ملخص
قد تكون التطبيقات النووية السلمية في الزراعة والصحة والغذاء والمياه أكثر قابلية للتقدم تدريجاً، لكن نجاحها سيظل مشروطاً بالتمويل والتعاون الدولي واستعادة الكفاءات. ولذلك، يبدو مستقبل الطاقة الذرية في السودان مفتوحاً على فرص حقيقية، لكنه سيبقى رهناً بقدرة الدولة على تحويل الخطط إلى مؤسسات وتمويل وبنية تحتية قابلة للاستمرار.
تدخل البنية المؤسسية للطاقة الذرية في السودان مرحلة شديدة التعقيد بفعل ما خلفته الحرب من أضرار واسعة طاولت مرافق الدولة العلمية والتنظيمية، ولا سيما جراء أعمال التدمير والنهب التي نفذتها قوات "الدعم السريع" في عدد من المؤسسات والمنشآت خلال مسار الحرب، وهددت استمرارية القدرات الوطنية المرتبطة بالاستخدامات السلمية للتقنيات النووية والإشعاعية. وفي ظل هذا الواقع، برزت الحاجة إلى تحرك دولي منظم لا يقتصر على الاستجابة العاجلة، بل يمتد إلى التقييم الفني، واستعادة المؤسسات، وإعادة بناء الكفاءات والبنى التحتية وفق معايير السلامة والأمن النوويين.
وفي هذا السياق، جددت الحكومة السودانية، خلال مشاركتها في أعمال الدورة الـ70 للمؤتمر العام لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" في فيينا، أخيراً دعوتها إلى إيفاد بعثة من خبراء الوكالة لتقييم حجم الأضرار التي لحقت بمؤسسات الطاقة الذرية والجهات ذات الصلة، تمهيداً لدعم جهود إعادة الإعمار واستعادة القدرات المؤسسية والفنية. ويكتسب هذا الطلب أهمية خاصة في ضوء الشراكة الممتدة بين السودان والوكالة، التي شملت مجالات السلامة الإشعاعية، والأمن النووي، وإدارة السرطان، والأمن الغذائي، والموارد المائية، والتعليم، والطاقة والبيئة.
ويكشف مسار الحرب، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، عن أن تدمير هذه المنظومة، بما شمل منشآت ومرافق تعرضت للتخريب والنهب على يد "الدعم السريع"، لا يمثل خسارة مادية فحسب، بل يمس جانباً من البنية العلمية للدولة وقدرتها على تقديم خدمات حيوية وضمان الاستخدام الآمن للتقنيات النووية والإشعاعية. ومن ثم، فإن إعادة التأهيل تتطلب توثيق الأضرار، وتأمين المنشآت والمصادر، واستعادة المختبرات والأنظمة الرقابية، وبناء القدرات البشرية، بما يضمن انتقال السودان من مرحلة الاستجابة للدمار إلى مسار مؤسسي مستدام للتعافي وإعادة البناء.
مسار التطور
تعود البدايات المؤسسية للطاقة الذرية في السودان إلى إنشاء "لجنة الطاقة الذرية"، ثم "معهد أبحاث الطاقة الذرية"، قبل إعادة تنظيم القطاع بإنشاء "هيئة الطاقة الذرية السودانية" عام 1995، لتحل محل المؤسستين السابقتين وتضطلع بتنسيق وتطوير الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والتقنيات النووية والإشعاعية. وتتمثل اختصاصاتها، في إطار السياسات الوطنية، في دعم البحث العلمي والتطبيقات النووية، وتنمية الكوادر، وتقديم الخدمات الفنية، وتعزيز السلامة والأمن الإشعاعيين، وتنسيق التعاون الفني مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، إلى جانب توظيف التقنيات النووية في الصحة والزراعة والمياه والصناعة والبيئة والطاقة، وتتولى دعم وضع الأطر الوطنية، وإدارة البرامج والمختبرات، ونشر المعرفة العلمية، وتعزيز الوعي العام بالاستخدامات السلمية.
ومنذ انضمام السودان إلى "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" عام 1958، تطورت الشراكة في مجالات متعددة، وشهدت العقود اللاحقة توسعاً في تطبيقات الطب النووي والعلاج الإشعاعي، وتحسين الإنتاج الزراعي وصحة الحيوان، واستخدام النظائر في إدارة الموارد المائية، والرصد البيئي، والفحوص الصناعية، مع التركيز على بناء القدرات البشرية والمؤسسية.
وفي مجال القوى النووية، بدأ السودان منذ العقد الأول من القرن الـ21 في إعداد البنية التحتية لبرنامج نووي سلمي، وأنجزت دراسات استراتيجية ودراسات جدوى، فيما شملت الخطط إنشاء مفاعل بحثي وتعزيز القدرات التدريبية، إلى جانب دراسة خيار توليد الكهرباء بالطاقة النووية. وفي عام 2018، نفذت الوكالة بعثة استعراض للبنية الأساسية النووية المتكاملة، وفق المرحلة الأولى من نهج المعالم البارزة، الذي يغطي 19 مجالاً للبنية التحتية النووية، وأظهرت النتائج الحاجة إلى مواصلة تطوير الأطر القانونية والتنظيمية والتمويلية والموارد البشرية والسلامة والأمن وإدارة النفايات المشعة. ومع اندلاع الحرب، تعرضت مؤسسات ومرافق علمية للضرر والتخريب، مما أدى إلى تعقيد مسار التطوير واستمرارية القدرات الوطنية، وبرزت أولوية تقييم الأضرار، واستعادة المؤسسات والكوادر والبنية التحتية، وضمان استمرار الاستخدامات السلمية الآمنة للتقنيات النووية والإشعاعية.
حاجات ملحة
تندرج الاستخدامات النووية والإشعاعية في السودان ضمن منظومة أوسع من تطبيقات التنمية. قال المعز عبدالله، من الهيئة السودانية للرقابة النووية والإشعاعية، إن استخدامات المصادر المشعة في السودان تشمل الطب والزراعة وإدارة المياه والرصد البيئي والصناعة والبحث والتعليم، مشيراً إلى أن اتساع نطاق هذه الاستخدامات يتطلب استمرار منظومة الرقابة والسلامة الإشعاعية.
وأسهمت التقنيات النووية في تحسين أصناف زراعية متحملة للجفاف، وتعزيز قدرات فحص الملوثات والمخلفات في الأغذية، وإنشاء بنية وطنية للسلامة الإشعاعية تشمل مراقبة العاملين والمنشآت وإدارة المصادر والنفايات المشعة. وأوضح عبدالله أن وجود إطار وطني للسلامة والأمن الإشعاعي يكتسب أهمية خاصة مع تعدد التطبيقات واستخدام مئات المصادر المشعة في قطاعات مختلفة، بما يجعل استمرارية الرقابة والتدريب والقياس وإدارة المصادر أولوية مؤسسية.
وتكتسب الاستخدامات الصحية أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة، فقد أضعفت الحرب شبكة الرعاية الصحية، وأخرجت مرافق متخصصة للأورام في الخرطوم وولاية الجزيرة من الخدمة. وفي يونيو (حزيران) الماضي، دعا المندوب السوداني لدى الوكالة، مجدي مفضل، إلى دعم استعادة خدمات تشخيص وعلاج الأورام في المركز القومي للأورام بود مدني، ومستشفى الذرة بالخرطوم، وجامعة شندي، وإنشاء ثلاثة مراكز جديدة في المناطق الطرفية. وأفادت الحكومة بإكمال المرحلة الأولى من مشروع استعادة العلاج الإشعاعي في ود مدني، مع العمل على توفير أجهزة التشخيص والعلاج الإشعاعي.
وذكر عبدالله أن الحاجات لا تتوقف عند استعادة الأجهزة، فالأولوية تشمل تأهيل المباني، وإعادة تشغيل المختبرات، وتأمين المصادر المشعة، وتوفير قطع الغيار وسلاسل الإمداد، واستبقاء الكفاءات وتدريبها، واستعادة خدمات القياس والرقابة، وتوثيق الأضرار. وأشار عبدالله إلى أن الحفاظ على القدرات البشرية والمؤسسية يمثل جزءاً أساساً من استدامة الاستخدامات النووية والإشعاعية، لا سيما أن تشغيل المنشآت وإدارة المصادر المشعة يتطلبان كوادر مدربة وأنظمة رقابية منتظمة.
ويطلب السودان تقييماً فنياً دولياً لحاجات هيئة الطاقة الذرية والمؤسسات ذات الصلة، بما يدعم إعادة بناء قدراتها، ويعيد توظيف العلوم النووية بوصفها أداة للتعافي الصحي والغذائي والمائي والمؤسسي. وتظل الأولوية ضمان الاستمرارية للخدمات، وحماية المعرفة والبنية المؤسسية، وربط التعافي بالحاجات الوطنية الملحة، مع الحفاظ على متطلبات السلامة والأمن الإشعاعي في جميع مراحل إعادة التأهيل والتشغيل.
مؤشرات اليورانيوم
يعد اليورانيوم أحد الموارد المعدنية ذات الأهمية الاستراتيجية في السودان، لكن حجم موارده القابلة للاستخراج اقتصادياً لا يزال يحتاج إلى تقييم جيولوجي حديث ومتكامل. وأعلن "مركز الأبحاث الجيولوجية"، في بيانات سابقة، وجود مؤشرات لليورانيوم في جبال النوبة وشمال كردفان وغرب دارفور وبيوضة بولاية نهر النيل والبطانة وجبال البحر الأحمر، فيما تظهر الدراسات العلمية مناطق تمعدن معروفة، بينها جبل مون في غرب دارفور وجبل أورو وجبل كورن في جنوب كردفان.
وقال مدير الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية أحمد التوم، العام الماضي، إن الهيئة تمضي في خطة تمتد بين 2025 و2030 لتعزيز البحث والاستكشاف، وتشمل معادن الطاقة والمعادن المشعة، في إطار تحديث قاعدة المعلومات الجيولوجية ودعم الاستثمار. وفي مايو (أيار) دشنت الحكومة مشروع المسح الجيولوجي الشامل لتحديث الخرائط وقاعدة البيانات.
وأوضح الباحثون السودانيون المشاركون في أعمال "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أن بعض مناطق جبال النوبة تتميز بخلفية إشعاعية طبيعية مرتفعة، وأظهرت دراسة عن جبل مون في غرب دارفور تراكيز متفاوتة لليورانيوم والثوريوم في الصخور، بما يؤكد الحاجة إلى القياس البيئي قبل أي نشاط تعديني.
وأفادت الوكالة بأن قاعدة بيانات اليورانيوم والثوريوم العالمية، تسجل رواسب اليورانيوم، لكنها تنبه صراحة إلى أن بياناتها لا تحمل دلالة تجارية أو اقتصادية على قابلية الاستخراج. لذلك، لا يمكن اعتماد تقديرات متداولة، مثل رقم 1.5 مليون طن، بوصفها احتياطاً سودانياً مؤكداً.
وفي ظل الحرب، تزداد أهمية الحوكمة والشفافية وحماية البيانات الجيولوجية. وقالت الهيئة إن المسح الشامل يستهدف بناء قاعدة بيانات حديثة، بينما تتطلب أي خطوة مستقبلية في اليورانيوم دراسات جدوى، وتقييماً بيئياً، ورقابة إشعاعية، وضوابط صارمة للتعدين والنقل والتصدير، بما يضمن أن يتحول المورد المحتمل إلى قيمة اقتصادية مستدامة، لا إلى مصدر لأخطار بيئية أو نشاط غير منظم وفق المعايير الدولية المعتمدة والشفافة.
فرص رهينة
يمضي مستقبل الطاقة الذرية في السودان نحو مسار قد يعيد تعريف دور العلوم النووية في مرحلة ما بعد الحرب، من تأمين الكهرباء إلى دعم الزراعة والصحة والغذاء والمياه. غير أن هذا المستقبل لن يتحقق بالضرورة بالسرعة التي توحي بها التطلعات الرسمية، إذ تحكمه شروط مالية ومؤسسية وفنية وأمنية معقدة.
وأفادت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بأن السودان لا يزال يدرس إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة، بينما أظهر أحدث عرض سوداني أمام الوكالة، في أغسطس (آب) الماضي، أن البرنامج يواجه تحديات في البنية التحتية والتمويل والقدرات المؤسسية. وهذا يعني أن الانتقال من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ قد يتأخر إذا لم تتوافر موارد مستقرة وخطة مؤسسية واضحة.
وقال المندوب لدى الوكالة مجدي مفضل إن الخرطوم تتطلع إلى استقبال وفد فني لتقييم أوضاع هيئة الطاقة الذرية والمؤسسات الوطنية ذات الصلة، وتحديد الحاجات العاجلة وإعادة التأهيل وبناء القدرات في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية والموارد المائية وسلامة الأغذية، ودعا إلى دعم مبادرة "الذرة من أجل الغذاء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويمتلك السودان بنية تنظيمية للسلامة والأمن الإشعاعي، بينها هيئة رقابية مستقلة منذ 2017، لكن استكمال اللوائح وتدريب المفتشين يظلان شرطين أساسين لأي توسع نووي. وقد يظل هذا التوسع مؤجلاً إذا تعثرت إعادة بناء المؤسسات أو استمر نقص الكوادر المتخصصة. وأي تأخير في هذه الملفات قد يدفع الأولويات النووية للخلف.
أما إدخال الطاقة النووية في قطاع الكهرباء، فسيتطلب تحديث الدراسات الفنية، وتطوير الشبكة، وتأمين تمويل طويل الأجل، وإنشاء ترتيبات لإدارة النفايات والأمن النووي. وقد تجعل هذه المتطلبات المشروع بعيد المدى، حتى مع تحسن الاستقرار.
في المقابل قد تكون التطبيقات النووية السلمية في الزراعة والصحة والغذاء والمياه أكثر قابلية للتقدم تدريجاً، لكن نجاحها سيظل مشروطاً بالتمويل والتعاون الدولي واستعادة الكفاءات. ولذلك، يبدو مستقبل الطاقة الذرية في السودان مفتوحاً على فرص حقيقية، لكنه سيبقى رهناً بقدرة الدولة على تحويل الخطط إلى مؤسسات وتمويل وبنية تحتية قابلة للاستمرار.