Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان بين حوارين: الشمول المستحيل والإقصاء العقيم

يحتاج السودان إلى مسارين منفصلين: عسكري أمني يتعامل مع القوى المقاتلة بصفتها هذه فقط وسياسي مدني يُشرك الأفراد والقوى من كل الخلفيات وفق صفتهم الشخصية لا انتماءاتهم الجغرافية

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري يوم 17 أغسطس 2026 في مدينة القضارف (أ ف ب)

ملخص

مأزق الحوار السوداني ليس أزمة نوايا بقدر ما هو أزمة تصميم مؤسسي للعملية السياسية نفسها. فطالما بقيت الوساطات الدولية تتعامل مع الشمول والإقصاء خيارين متنافيين تماماً، دون تفكيك الأطراف إلى مستوياتها الثلاثة (المقاتل، والكيان الموازي، والفرد المدني)، فإنها ستواصل إنتاج مبادرات يجري رفضها بالجملة من طرف أو آخر، تماماً كما جرى في أديس أبابا. والدرس المستفاد من التجربة الميدانية لانشقاقات "الدعم السريع" هو آليات تغيير الصفة.

منذ اللحظة التي أعلن فيها رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان في الـ26 من مايو (أيار) الماضي استعداده لتوفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية لحوار سوداني شامل، والمشهد السياسي في البلاد يراوح بين وعد بمخرج من الحرب وواقع يزداد تعقيداً كل أسبوع. فبينما تتوالى المبادرات من إعلان الرئاسة السودانية، إلى تحرك الآلية الخماسية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر وبريطانيا، إلى لجنة تحضيرية مدنية أعلنت بدء مهماتها أواخر أغسطس (آب)، يبقى السؤال الذي يعطّل كل هذه المسارات واحداً: من يملك الحق في تعريف الحوار وتحديد من يجلس إلى طاولته؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً إجرائياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انطلاق العملية السياسية. إنه جوهر الأزمة نفسها. فالسودان، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من حرب استنزفت الدولة ومزقت النسيج الاجتماعي، لم يعد يواجه خلافاً حول ضرورة وقف القتال، بل يواجه خلافاً أعمق حول من يحق له أن يتحدث باسم "الشعب السوداني" في أي ترتيب لما بعد الحرب. وهذا الخلاف، في جوهره، هو ما أبقى كل محاولات الحوار السابقة حبراً على ورق، وهو ما يستلزم طرح مقاربة بديلة للخروج من هذا المأزق، في ضوء ما استجد من معطيات ميدانية وسياسية.

القوى السياسية السودانية، والمراقبون الإقليميون والدوليون معها، وجدوا أنفسهم لأعوام أسرى ثنائية خانقة: إمّا حوار شامل يضم كل الأطراف بلا استثناء، بما في ذلك القوى المسلحة والكيانات التي أنتجتها الحرب نفسها، وإمّا حوار إقصائي ضيق يقتصر على المتفقين، فيفقد شرعيته الوطنية قبل أن ينعقد. تحالف "صمود" بقيادة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك يرفض المشاركة في حوار ينعقد تحت مظلة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، محذراً من أن ذلك يعني الاعتراف الضمني بشرعية نتائج الحرب وتكريس انقسام البلاد. وفي المقابل، تتحدث تسريبات عن نية استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي حوار قادم، بينما يشترط معسكر حمدوك نفسه استبعادهما ثمناً لمشاركته. وبين هذين الموقفين، يبرز تحالف "تأسيس"، الذراع السياسية والحكومية التي أنشأتها قوات "الدعم السريع" وحلفاؤها، بدستورها وهياكلها الموازية، لتطرح سؤالاً أشد حساسية: هل يمكن لحوار يستثنيها أن ينهي الحرب فعلاً؟

هذه الثنائية، بين شمول يهدد بشرعنة نتائج الحرب وإقصاء يهدد بإفراغ الحوار من مضمونه، هي بالضبط ما أبقى المسار السياسي السوداني يراوح مكانه منذ سقوط الحكومة الانتقالية. وقد وثّق المجلس الأطلسي للأزمات الدولية (International Crisis Group) هذا الجمود بدقة، إذ لاحظ أن القوى المدنية والسياسية السودانية رفضت، خلال مشاورات أديس أبابا في الـ22 والـ23 من أغسطس الماضي، مبادرة الحوار التي دعا إليها الجيش، معتبرة أنها ستمنحه شرعية وترسّخ التقسيم الفعلي للبلاد. فكل طرف يحاجج بمنطق سليم من موقعه: من يخشى الاعتراف بسلطات الأمر الواقع محق في مخاوفه، ومن يرى أن حواراً بلا كل الأطراف المؤثرة ميدانياً لن يوقف الحرب محق كذلك. المشكلة أن الطرفين يتحدثان عن مستويين مختلفين تماماً دون أن يعترفا بذلك.

المقاربة التي أراها كفيلة بحل هذه المعضلة، عملياً لا نظرياً فقط، تقوم على تفكيك السؤال: هل نُدخل هذا الطرف أم نستبعده؟ بوصفه سؤالاً خاطئاً من الأساس، لأنه يفترض أن كل الأطراف المرتبطة بالحرب تنتمي إلى فئة واحدة. والحقيقة أن هناك ثلاثة مستويات مختلفة تماماً يجب التعامل مع كل منها بمنطق مختلف: القوة العسكرية المقاتلة نفسها، والكيان السياسي والحكومي الموازي الذي أنتجته الحرب، والأفراد والقوى المدنية التي تتقاطع اجتماعياً أو فكرياً مع محيط هذا الكيان دون أن تكون جزءاً من بنيته أو متحدثة باسمه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القوة العسكرية، أي قوات "الدعم السريع" بوصفها طرفاً مقاتلاً، مكانها الطبيعي ليس طاولة الحوار السياسي المدني، بل مسار عسكري وأمني، أمّا "تأسيس"، بصفتها المؤسسية كحكومة موازية لها دستور وهياكل سلطة، فلا ينبغي دعوتها إلى الحوار السياسي بهذه الصفة، لأن ذلك يعني عملياً اعترافاً بسلطة بديلة نشأت من رحم الحرب، وهو ما يهدد فكرة الدولة السودانية الواحدة في جوهرها، وهو موقف عبّر عنه أيضاً مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال زيارة وفده الأخيرة إلى الخرطوم، حين أكد رفضه القاطع أي محاولة لإنشاء مراكز حكومية متنافسة تمس وحدة السودان وسيادته، على رغم دعمه المعلن عملية سياسية شاملة.

هذا التمييز بين "المشاركة السياسية المشروعة" و"الاعتراف المؤسسي غير المقبول" هو ما يفكك الثنائية الزائفة التي شلّت المسار السوداني. فالسؤال لم يعد "هل ندعو (تأسيس) أم لا؟"، بل "بأي صفة يشارك كل طرف؟". وهذا سؤال قابل للحل التقني والإجرائي، بخلاف سؤال الهوية والانتماء الذي لا يحتمل تسوية وسطى.

ما يمنح هذه المقاربة قوة تفسيرية إضافية أنها لم تعد افتراضاً نظرياً، بل تجد سنداً في واقع ميداني متسارع شهدته الأشهر الأخيرة: تصاعد موجة الانشقاقات عن قوات "الدعم السريع"، وانضمام قادتها إلى الجيش. فمنذ انشقاق أبي عاقلة كيكل، قائد ما عرف بـ"درع السودان"، أواخر عام 2024 بآلاف المقاتلين والعتاد، مروراً بانشقاق النور القبة وعلي رزق الله "السافنا"، وصولاً إلى انضمام مجموعة العميد موسى خمسين التي ضمت 318 مقاتلاً ونحو 50 مركبة قتالية إلى الجيش في الولاية الشمالية أغسطس الماضي.

هذه السابقة تثبت أمراً جوهرياً أن تغيير الصفة من فاعل عسكري إلى فاعل ضمن مؤسسة الدولة ليس فكرة نظرية تنتظر التوافق السياسي، بل ممارسة قائمة بالفعل على الأرض، وإن كانت تجري حتى الآن في اتجاه واحد فقط، من صفوف "الدعم السريع" نحو الجيش، ووفق منطق عسكري وأمني بحت لا سياسي. والمطلوب اليوم هو تعميم منطق تغيير الصفة هذا وتقنينه ليشمل، بالمعنى السياسي لا العسكري فقط، الأفراد والقوى المدنية الموجودة في محيط "تأسيس"، عبر مسار معلن وشفاف يسمح لهم بالانتقال من موقع الارتباط بكيان الحرب إلى موقع الفاعل المدني المعترف به في العملية السياسية، دون أن يستلزم ذلك حمل السلاح أو التخلي عنه بالضرورة، بل الإعلان الصريح عن قطع الصفة التمثيلية عن الكيان الموازي والالتزام بقواعد الحوار المدني.

وهكذا، يبدو لنا أن مأزق الحوار السوداني ليس أزمة نوايا بقدر ما هو أزمة تصميم مؤسسي للعملية السياسية نفسها. فطالما بقيت الوساطات الدولية تتعامل مع الشمول والإقصاء خيارين متنافيين تماماً، دون تفكيك الأطراف إلى مستوياتها الثلاثة (المقاتل، والكيان الموازي، والفرد المدني)، فإنها ستواصل إنتاج مبادرات يجري رفضها بالجملة من طرف أو آخر، تماماً كما جرى في أديس أبابا. والدرس المستفاد من التجربة الميدانية لانشقاقات "الدعم السريع" هو آليات تغيير الصفة.

المعيار المقترح إذن ليس من نستبعد ومن ندعو، بل هل يدخل الطرف عبر مسار يفترض في نهايته تفكيك سلاحه ضمن جيش وطني واحد، أم أن سلاحه يبقى أداة ضغط سياسي مفتوحة؟ هنا تفيد المقارنة مع تجربة بعض الحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، أبرزها الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار، التي دخلت العملية الانتقالية عبر اتفاق أقرّ صفتها السياسية وأخضع قواتها لترتيبات دمج انتهت، بحسب ما أُعلن، بانتقالها إلى العمل الحزبي المدني الكامل بلا جناح عسكري. وتضاف إليها الآن سابقة انشقاقات "الدعم السريع" نفسها نموذجاً مصغراً، بما يعني وجود إمكان تحويل الولاء العسكري إلى انضواء مؤسسي معترف به، وهو ما ينبغي تعميمه سياسياً لا عسكرياً فقط.

ما يحتاج إليه السودان اليوم ليس مؤتمراً يوزع مقاعد أو يصدر وثيقة جاهزة، بل يحتاج إلى مسار مرحلي واضح القواعد: مسار عسكري أمني منفصل يتعامل مع القوى المقاتلة بصفتها هذه فقط، وقد أثبتت تجربة الانشقاقات أن تغيير الصفة داخل هذا المسار ممكن عملياً، ومسار سياسي مدني يُشرك الأفراد والقوى المدنية من كل الخلفيات وفق صفتهم الشخصية لا انتماءاتهم الجغرافية أو صلاتهم الأسرية بهذا المعسكر أو ذاك، مع رفض قاطع لأي اعتراف مؤسسي بسلطات موازية نشأت عن الحرب أياً كان الطرف الذي أنتجها. هذه المعادلة وحدها هي القادرة على أن تحفظ معنى الشمول دون أن تفرط في وحدة الدولة السودانية، وأن تجعل من الحوار مدخلاً حقيقياً لإنهاء الحرب، لا أداة لتثبيت نتائجها وتوزيع مكاسبها بين من يملكون السلاح.

القوى الدولية المنخرطة في الملف السوداني، من واشنطن إلى الرياض وأبوظبي والقاهرة ولندن، أمام اختبار مماثل: هل تدعم عملية سودانية الملكية والقيادة فعلاً، بما يعنيه ذلك من قبول التعقيد وعدم الاستعجال نحو شمول شكلي أم تكرر خطأ التسويات السريعة التي أنتجتها تجارب سابقة في السودان نفسه، التي لم تصمد لأنها كافأت منطق السلاح بدل أن تفككه؟ الإجابة عن هذا السؤال، لا مزيد من إعلانات النوايا، هي ما سيحدد إن كان السودان سيخرج من حربه هذه المرة، أو يضيف حواراً آخر إلى قائمة المبادرات الفاشلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل