Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفشي ظاهرة الانتحار... الموت مرتين في ظل الحرب السودانية

تضع المواجهات التي تشهدها البلاد وما يترتب عنها من تداعيات هذه الآفة عند تقاطع شديد الحساسية بين التجريم الجنائي والانهيار الإنساني

تأتي حالات الانتحار ليس بمعزل عن السياق الأوسع للأزمة السودانية، إذ إنها تقع داخل بيئة تتداخل فيها الصدمة، والفقد، والفقر، والعزلة، وعدم اليقين، وتراجع فرص المستقبل (لجنة الإنقاذ الدولية)

ملخص

الحرب لم تنتج الضغوط التي تدفع بعض الأشخاص إلى التفكير في الانتحار بمعزل عن بعضها، بل راكمت الفقد والنزوح وانهيار مصادر الدخل وتفكك العلاقات، حتى أصبح كثيرون يواجهون أعباءً تتجاوز قدرتهم المعتادة على الاحتمال. وتؤثر عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، من بينها الخوف من الوصمة الاجتماعية، والضغوط الأسرية، وضعف الوعي بالحقوق وآليات اللجوء إلى القضاء، وكلف التقاضي وصعوبة الوصول إلى المؤسسات العدلية، في مسار حالات الانتحار ومدى الإبلاغ عنها أو تسجيلها رسمياً.

على امتداد الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) عام 2023 لم تعد آثار العنف تقاس بما تخلفه المعارك من قتلى وجرحى ونزوح ودمار مادي فحسب، فقد اتسعت كلفة الحرب إلى المجال النفسي، إذ تتراكم الخسارات، وانقطاع سبل العيش، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتضاؤل الأفق أمام أعداد كبيرة من المدنيين، لا سيما الشباب، وبدأت تظهر مؤشرات مقلقة إلى تنامي محاولات وحالات الانتحار في عدد من المناطق، وسط ظروف إنسانية واقتصادية واجتماعية بالغة القسوة، تزامنت مع تراجع الوصول إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، وتعطل كثير من شبكات الحماية المجتمعية.

وتكشف وقائع جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن محاولات انتحار صورت بالفيديو، في وقت أبلغ فيه عن حالات أخرى لم تكتشف إلا بعد وقوعها. وبينما تظل البيانات الموثوقة حول حجم الظاهرة ونطاقها محدودة في ظل اضطراب منظومة الرصد والتوثيق الناجم عن الحرب، فإن تكرار هذه الوقائع، وورود حالات بين الشباب، يطرحان أسئلة جدية في شأن الأعباء النفسية التي خلفها النزاع، وقدرة الأسر والمجتمعات والمؤسسات الصحية على الاستجابة لها.

وتزداد صعوبة الاستجابة لهذه الوقائع، إذ تعمل الأسر تحت ضغط النزوح والفقد، وتواجه المجتمعات تراجعاً في الموارد، بينما تجد المؤسسات الصحية نفسها أمام حاجات وقدرات محدودة، ويضيف تداول المشاهد مسؤولية أخرى على التناول عبر الوسائط، بما يحفظ كرامة الضحايا.

 

تأتي هذه الحالات ليس بمعزل عن السياق الأوسع للأزمة السودانية، إذ إنها تقع داخل بيئة تتداخل فيها الصدمة، والفقد، والفقر، والعزلة، وعدم اليقين، وتراجع فرص المستقبل، ومن ثم، فإن التفات الجهات المتخصصة إلى الظاهرة وفهم دوافعها ومساراتها، بعيداً من الوصم والتعميم، يمثلان مدخلاً ضرورياً لتقدير حجم الأزمة الإنسانية والنفسية المرتبطة بالحرب، وتحديد حاجات الفئات الأكثر تعرضاً للخطر، وعلى رأسها الشباب من الجنسين.

صعوبة التوثيق

منذ اندلاع الحرب، بدأت وقائع الانتحار تظهر في مناطق، من دون سجل وطني منتظم يسمح بقياس حجمها بدقة. في شرق الجزيرة، وثقت مبادرة "صيحة" نحو 10 حالات انتحار لنساء وفتيات بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) عام 2024، في أعقاب هجمات "الدعم السريع" وأحداث الاغتصاب. وأفادت المبادرة بأن ثلاث حالات وقعت في منطقتي السريحة ورفاعة، بينما أشارت تقارير لاحقة إلى ارتفاع العدد إلى 10 حالات. وفي يوليو (تموز) عام 2025، قالت لجنة تمهيدية لنقابة أطباء السودان إنها رصدت 135 امرأة تعرضن للاغتصاب وانتحرن منذ بداية الحرب، وعزت ذلك، بحسب إفادة طبيبة باللجنة، إلى الصدمة والخوف من الوصمة والنبذ الأسري. وفي جنوب دارفور، أبلغ في ديسمبر عام 2025 عن وفاة رجل من سكان معسكر عطاش للنازحين قرب نيالا منتحراً، بعدما غادر منزله وعثر عليه بعد يومين، وتحدث سكان المنطقة عن تدهور حالته النفسية.

 

أما محاولات الانتحار، فتبدو أكثر صعوبة في التوثيق، إذ حتى الآن لا توجد قاعدة وطنية ترصدها، في وقت قالت منظمة الصحة العالمية إن بيانات محاولات وحالات الانتحار المكتملة كانت غير متاحة، في تحليلها الصحي للسودان. وفي ولاية الجزيرة، أفادت إدارة الصحة النفسية بوقوع أربع حالات انتحار، وحالتي شروع في الانتحار، بين النازحين القادمين من الخرطوم. وفي الخرطوم بحري، وثقت إفادة حقوقية محاولة شابة الانتحار بعد نحو أسبوعين من تعرضها للاغتصاب، قبل إحالتها إلى الرعاية النفسية. وفي أغسطس (آب) عام 2024، تداولت وسائل إعلام مقطعاً عن محاولة طفل سوداني الانتحار، من دون معلومات تكفي لتحديد ملابسات الواقعة. وفي مارس (آذار)، أثار شاب في أم درمان القلق بعد تسلقه برجاً للضغط العالي مهدداً بالانتحار، قبل أن تتدخل فرق الإنقاذ وتقنعه بالنزول. وفي سبتمبر (أيلول) الجاري بمدينة كسلا، تسلق شاب عمود كهرباء محاولاً إنهاء حياته، وتمكن مواطنون والشرطة من إنزاله حياً وتسليمه للجهات المتخصصة.

 

تراكم الضغوط

في السياق رأت المتخصصة النفسية والاجتماعية علياء عبدالله أن الحرب لم تنتج الضغوط التي تدفع بعض الأشخاص إلى التفكير في الانتحار بمعزل عن بعضها، "بل راكمت الفقد والنزوح وانهيار مصادر الدخل وتفكك العلاقات، حتى أصبح كثر يواجهون أعباء تتجاوز قدرتهم المعتادة على الاحتمال"، وقالت أيضاً "إن حالات الشروع في الانتحار ارتفعت، بنحو 600 في المئة مقارنة بما قبل الحرب"، وهو ارتفاع ربطته خصوصاً بتراكم الصدمات واستمرار حال عدم الاستقرار النفسي.

وأوضحت أن "التعرض للعنف، وفقدان أفراد الأسرة والممتلكات، والإصابات، واضطراب الحياة اليومية، قد تترك آثاراً نفسية ممتدة، من بينها أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مثل الكوابيس واستعادة مشاهد العنف واضطرابات النوم والشهية وفقدان الاهتمام بالنشاطات المعتادة والانكفاء عن المحيط، وقد تتفاقم هذه الأعراض مع العزلة والشعور بعدم الفهم"، وأشارت عبدالله إلى أن أثر الحرب لا يتوزع بالتساوي، "فالنساء والأطفال يواجهون أشكالاً خاصة من العنف والنزوح، بينما يتحمل الرجال ضغوطاً مرتبطة بالمسؤولية وتأمين حاجات الأسرة"، لافتة إلى مؤشرات تستوجب الانتباه، "بينها الحديث عن الموت أو إيذاء النفس، والانسحاب المفاجئ، وإهمال الذات، وتغير السلوك، أو البحث عن وسائل للإيذاء. وبالنسبة إلى الأطفال، قد تظهر المعاناة من خلال التعبير بصور مختلفة مثل الشكوى من التنمر أو تغيرات السلوك".

 

وتابعت المتخصصة النفسية والاجتماعية أن "الحد من الانتحار يتطلب معالجة الظروف التي تغذي اليأس، بدءاً من وقف الحرب وتخفيف الضغوط المعيشية، بالتوازي مع التوعية وتوسيع الرعاية النفسية والاجتماعية، وتطوير خدمات إنمائية ووقائية وعلاجية قادرة على الوصول إلى المتضررين"، محذرة من أن نقص الخدمات المتخصصة يعقد اكتشاف الحالات والتدخل المبكر، وشددت على ضرورة أخذ أي حديث عن الموت بجدية، وسؤال الشخص مباشرة عما إذا كان يفكر في إيذاء نفسه، وعدم تركه وحيداً عند وجود خطر وشيك، لأن التدخل المبكر يمكن أن يقطع مسار الأزمة قبل أن تتحول إلى فقدان حياة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عوامل خطرة

من ناحيته، قال الطبيب في الرعاية الصحية مصطفى عبدالسلام إن "الحرب غيرت أيضاً البيئة المحيطة بالانتحار، ليس فقط عبر الصدمات التي تخلفها، وإنما عبر اتساع الوصول إلى الأسلحة في مجتمع يعيش نزاعاً مسلحاً"، مضيفاً أن انتشار السلاح يراكم "عاملاً خطراً إلى الأشخاص الذين يمرون أصلاً بأزمات نفسية حادة، لأن توفر وسيلة شديدة الفتك قد يحول فكرة عابرة أو اندفاعاً لحظياً إلى نتيجة لا تتيح مساحة كافية للتراجع أو التدخل"، وأشار إلى أن تقارير الأمم المتحدة وثقت اتساع استخدام الأسلحة الصغيرة والخفيفة في مناطق مختلفة من السودان، فيما حذرت الأمم المتحدة خلال عام 2024 من الدعوات إلى تسليح المدنيين، غير أن البيانات المتاحة لا تسمح بإثبات نسبة محددة من حالات الانتحار نفذت بالسلاح خلال الحرب.

وتابع عبدالسلام أن "تعاطي المخدرات يمثل مساراً آخر يتقاطع مع الأزمة النفسية التي أفرزتها الحرب، خصوصاً عندما يستخدم الشخص المواد المخدرة للهرب من الخوف أو الفقد أو الذكريات المؤلمة"، ولفت إلى أن "منظمة الصحة العالمية نقلت، في تقييم صحي للسودان، عن جهة عاملة في مجال الصحة النفسية، علاج آلاف الحالات منذ اندلاع الحرب، بينها نسبة من الأشخاص الذين يعانون الإدمان"، وتحدث عن دراسة سودانية سابقة بين طلاب جامعات في الخرطوم أظهرت أن من دوافع تعاطي أحد الأدوية "تجنب صراعات الحياة والرغبة في الشعور بالنشوة"، وبحسب الطبيب في الرعاية الصحية أيضاً، "فإن المخدرات قد تضعف الحكم على الأمور وتزيد الاندفاع وتفاقم الاكتئاب والعزلة، مما يرفع قابلية بعض الأشخاص للسلوكيات المؤذية، وفي مقدمها الانتحار، لذلك، فإن الوقاية تتطلب علاج الإدمان بالتوازي مع الرعاية النفسية، لا التعامل مع كل منهما كأزمة منفصلة".

مسار الحالات

تضع الحرب في السودان ظاهرة الانتحار عند تقاطع شديد الحساسية بين التجريم الجنائي والانهيار الإنساني. ووفقاً للمادة الـ133 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، فإن "من يشرع في الانتحار بمحاولة قتل نفسه بأي وسيلة يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنة، أو بالغرامة، أو بالعقوبتين معاً"، وبذلك لا يجرم النص الوفاة ذاتها، وإنما يستهدف فعل الشروع الذي لم يفض إلى الموت.

وشرح المحامي عصام نورين أن محاولة الانتحار، من زاوية القانون الجنائي، "تدخل في نطاق الجريمة غير المكتملة، وتصبح محل إجراء جنائي متى أبلغت السلطات بالواقعة، وقد تصل الحالات إلى الشرطة أو النيابة بعد تلقي المصاب العلاج في المستشفى، بحسب ظروف الواقعة والإجراءات المتبعة، غير أن هذا المسار يظل عرضة للانقطاع، إذ تتجنب أسر كثيرة الإبلاغ، إما بسبب الوصمة الاجتماعية أو الخوف من التبعات القانونية، بينما لا تتيح حالات الوفاة التي تقع قبل الوصول إلى الرعاية الطبية مجالاً لإجراء مماثل في شأن الشروع"، وأوضح نورين أن ظروف الحرب وما رافقها من اضطراب مؤسسات الدولة وتراجع القدرة على جمع البيانات وتوثيقها وتحديثها، "أدت إلى جانب الأوضاع الأمنية وصعوبة الوصول إلى عدد من المناطق، إلى اتساع فجوة المعلومات المتاحة في شأن هذه الحالات، وتؤثر عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، من بينها ضعف الوعي بالحقوق وآليات اللجوء إلى القضاء، وكلف التقاضي وصعوبة الوصول إلى المؤسسات العدلية، في مسار الحالات ومدى الإبلاغ عنها أو تسجيلها رسمياً"، وتابع "تكتسب المسألة بعداً أوسع في زمن الحرب، فالصراع والنزوح والفقد والعنف وانهيار الخدمات الصحية عوامل ترتبط بزيادة أخطار السلوك الانتحاري، وفق منظمة الصحة العالمية. وتشير بيانات المنظمة إلى أن السودان لا يملك استراتيجية وطنية مستقلة للوقاية من الانتحار، في وقت تضررت خدمات الصحة النفسية بشدة خلال الحرب. لذلك، فإن المادة 133 وحدها لا تستوعب المشكلة فعلياً، فالمقاربة القانونية تحتاج إلى إسنادها بنظام إحالة آمن، ورعاية نفسية، وحماية للناجين، وآليات توثيق تقلل الوصمة وتكشف حجم الظاهرة من دون تحويل طالب المساعدة إلى متهم".

المزيد من تحلیل