ملخص
أدت الحرب إلى تمزيق الروابط الأسرية وأحدثت تفككاً غير مسبوق ضرب عمق الأسرة السودانية وهدم تماسكها التاريخي، من خلال توزيع أفرادها بين ولايات البلاد والدول المجاورة رازحين تحت ضغط النزوح.
ظل المجتمع السوداني لعقود طويلة يتميز بالترابط الأسري وصلابة النسيج الاجتماعي من خلال نموذج الأسرة الممتدة التي تجتمع تحت سقف واحد، كونها أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي وركائز التربية والأمان.
غير أن الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، أدت إلى تمزيق الروابط الأسرية وأحدثت تفككاً غير مسبوق ضرب عمق الأسرة السودانية وهدم تماسكها التاريخي من خلال توزيع أفرادها بين ولايات البلاد والدول المجاورة، رازحين تحت ضغط النزوح مع تبديل الأدوار والمسؤوليات.
وعلى رغم عودة الحكومة ومباشرة مهامها من داخل الخرطوم ومناشداتها المواطنين العودة إثر تحرير العاصمة وإعلان خلوها من التمرد، فإن الأسر لا تزال تعاني الانقسام جغرافياً، جراء تداعيات الحرب المستمرة التي ترمي بظلالها السلبية على التركيبة البنيوية للأسرة.
ووفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، أجبر الصراع المسلح في البلاد نحو 14 مليون شخص على الفرار، منهم 9 ملايين نازح داخل السودان و4.4 مليون عبر الحدود باتجاه دول الجوار.
عدم يقين
تقول فاطمة حبيب التي تعمل موظفة حكومية إن "الحرب أجبرتني على النزوح من ولاية إلى أخرى بحثاً عن الأمان برفقة أسرتي المكونة من خمسة أفراد، وكغيري من الأسر النازحة كنت على يقين أن الحرب لن تستمر طويلاً، لكن اتساع رقعتها أسهم في طول أمدها، مما قادني إلى اللجوء لدولة مجاورة".
وأضافت "عقب وصولنا وتوفيق أوضاعنا ظللنا على هذا النحو لعامين متتاليين نعيش التماسك الأسري، إلى أن جاء قرار الحكومة بعودة موظفي الدولة إثر مباشرة أعمالها من الخرطوم والإعلان عن دحر الميليشيات المتمردة، فحقيقةً القرار كان بمثابة صدمة لا سيما التهديدات التي صاحبت القرار بالفصل وإيقاف الراتب الشهري في حال عدم التنفيذ، وأنا أعتمد عليه بصورة مباشرة في تسيير أمور أسرتي".
وتابعت حبيب "بسبب أن الأوضاع في الخرطوم لا تزال غير واضحة، وبخاصة استهدافها بالمسيرات من وقت إلى آخر، إلى جانب هدم منزلنا جراء العمليات العسكرية العنيفة التي شهدتها ضاحية الفتيحاب بأم درمان ونهب ممتلكاته، فضلت ترك أسرتي ووالدهم والعودة بمفردي، لكن اصطدمت بمرارة التوزيع الأسري".
وأوضحت أن "واقعي ليس بمعزل أو استثنائياً، بل شمل نسبة كبيرة من أفراد الأسر الذين انفصلوا جغرافياً، وهو بلا شك تحول كبير وتبديل للأدوار، فأنا أشعر الآن بحزن عميق نتيجة انفصالي عنهم خصوصاً أني تركت خلفي طفلاً لا يتجاوز عمره 10 سنوات".
ولفتت الموظفة الحكومية إلى أن "الشتات الأسري يعد أثراً ممتداً للحرب وليس حالاً موقتة مرتبطة بموجة النزوح الأولى، بل بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية وارتفاع كلفة البقاء على قيد الحياة، فهناك نحو 81 في المئة من الأسر يعيش أفرادها منفصلين سواء داخل السودان أو خارجه".
تخطيط وتفضيل
بدوره، أشار المواطن السوداني مصطفى إبراهيم إلى أن "الحرب في السودان لم تدمر المباني فحسب، بل أسهمت في هدم تماسك الأسرة التي عُرفت تاريخياً بصلابة نسيجها الاجتماعي، إلا أن النزاع الذي لا يزال مستمراً أسهم في تمزيق روابط الأسرة التي كانت تجتمع تحت سقف واحد، وتشمل الجد والجدة والوالدين والأبناء والأعمام في علاقة قوامها الأمان الاجتماعي والعاطفي".
وأوضح إبراهيم أن "الانقسام الأسري أصبح واقعاً مُعاشاً فرضته تقاطعات الحرب، ولا يقتصر على البعد الاجتماعي فحسب، وإنما تحمل أعباء إضافية، إذ يضطر رب الأسرة سواء الأم أو الأب لدفع إيجارات سكنية لأسرتين أو أكثر في ظل موجة ارتفاع الإيجارات غير المسبوقة".
ومضى المواطن قائلاً "الأسر أصبحت في حال تخطيط للعودة والعيش مجدداً داخل بيت واحد، لكنها تواجه مشكلة حسم مستقبل الأبناء في ظل تقلبات الحياة وعدم الاستقرار التعليمي وانهيار خدمات الكهرباء والمياه وصعوبة إعادة بناء المنازل وصيانتها، إلى جانب عدم الشعور بالأمان بسبب التهديدات الأمنية التي لا تزال قائمة، فضلاً عن ارتفاع كلفة المعيشة التي تعد العقبة الأكبر أمام لم الشمل، وفي تقديري هذا الواقع القاسي جعل غالبية الأسر تفضل أن تبقى موزعة بين داخل البلاد وخارجها على رغم الكلفة الباهظة".
تداعيات قاسية
في حين، قالت سعيدة النور، التي تسكن ضاحية الأزهري جنوب الخرطوم إن "الشتات الأسري ضاعف معاناتنا، إذ كنت أعيش حالاً من الاستقرار مع زوجي وأطفالي الأربعة في منزلنا بمنطقة الأزهري قبل اندلاع الحرب، لكن اضطرتنا ظروف الحرب للانتقال والإقامة في ولاية كسلا حيث تقيم أسرتي، ومع طول أمد الحرب وانعدام فرص العمل وارتفاع كلفة الإيجارات نفدت مدخراتنا وساءت معاناتنا النفسية، وبخاصة زوجي كونه معيل الأسرة".
وأردفت النور "في ظل هذه الظروف القاسية تمكن زوجي بمساعدة أقربائه من السفر إلى إحدى دول الخليج بحثاً عن وضع أفضل، وبقيت مع أطفالي أعاني التشتت الأسري، والبحث عن دخل يمكنني من إعالة أسرتي الصغيرة إلى أن تتحسن أمور زوجي، لكن المؤسف أنه لم يحصل على أي وظيفة نظراً إلى كبر سنه، مما اضطره للعودة مجدداً إلى البلاد".
وواصلت المواطنة "للأسف ساءت أحوالنا المعيشية لدرجة لا يمكن وصفها، وزادت خلافاتنا ومشكلاتنا بسبب هذا الوضع المتردي ولم يكن أمامنا خيار سوى الانفصال، ولم أتوقع أن تهدم الحرب روابط أسرتي بهذه الصورة، وأن أعيش بمفردي من دون وجود زوجي، لكنه أصبح واقعاً الآن".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثمن فادح
الاختصاصية الاجتماعية رانيا عبدالعاطي أوضحت أن "الحرب أفرزت أثاراً جانبية عكست تحولاً في مفهوم الأسرة، وبخاصة التي تعاني الشتات حتى الآن، وما يترتب عليها من ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية. والأخطر في الأمر أصبحت تدير أخطارها عبر توزيع أفرادها في أكثر من مكان، في حين يوجد المعيل عاملاً داخل دولة، وبقية الأسرة في دولة أخرى، وفي أحيان كثيرة يكون الشتات الأسري من واقع الوظيفة بعد تهديدات الدولة موظفيها بالفصل في حال عدم الاستجابة".
واستطردت عبدالعاطي أنه "من خلال هذا الواقع أصبحت الأسرة شبكة موزعة يتولى كل فرد مسؤوليات البقاء، ولهذا ثمن اجتماعي وأسري، لا سيما أن الإيجارات وكلفة التعليم والعلاج تتزايد باستمرار، فضلاً عن الاعتماد على التحويلات البنكية في ظل الانهيار المصرفي وتعطيل التطبيقات البنكية باستمرار، إلى جانب الغياب المستمر للمعيل وتغير الأدوار وانتقال المسؤوليات إلى طرف آخر، فالأم قد تصبح المعيل أو البنت الكبرى قد تكون ربة المنزل".
وبينت أن "تداعيات الحرب لا تتوقف عند علاقة الوالدين بالأبناء، وإنما تمتد إلى الأزواج في ظل الندوب النفسية العميقة التي خلفها الصراع، وبدورها أسهمت في تصاعد وتيرة الخلافات داخل الأسرة خصوصاً مع انهيار فقدان مصادر الدخل، فضلاً عن تزايد مشكلات التصرف في العقارات والأصول، وغيرها من الخلافات داخل الأسرة الواحدة".
ولفتت إلى أن "هذا التحول في تبديل المواقف الذي تمر به غالبية الأسر السودانية في سياق الحرب لم يكتفِ بتشتت أفرادها جغرافياً، بل أعاد تعريف بقائها، فالأسرة لم تعد تقيس تماسكها بوحدة المكان والإقامة، وإنما بالتضحية التي تُبذل في توزيع الأدوار".
ونبهت الاختصاصية الاجتماعية في ختام حديثها إلى أن "مع وقف الحرب بصورة نهائية يظل هناك سؤال مفتوح، هل تعود الأسر إلى وضعها السابق؟ أم أن أعوام الشتات ستترك أثراً ممتداً بحدوث بعض التغيرات، وبخاصة مع استقرار الأطفال في التعليم وحصول الأسرة على أعمال وأصول أخرى، لا سيما أن طول أمد الشتات يساعد في تحول بنيوي في تركيبة الأسرة".