Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مانيفيستو القراءة" لإيرين باييخو: يا قراء العالم اتحدوا

إصدارات جديدة تتناول ظاهرة الاقبال على الكتب وتاريخ المكتبات

القراءة الجماعية (صفحة القراءة - فيسبوك)

ملخص

يقود كتاب "مانيفيستو القراءة" لإيرين باييخو إلى تحري ظاهرة الكتب التي تتناول الكتب والقراءة، والنزوع نحو القراءة من أجل القراءة فقط، كما لو أنها فعل معزول، والعودة لجذور هذه المقاربة، واستنطاق هذا الـ"مانيفيستو" من باب الأخطار المحدقة بالقراءة.

إنه "مانيفيستو" لكنه لا يبدأ بـ"شبح يرعب أوروبا، إنه شبح الشيوعية" أو "ليس تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا سوى تاريخ صراع الطبقات" كما هو "المانيفيستو الشيوعي"، ولا بـ"لشدة قوة الإيمان بالحياة، الإيمان بالأكثر هشاشة في الحياة – أعني الحياة الحقيقية- فإنه ينتهي إلى الضياع..." كما يبدأ "مانيفيستو السريالية"، بل يحدثنا عن امرأة عرفت "وصفة سحرية لا تخيب واستطاعت أن تقيم حول نفسها سوراً من هواء، يصد عنها الأذى. سوراً خفياً، أحجاره الكلمات..."، فإذا هي "شهرزاد المقنعة" أو "أم الحكايات" في الموروث الفرنسي.

الاقتباس الأخير هو من "مانيفيستو القراءة" لإيرين باييخو (ترجمة مارك جمال – منشورات تكوين -الكويت 2025)، ولتتوالى فصول الكتاب الصغيرة والمكثفة التي تشبه تجميعاً لأفكار، منها وصفنا نحن معشر البشر، بأننا كائنات هشة، في غاية الهشاشة "لا نملك قوة شديدة، ولا سرعة مفرطة. لا نحتمل الجوع ولا العطش ولا القيظ ولا البرد بصفة خاصة. لا نملك القدرة على الطيران أو العيش تحت الماء (...) وعلى رغم ذلك فلدينا صفة مدهشة، دفعتنا بنسائمها إلى تطور لا يرتقب، وتقدم لا يتوقع: إنها المخيلة".

الإحتفاء بالقراءة

نعم هذا صحيح! لكن بعيداً من "بيان" أو "مانيفيستو"، ولعل تحري هذا الوصف لمحتوى كتاب باييخو، سيوقظ أفكاراً كثيرة على اتصال بالكتب التي تحتفي بالقراءة والكتب والتي أصبحت وضوحاً ظاهرة تتسيد واقع النشر عربياً في الأقل، سواء ترجمة أو تأليفاً، فالقراءة أولاً لا حاجة لها إلى "مانيفيستو"، إلا إن كان نداء استغاثة ربما "في حقبة يجتاحها سيل جارف من المعلومات المتوترة صارت القراءة عملاً من أعمال المقاومة"، أو إيغالاً في أن القراءة فعل معزول قائم بذاته، وتعزيزاً للنزوع نحو القراءة من أجل القراءة فقط "في هذه الأيام المفعمة بالحيرة، الآن وقد بات الصياح يعلو فوق صوت الهمس، ما زالت الكتب تحافظ على ذلك الحوار الصامت فتنصت العينان إلى صوت آت من الحروف المتراصة في صف واحد".

لا يمضي شهر إلا وتطالعنا إصدارات جديدة على اتصال بمباهج القراءة ومعضلاتها، والمكتبات "كانيبليزم القراءة"

وتاريخها، المكتبات العامة وتلك الشخصية، بما يشمل ترتيبها وتنسيقها، وصولاً إلى رائحة الكتب وملمس الكتب وأغلفة الكتب واهتراء الكتب وسرقة الكتب، وقت قراءة الكتاب أو كم تستغرق في قراءة كتاب، القراءة بوصفها دواءً وبلسماً، ملاذاً وملجأ، حبل نجاة، وآخر ما بقي للإنسان ليبقى إنساناً، منها ما هو تاريخي وجيد وشيّق، ومنها ما هو ركيك وضحل وممل، تدفع القارئ إلى العزوف عن القراءة!

سأسمي ما تقدم "كانيبليزم القراءة" Cannibalism التي يمكن ترجمتها "الافتراس الذاتي" بمعنى تغذي نوع على النوع ذاته كما هي الحال مع آكلي لحوم البشر، ففعل قراءة تلك الكتب هو قراءة عن القراءة، والكتاب هو عن الكتب، بالتالي نوع التغذية المعرفية يعتمد على النوع ذاته، ولا يخرج إلى أنواع أخرى، وهذه ظاهرة تتطلب بحثاً أو استطلاعاً يوضح دوافع المقبلين على هذه الكتب الذين على ما يبدو كثر، طالما أن دور النشر تصدر كثيراً منها، على مبدأ العرض والطلب.

بورخيس وأتباعه

أعتقد بأن أصول هذا الاحتفاء بالقراءة والكتاب "بورخيسية" بامتياز، ولعل رياديته ماثلة ببناء جزء أساس من أدبه القصصي على الكتب، من انقضاضه عليها وإعادة مقاربتها من زوايا جديدة، وبناء عوالم متخيلة خارجة من متون الكتب وهوامشها، أو من فعل التأليف وملابساته، فعلى سبيل المثال في قصة "حديقة السبل المتشعبة" التي يمكن اعتبارها قصة جاسوسية، يوصل الجاسوس المطارد رسالته إلى الاستخبارات الإنجليزية من خلال إقدامه على قتل المتخصص في الصين وتاريخها وأدبها ستيفن ألبير، ليقوموا بقصف مدينة "ألبير" بعد نشر خبر مقتله على يد الجاسوس في الصحف، لكن هذا الإطار التشويقي يتضمن ما هو أكثر تشويقاً ألا وهو تكريس الضحية ستيفن حياته لحل لغز كتاب الحاكم الصيني تسوي بين الذي هجر كل شيء وتفرغ لتأليف كتاب وبناء متاهة، وليكتشف ستيفن أن الكتاب والمتاهة شيء واحد، وقد صدّر الكتاب بـ"أترك لمصائر متعددة (وليس للجميع) حديقتي ذات السبل المتشعبة".

تلك القصة واحدة من قصص كثيرة تجد في الكتاب متاهة أو لغزاً، وصولاً إلى أنه غير متناهٍ مثلما هو "كتاب الرمل" طالما أن الرمل لا يعد ولا يحصى، وفي قصته "مكتبة بابل" يبدأ على هذا النحو، "يتألف الكون الذي يسميه آخرون المكتبة من عدد غير محدد، وربما لا حصر له، من أروقة مسدسة الزوايا بها آبار تهوئة واسعة في الوسط، محاطة بحواجز بالغة الانخفاض".

العوالم التي شيدها بورخيس بإيجاز وتكثيف لم يقتصر أثرها على أدب أميركا اللاتينية، ولعلي لن أخوض في هذا الأثر الجارف إلا من باب ما هو متصل بالقراءة والكتب، ولعل أعمالاً روائية كثيرة يسهل وصفها بالمنشأ ذاته أو الملمح البورخيسي بما يشمل أحياناً جوهر الرواية وبنيتها، كما هي الحال مع رباعية "مقبرة الكتب المنسية" لكارلوس زافون المتأسسة على بنية "بورخيسية" تدور في فلك الكتاب والكتب والمكتبات والقراء وأمناء المكتبات، فتنسج الأحداث المشوقة بناء عليها، فعناوين الأجزاء الأربعة هي عناوين روايات ضمن الرواية تشكل عملية البحث عنها أو عن كتابها أو كيفية تأليفهم لها، وصولاً إلى مصائرهم، البنية الأساسية للإطار العام للأحداث.كذلك الأمر مع رواية أومبرتو إيكو "اسم الوردة" التي يتأسس إطارها التشويقي على الكشف عن لغز جرائم القتل التي تحصد أرواح الرهبان، فإذا بها متصلة بمحاولاتهم قراءة الجزء الثاني من "كتاب الشعر" لأرسطو، المخصص للكوميديا والضحك، إلا أن هذا الكتاب محرم ولئلا يقربوه تكون حواف صفحاته ملتصقة بلاصق سام، بالتالي كل من يحاول قراءته سيضطر إلى فك الصفحات عبر ترطيب أصابعه بلسانه، بالتالي يتسمم ويموت، في اقتباس أو استنساخ لحكاية "الملك يونان والحكيم رويان" في "ألف ليلة وليلة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل الأثر البحثي والتاريخي سيكون جلياً لدى تلميذ بورخيس أو قارئه حين أصيب الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل بالعمى، تحديداً كتابه "تاريخ القراءة" (الطبعة الأولى 1996) فتح باباً في هذا السياق، ولأكون دقيقاً فإنه أول كتاب أقرأه يمضي نحو تاريخ القراءة والكتب والمكتبات، أما الآن فإنه يمكن الحديث عن إمكان أن تقرأ كل شهر كتاباً جديداً عن الكتب ومتعة القراءة وأهوائها ومجاهلها وحسناتها وأشياء من هذا القبيل.

مستقبل القراءة

بالعودة لكتاب "مانيفيستو القراءة" الذي يبدو هزة ارتدادية من زلزال كتاب باييخو "اختراع الكتب – اللامتناهي في بردية" الصادر هذا العام بالعربية وبترجمة مارك جمال أيضاً، فمع "اختراع الكتابة" ثمة بنية سردية حرة، تاريخية في الغالب، تتداخل مع الشخصي تارة، وعوالم كاتب أو فيلم تارة أخرى، فباييخو في ذلك الكتاب أشبه بصيادي الكتب "فرسان بطليموس" وهي تلاحق الحضارات والمكتبات والتواريخ المنسية للكتب.

بينما يقوم "مانيفيستو القراءة" على البديهيات، على إنشائية تستعين باقتباس من هنا وآخر من هناك، ولعل فضيلته الوحيدة ربما ماثلة بأنه دليل على الأخطار التي تحدق بالقراءة، ولعل كل ما استعرضته من التبشير بالقراءة والكتاب على مبدأ "الكنيبالية" يؤكد ذلك، فالقراءة تكون دائماً متبوعة بسؤال ماذا تقرأ؟ ولتكون القراءة في جانب منها فعلاً تثويرياً أو تنويرياً في الأقل، أما القراءة لمجرد القراءة فهو ما يتيح الفرصة لإمكان أن يكون أي كتاب مهما بلغت رداءته أو رجعتيه أو نكوصه فعلاً حميداً، ولتكون القراءة عن القراءة أفضل ما يمكن القيام به في عصرنا هذا، هذا إن تجاهلنا كتب "تطوير الذات" التي باتت تُعد كتباً "فلسفية".  

كل ما تقدم يدفع إلى القول إن القراءة في خطر، لا بل إن تلك الكتب التي تحتفي بالقراءة والكتب هي نوع من أنواع التعبير عن هذا الخطر، وإن كان لي أن أرى كتاب باييخو "مانيفيستو"، فهل لي أن أردد يا قراء العالم اتحدوا.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة