا يذكر ماريوت الكتب الصوتية التي ارتفعت شعبيتها كثيراً فتجاوزت الكتب الإلكترونية. فهل لا نفع فيها، هي والمحاضرات المتاحة عبر ’يوتيوب‘ و’بودكاست‘؟".
وينهي غوتليب مقاله بما ينهي به ماريوت كتابه: بصيص الأمل. "يرى ماريوت - الذي تخلى عن هاتفه الذكي - أن هناك إشارات لمقاومة الأجهزة الملهية، وهي لا تقتصر على انتباه بعض الحكومات إلى أخطارها، ولكن قرابة نصف الجيل الأول من الأميركيين الذين نشأوا على الهواتف الذكية قالوا إنهم يتمنون لو لم تكن تطبيقات "تيك توك" و"سنابشات" و"إكس" قد اختُرعت، أما جيل الشباب مدمن هذه التطبيقات فبدأ يثور عليها، أو هذا في الأقل ما يقولون إنهم يفعلونه".
واغنر أيضاً، شأن غوتليب، تتعلق بأسباب التفاؤل، فتنهي مقالتها بأن ماريوت "لا يقدم حلاً لأزمتنا، وما له أن يفعل، إنما هو يبحث عن ’نقاط مضيئة‘، من قبيل حظر الهواتف الذكية في المدارس، وهي خطوة تدير ظهرها أخيراً لـ’التفاؤل المجاني‘ بالتكنولوجيا الجديدة". ثم إن واغنر تستعين بصمويل جونسن نفسه، إذ كتب أن "الناس عموماً لا يقرأون طوعاً، إن توافر لهم أي شيء آخر يسلون به أنفسهم"، فكأنها تقول إننا لا نختلف عن أسلافنا، وإن هذا هو حال البشر دائماً، أو منذ القرن الـ18 الذي عاش فيه دكتور جونسن في الأقل، ومع ذلك لم تنته القراءة. "صحيح أننا لا نوشك على الرجوع إلى زمن خرج فيه مليونان من الحزانى ليشيعوا فكتور هوغو إلى مثواه الأخير، لكننا بفضل كرستوفر نولان نرى نسخ الأوديسة تتلاشى من الأرفف".
العنوان: The New Dark Ages: The End of Reading and the Dawn of a Post-Literate Society
تأليف: James Marriott
الناشر: Bodley Head