Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موظفو السودان وفقد المكانة الاجتماعية في زمن حرب

شكلت المهن جزءاً من هوية كثيرين ومكانتهم داخل الأسرة والمجتمع

العمل يشغل جزءاً كبيراً من الحياة اليومية ويمنح صاحبه مهارات وعلاقات وخبرات وشعوراً بالانتماء إلى جماعة مهنية (أ ف ب)

ملخص

تأثير فقدان المهنة لا يكون متساوياً بين الأشخاص، إذ تتداخل فيه عوامل عدة، من بينها العمر، وطبيعة المهنة، والوضع الاقتصادي، والمسؤوليات الأسرية، ومدة الانقطاع عن العمل، إلى جانب وجود شبكة من الأسرة والأصدقاء يمكن اللجوء إليها خلال الأزمات.

قبل الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 41 شهراً، كان السؤال الذي يبادر به البعض "ماذا تعمل؟" يبدو عادياً في حياة السودانيين، إذ يأتي الرد في كلمة واحدة مهندس أو معلم أو طبيب أو موظف أو عامل وغيرها. فلم تكن الإجابة تخبر الآخرين بمصدر الدخل فحسب، وإنما تقدم تعريفاً سريعاً بالشخص وموقعه الاجتماعي وما أنجزه خلال سنوات من الدراسة والعمل.

لكن الحرب أفقدت، بعض السودانيين وظائفهم ومهنهم التي شكلت جزءاً من هويتهم ومكانتهم داخل الأسرة والمجتمع. ومع تغير مصادر الدخل والأدوار والعلاقات، اتجه بعضهم إلى مهن جديدة، بينما يحاول آخرون استعادة مساراتهم المهنية أو بناء مسارات مختلفة.

هوية مفقودة

ليس غريباً أن يبدأ الإنسان حديثه عن نفسه بمهنته. فالعمل يشغل جزءاً كبيراً من الحياة اليومية، ويمنح صاحبه مهارات وعلاقات وخبرات وشعوراً بالانتماء إلى جماعة مهنية.

المهندس لا يحمل شهادة فحسب، وإنما يبني مع مرور الوقت صورة عن نفسه باعتباره شخصاً يمارس الهندسة. والمعلم لا يؤدي مهمة تعليمية فحسب، بل يرتبط اسمه في محيطه بدور اجتماعي واضح. والأمر نفسه ينطبق على الطبيب والصحافي والمحاسب وصاحب المتجر والحرفي وغيرهم. لهذا يمكن أن يكون توقف العمل المفاجئ أكثر تعقيداً من مجرد توقف الراتب.

يرى المتخصص في علم الاجتماع بالجامعات السودانية بشرى أحمد أن "ارتباط الإنسان بمهنته لا يتوقف عند حدود الدخل، إذ تتحول المهنة مع مرور الوقت إلى جزء من الهوية الاجتماعية للفرد، لأنها تمنحه دوراً واضحاً داخل الأسرة والمجتمع، وتبني حوله شبكة من العلاقات والخبرات والشعور بالإنجاز".

وأوضح أحمد أن "فقدان العمل بصورة مفاجئة، خصوصاً عندما يكون نتيجة لظرف قهري مثل الحرب أو النزوح، قد يربك هذا التعريف الذاتي، لأن الشخص لا يفقد مصدر رزقه فحسب، وإنما يفقد في بعض الحالات الدور الذي اعتاد أن يؤديه والصورة التي كونها عن نفسه خلال سنوات من العمل".

وأكد أن "تأثير فقدان المهنة، لا يكون متساوياً بين الأشخاص، إذ تتداخل فيه عوامل عدة، من بينها العمر، وطبيعة المهنة، والوضع الاقتصادي، والمسؤوليات الأسرية، ومدة الانقطاع عن العمل، إلى جانب وجود شبكة من الأسرة والأصدقاء يمكن اللجوء إليها خلال الأزمات".

وأشار إلى أن "الشخص الذي يمتلك مهارات قابلة للنقل إلى مهن أخرى، أو يستطيع الوصول إلى فرص عمل جديدة، قد يتعامل مع فقدان وظيفته بصورة مختلفة عن شخص ارتبط تخصصه بسوق عمل محدد أو فقد أدوات ممارسة مهنته بسبب النزوح".

وبيَّن أن "إعادة بناء الحياة المهنية لا تعني بالضرورة العودة للوظيفة السابقة، فبعض الأشخاص قد يعيدون تعريف علاقتهم بالعمل مع مرور الوقت، بينما يظل آخرون أكثر ارتباطاً بمسارهم المهني القديم، خصوصاً إذا كانوا قد أمضوا سنوات طويلة في بنائه".

وخلص المتخصص في علم الاجتماع إلى أن "فهم آثار فقدان العمل خلال الحرب يحتاج إلى النظر إليه باعتباره تغيراً في الدور الاجتماعي، إلى جانب كونه خسارة اقتصادية، لأن استعادة الدخل قد لا تعني بالضرورة استعادة الإحساس نفسه بالاستقلال أو الانتماء أو المكانة، وهي أمور تختلف من شخص إلى آخر بحسب ظروفه وشبكة الدعم المحيطة به".

مكانة متغيرة

لا تتوقف وظيفة العمل عند توفير المال، ففي كثير من الأسر، يحدد الدخل أيضاً موقع الشخص داخل الأسرة وقدرته على اتخاذ قرارات مالية ومساعدة الآخرين وتحمل مسؤوليات محددة، لذلك قد يؤدي فقدان الوظيفة إلى تغيير في الأدوار، خصوصاً عندما يكون الشخص معتاداً على أن يكون المعيل الأساس.

ويرى المتخصص في قضايا العمل عبادة حيدر، أن "فقدان الوظيفة لا يعني بالضرورة فقدان المكانة الاجتماعية، لكنه قد يعيد ترتيب الأدوار التي اعتاد الشخص القيام بها داخل أسرته ومحيطه، فالاستقلال الاقتصادي يمنح الإنسان مساحة من القدرة على اتخاذ القرار وتلبية حاجاته والمساهمة في إعالة الآخرين، لذلك فإن فقدانه قد يكون له أثر يتجاوز الجانب المالي، خصوصاً إذا كان الشخص معتاداً على أن يكون مصدر الدعم الأساس لأسرته".

وتابع حيدر أن "تأثير فقدان الدخل والمهنة يختلف من حال إلى أخرى، ولا يمكن افتراض أن الشخص الذي فقد عمله سيفقد بالضرورة مكانته داخل أسرته أو مجتمعه. فتركيبة الأسرة، وطبيعة العلاقات بين أفرادها، وحجم شبكة الدعم المتاحة، والوضع الاقتصادي، ونوع المهنة التي فقدها الشخص، كلها عوامل يمكن أن تحدد طريقة تعامله مع التغيير".

وزاد أن" الاعتماد الموقت على الأسرة أو الأصدقاء خلال الأزمات لا ينبغي النظر إليه تلقائياً باعتباره فقداناً للقيمة أو المكانة، إذ قد يكون طلب المساعدة جزءاً من آليات التكيف الطبيعية في المجتمعات التي تواجه أزمات واسعة، خصوصاً عندما تكون خسارة العمل ناتجة من ظروف خارجة عن إرادة الفرد".

وواصل أن "المشكلة قد تظهر عندما يتحول الاعتماد الموقت إلى وضع طويل الأمد من دون وجود فرصة لاستعادة الاستقلال الاقتصادي، إذ يمكن عندها أن تتغير نظرة الشخص إلى دوره داخل الأسرة، أو أن تنشأ ضغوط مرتبطة بالشعور بعدم القدرة على الوفاء بالمسؤوليات التي كان يؤديها سابقاً".

ومضى المتخصص في قضايا العمل في القول إن "فهم هذه التجربة يتطلب الفصل بين القيمة الاجتماعية للإنسان وبين قدرته الاقتصادية في لحظة معينة، ففقدان الوظيفة قد يغير الدور الذي يؤديه الشخص، لكنه لا يعني بالضرورة أن قيمته أو مكانته قد اختفت".

علاقات مضطربة

تغيير العمل يدخل أثره إلى المنزل والعلاقات اليومية، خصوصاً عندما تكون الوظيفة مرتبطة بمسؤوليات مالية واضحة. وتشير بيانات البنك الدولي الخاصة بمصادر الدخل خلال عام 2025 إلى وجود نسبة من الأسر التي تعتمد على دعم الأسرة والأصدقاء ضمن مصادر دخلها، إلى جانب الأجور والأعمال الخاصة والمصادر الأخرى.

الباحثة في العلاقات الأسرية هبة جعفر ترى أن "فقدان العمل لا ينعكس على الوضع الاقتصادي للأسرة فحسب، وإنما يمكن أن يؤدي إلى إعادة ترتيب الأدوار والعلاقات داخلها. فالوظيفة في كثير من الحالات ترتبط بمسؤوليات محددة، وبدرجة من الاستقلالية في اتخاذ القرار والإنفاق، ولذلك فإن توقف مصدر الدخل بصورة مفاجئة قد يفرض على الأسرة أن تعيد توزيع هذه المسؤوليات وفقاً للموارد المتاحة".

وتتابع جعفر أن "الضغوط تظهر بصورة مختلفة من أسرة إلى أخرى. ففي بعض الحالات قد يؤدي انخفاض الدخل إلى تقليص الإنفاق وتأجيل بعض الحاجات، بينما قد تنتقل مسؤوليات الإعالة إلى الزوجة أو أحد أفراد الأسرة الآخرين. وفي حالات أخرى يمكن أن يصبح الشخص الذي فقد عمله أكثر اعتماداً على أسرته الممتدة أو أصدقائه. وهذا الانتقال بحد ذاته لا يعني وجود مشكلة أسرية، وإنما يصبح أكثر تعقيداً عندما تطول فترة الاعتماد أو يصاحبها شعور بفقدان الدور أو عدم القدرة على المساهمة".

وأضافت جعفر أنه "في ظروف الحرب والنزوح تحديداً، لا يمكن النظر إلى الأسرة بمعزل عن شبكة الدعم المحيطة بها. فمساعدة الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران قد تكون وسيلة أساسية لتجاوز مرحلة اقتصادية صعبة، إضافة إلى أن تبادل الدعم داخل الأسرة يمكن أن يساعد في الحفاظ على تماسكها، لكن هناك فرقاً بين المساعدة الموقتة التي تستجيب لظرف استثنائي، وبين الاعتماد طويل الأمد على الآخرين في ظل غياب مصدر دخل مستقر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردفت أن "التعامل مع فقدان العمل لا ينبغي أن يقتصر على توفير مساعدة مالية عاجلة، بل يحتاج أيضاً إلى توفير فرص لاستعادة القدرة على الكسب، سواء من خلال العودة للمهنة السابقة أو التدريب أو فرص العمل الجديدة. فاستعادة مصدر الدخل قد تساعد الأسرة على إعادة تنظيم أدوارها، وتقلل من الضغوط المرتبطة بالاعتماد الاقتصادي، خصوصاً عندما تستمر الأزمة لفترة طويلة".

وأوضحت أن "طريقة تعامل الأسرة مع فقدان العمل تتأثر بعوامل عديدة، منها طبيعة العلاقة بين الزوجين، وعدد أفراد الأسرة، ووجود أطفال، ومستوى الدخل قبل الأزمة، ومدى توفر الأقارب أو شبكات الدعم، إضافة إلى مكان إقامة الأسرة وما إذا كانت تعرضت للنزوح، لذلك لا يمكن افتراض أن فقدان الوظيفة سيؤدي إلى النتيجة نفسها في جميع الأسر".

ولفتت إلى أن "الحرب والنزوح قد يقطعان المسار المهني للشخص، فيضطر إلى العمل في مجال مختلف لتأمين حاجاته الأساسية. وهذا لا يعني بالضرورة أنه فقد خبرته، لأن كثيراً من المهارات المهنية يمكن نقلها إلى مجالات أخرى، مثل الإدارة والتنظيم والتواصل وحل المشكلات، لكن الفرق مهم بين إعادة التكيف المهني وبين العمل الاضطراري من أجل البقاء. فإعادة التكيف تعني أن الشخص يستطيع توظيف خبراته السابقة أو تطوير مهارات جديدة تساعده على بناء مسار مستقر".

واختتمت الباحثة في العلاقات الأسرية حديثها بالقول إن "المشكلة تظهر عندما يطول الابتعاد من المهنة الأصلية، خصوصاً في التخصصات التي تحتاج إلى ممارسة مستمرة وتحديث للمعرفة، لذلك فإن دعم المتضررين من الحرب لا ينبغي أن يقتصر على توفير دخل موقت، وإنما يشمل أيضاً تقييم خبراتهم السابقة، وإتاحة التدريب وإعادة التأهيل، وربطهم بفرص عمل تتناسب مع مهاراتهم. فالهدف ليس فقط أن يحصل الشخص على أي وظيفة، وإنما ألا تتحول الظروف الاستثنائية إلى فقدان دائم لخبرته ومساره المهني".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير