Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنابيب النفط والغاز... شرايين الاقتصاد بمضخات السياسة

تحمل كثيراً من الدبلوماسية والمصالح الجيوسياسية وعوامل الاستقرار جنباً إلى جنب مع الأخطار والتحديات واحتمالات إزكاء الصراع

خطوط النفط والغاز العابرة للحدود تحمل كثيراً من السياسة والدبلوماسية والمصالح الجيوسياسية (رويترز)

ملخص

خطوط الأنابيب العابرة للبلاد والحدود قلما تكون مجرد وسيلة لنقل النفط والغاز. هي خطوط عابرة للسياسة والجيوسياسة، مرسخة لتحالفات دبلوماسية ومزعزعة لأخرى، مؤججة لتنافسات استراتيجية ومعضدة لغيرها، توطد علاقات بين دول وتضع أخرى في مهب الريح. هي أصول مادية وسياسية وأمنية واجتماعية تمد الدول التي تمر عبرها بقوة ونفوذ، لكنها أيضاً قد تعرضها لأخطار وتحديات.

في أغسطس (آب) الماضي، أشارت تقارير عدة إلى أن مصر وليبيا تقتربان من إطلاق مشروع لمد أنابيب نفط بطول 800 كيلومتر. المشروع مقدر له أن يربط بين طبرق الليبية والإسكندرية المصرية، وذلك لنقل النفط الليبي إلى مصافي التكرير المصرية، بكلفة قدرها نحو مليار دولار أميركي.

بعدها بأيام قليلة، كانت خزانات وأنابيب الوقود في مواقع عدة في ليبيا يجري استهدافها، مرة في مستودع البريقة في طرابلس، وأخرى في مدينة الزاوية، وثالثة في حقل الشرارة في منطقة الحمادة، وذلك في سلسلة من الاستهدافات التي لم تكن الأولى خلال العقد ونصف العقد الماضيين.

هذه الحوادث أثارت مخاوف وطرحت أسئلة، لا عن المشروع المزمع فقط، لكن عن شبكات وأنابيب النفط والغاز العابرة للحدود والدول. استهداف منشآت الطاقة من مستودعات وحقول وخطوط أنابيب في أماكن الصراع ليس بالأمر الجديد. تكتيك استراتيجي معروف، ليس فقط في الحروب والصراعات الاقتصادية، لكن ضمن الحروب الاقتصادية، لا سيما في العقود الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استهداف أنابيب النفط أو الغاز أو البنى التحتية للطاقة، يحقق سلسلة من الأهداف المدروسة والمؤثرة في نظر الجهة المعتدية: يؤثر في الإمدادات العسكرية في حالة الصراعات المسلحة، ويثير الغضب والخوف المحليين لأسباب اقتصادية وأمنية، وفقدان الثقة في القائمين على أمور الدولة، كذلك يشل جانباً كبيراً من الموارد المالية للدولة المستهدفة، وفي حالات أنابيب النفط أو الغاز العابرة للحدود، يلحق الضرر بأكثر من دولة، فتكون "الفائدة" مضاعفة.

ليست خطوط أنابيب فقط

الشبكات العابرة للحدود هي خطوط أنابيب تنقل النفط أو الغاز أو مواد كيماوية أو سوائل أخرى عبر مسافات شاسعة، تصل إلى آلاف الكيلومترات. من روسيا إلى الصين بمسافة 3 آلاف كيلومتر، ومن تركمانستان مروراً بأوزبكستان وكازاخستان وصولاً إلى الصين بطول نحو 10 آلاف كيلومتر، ومن الجزائر إلى تونس ثم عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا بطول 2475 كيلومتراً، ومن بحر قزوين في أذربيجان عبر جورجيا إلى ميناء جيهان في تركيا بطول 1768 كيلومتراً، وغيرها تزدحم خريطة العالم بآلاف من خطوط الأنابيب التي تقطع آلاف الكيلومترات عبر الحدود على البر حيناً وفي البحر حيناً، فلا تحمل غازاً ونفطاً فقط، بل تحمل ما هو أكثر.

والتاريخ الحديث يقف شاهداً على خط "التابلاين"، هذا المشروع الهندسي الابتكاريّ الطموح، الذي جرى إعلانه قبل أعوام أول موقع للتراث الصناعي في السعودية. إنه خط أنابيب النفط الخام الممتد بطول 1648 كيلومتراً لربط حقول النفط في شرق السعودية بالبحر الأبيض المتوسط. وبحسب مقال منشور على موقع "أرامكو" تحت عنوان "التابلاين: حكاية نجاح هندسي" (2021)، لعب هذا الخط دوراً مهماً في جهود إعادة الإعمار في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى دوره في تنمية شمال السعودية والارتقاء بشركة "أرامكو" العملاقة.

وتاريخ الخط يحكي كثيراً عن كيف يمكن لأنبوب نفط أو غاز أن يكون أكثر من مجرد أنبوب. مليارات البراميل من النفط الخام ظلت سنوات تعرف طريقها من بقيق في شرق السعودية إلى ميناء صيدا على البحر المتوسط، وذلك بعد ثلاثة أعوام من البناء الذي عمل فيه أكثر من 16 ألف عامل لحموا آخر وصلة به في الـ25 من سبتمبر (أيلول) عام 1950.

وظل "التابلاين" أحد المكونات الرئيسة لشبكة نقل النفط في "أرامكو" لما يزيد على أربعة عقود، حتى جاء جيل جديد من ناقلات النفط العملاقة التي فاقته من حيث الحجم والجدوى الاقتصادية. وظلّ الضخ عبره يتضاءل إلى أن توقف في عام 1990.

خطوط النفط والغاز العابرة للحدود تحمل كثيراً من السياسة والدبلوماسية والمصالح الجيوسياسية وعوامل الاستقرار، جنباً إلى جنب مع الأخطار والتحديات واحتمالات إزكاء الصراع وإحماء الحرب، وأحياناً تحولها هي نفسها إلى بؤر صراع جديدة، أو فرص لتحقيق مكاسب وفوائد فريدة.

 

تشير دراسة أجراها الباحث في جامعة شرق الصين للعلوم السياسية والقانون داوي ليو تحت عنوان "السياسة في خطوط الأنابيب العابرة للحدود" (2024) إلى أن أنابيب الطاقة العابرة للحدود أصبحت قضية بارزة في سياسات الطاقة حول العالم في الأعوام القليلة الماضية، وأن جزءاً من القضية يعنى بأمن الطاقة واقتصادها، وآثارها البيئية، إضافة إلى الجغرافيا السياسية وعلاقات الدول ببعضها وتوازنات القوة في ما بينها.

وبناء على قائمة طويلة للأنابيب العابرة لحدود الدول، مثل خطوط الصين، آسيا الوسطى - ميانمار، وميانمار – بنغلاديش – الهند، وتركمانستان – أفغانستان- باكستان- الهند، وإيران – باكستان – الهند، وروسيا – الصين، و"التيار التركي" وهو الخط الناقل للغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا عبر البحر الأسود، ومنه إلى دول جنوب وشرق أوروبا، ورغم قلة الدراسات التي تجرى عن الآثار والأدوار السياسية والأمنية والجيوسياسية وأحياناً الأيديولوجية، للخطوط العابرة للحدود، فإن كلاً منها يحتوي على خليط من الأوضاع الجيوسياسية، ودبلوماسية الطاقة، والانتماءات الحزبية والأيديولوجية، والتوازنات الإقليمية، والمخاوف البيئية المتشابكة، إضافة إلى منظومة معقدة من المساعدات المادية والاجتماعية المرتبطة بتلك الخطوط.

يشار إلى أن خطوط الأنابيب، لا سيما العابرة للحدود، عادة تتطلب استحواذاً للشركات أو الجهات المنفذة للمشروع على أراض، وتهجير سكانها، وهو ما يعرضهم لأضرار اقتصادية واجتماعية. وفي كثير من الأحوال، يجري تقديم مساعدات اجتماعية وتخصيص صناديق تعويضات وفرص استثمار مجتمعي لهؤلاء من قبل الجهات المنفذة للخطوط للتخفيف من الآثار السلبية، ولاتقاء شرور أو أخطار الغضب والرفض.

بحسب بيانات "مرصد الطاقة العالمي"، المتخصص في تطوير وتحليل بيانات البنية التحتية للطاقة ومواردها واستخداماتها، كان هناك ما لا يقل عن 2381 خط أنابيب نفط وغاز عاملة وعابرة للحدود، موزعة على نحو 162 دولة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2020. ويبلغ الطول الإجمالي لهذه الخطوط أكثر من 1.18 مليون كيلومتر. ولو أضيفت خطوط الأنابيب التي تنقل وتوزع على المرافق الإقليمية، فإن الرقم يرتفع إلى 3.5 مليون كيلومتر.

لكن تظل جميعها أرقاماً تقديرية. عدم وجود عدد دقيق لأنابيب النفط والغاز العابرة للبلاد يعود إلى الطبيعة المتغيرة لتطوير البنية التحتية لهذه الخطوط، واختلاف التعريفات بين خطوط التوزيع المحلية وخطوط النقل العابرة للبلاد، إضافة إلى القيود المفروضة على إتاحة البيانات والمعلومات المتعلقة بـ"الأمن القومي" في دول عدة.

نقاط ضعف وأيضاً قوة

ومن الأمن القومي إلى الصراعات والحروب التي كثيراً ما تلقي بظلالها على شبكات الأنابيب العابرة للحدود، أو ربما تعبر هذه الخطوط مناطق تعاني صراعات وحروباً. هنا، تتحول شرايين الاقتصاد التي تضخ فوائد ومنافع حيوية، وقواعد التقارب السياسي والتكامل الاستراتيجي إلى نقاط ضعف استراتيجية، ومنها ما يصبح أهدافاً للتفجير والاستهداف والمواجهات العسكرية والتنافس على النفوذ الجيوسياسي.

سوريا نموذج للأدوار المتشابكة التي تلعبها الأنابيب العابرة للحدود، إيجاباً وسلباً. في يوليو (تموز) الماضي، صرح وزير النفط العراقي باسم خضير بأن بلاده تعمل على تسريع خطط لبناء خط أنابيب نفط يصل إلى الموانئ المطلة على البحر المتوسط في كل من تركيا وسوريا، وذلك في ضوء استمرار الحصار لمضيق هرمز وما نجم عنه من عرقلة للصادرات.

وذكر خضير تفاصيل عدة عن "الخطة"، منها أن دراسة جدوى يجري إعدادها لمسار مبدئي يربط مناطق إنتاج النفط في محافظة البصرية جنوب العراق وكركوك في الشمال، بموانئ المتوسط، تحديداً جيهان في تركيا وبانياس في سوريا، وإمكانية تمديد المسار مستقبلاً ليصل إلى ميناء العقبة الأردني.

قبلها أشارت تقارير عدة إلى "أفكار سورية طموحة" للاستفادة من تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، وتحويل سوريا إلى ممر مركزي لتدفقات الطاقة العالمية.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد قال في كلمته أمام منتدى أنطاليا للدبلوماسية في تركيا في أبريل (نيسان) الماضي، إن بلاده تأمل في استغلال موقعها الاستراتيجي لتصبح طريقاً بديلاً لنقل الطاقة والسلع، يربط الخليج بتركيا، ويوفر منفذاً آمناً إلى البحر الأبيض المتوسط، وهو ما كرره في اجتماع لاحق لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص.

 

يشار أيضاً إلى أن الحكومة السورية تروج لمبادرتين في هذا الشأن: خطة 4+1، و"مشروع البحار الأربعة" أو "الممرات التسعة". الأخير يطمح إلى إنشاء شبكة نقل وطاقة تربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط وقزوين والأسود، عبر تركيا وسوريا. أمّا "خطة 4+1" فتهدف إلى إنشاء ممرات برية متكاملة وآمنة للطاقة، بهدف تقليل الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية.

وبعيداً من التحديات الكبيرة والكثيرة التي تواجه مثل هذه المبادرات، من مصاعب مالية وأمنية وجيوسياسية، والمنافسات الإقليمية الكثيرة في هذا الملف، تسلط ورقة أعدها المتخصص في سوريا والمشرق العربي وسياسة أميركا في الشرق الأوسط في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" أندرو جي تابلر على قدرة سوريا "الجديدة" أن تكون "بديلاً تالياً لمضيق هرمز".

تشير الورقة وعنوانها "حلم سوريا في إنشاء خط الأنابيب يواجه حقائق قاسية" (يونيو 2026) إلى أن خطوط الأنابيب الإقليمية لعبت دوراً مهماً وبصورة مدهشة في تاريخ سوريا السياسي منذ زمن. واستعرضت الورقة الآثار السياسية لخط "تابلاين" على المشهد السياسي في سوريا في الأربعينيات، وعلاقتها بأميركا في أعوام اتسمت بالتوترات الداخلية.

يقول تابلر إن "مسارات خطوط الأنابيب السورية ظلت عرضة للخطر، ومع اندلاع الصراعات الإقليمية في العقود التالية. خلال أزمة السويس عام 1956، استهدفت القوات الإسرائيلية محطات الضخ على طول خط أنابيب كركوك - بانياس. وفي عام 1982، أغلق الرئيس حافظ الأسد الخط بعد تحالفه مع طهران ضد صدام حسين في الحرب الإيرانية - العراقية. وفي وقت لاحق، عاد هذا المسار إلى الأضواء لفترة وجيزة عقب ترتيب سري بين بشار الأسد وصدام حسين، مما سمح للنفط العراقي بالتدفق مرة أخرى عبر سوريا على الرغم من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على بغداد. ومع ذلك، قصفت القوات الأميركية البنية التحتية للخط خلال غزو العراق عام 2003، مما أدى فعلياً إلى إنهاء عملياته".

ومضى تابلر إلى الحرب الأهلية في سوريا "التي دمرت كثيراً مما تبقى. فبدءاً من عام 2011، استهدف داعش وجماعات مسلحة أخرى بشكل منهجي البنية التحتية للنفط والغاز في البلاد. وأصبحت خطوط الأنابيب ومحطات الضخ ومنشآت التصدير أهدافاً عسكرية، ومصادر للدخل، ورموزاً لسلطة الدولة. ومع انهيار النظام في عام 2024، كان جزء كبير من شبكة نقل الطاقة في سوريا قد تعرض للتلف أو النهب أو أصبح غير قابل للتشغيل".

الأزمات بالمرصاد

ويخلص تابلر إلى أن الدرس المستفاد من وجهة نظره، وهو "نادراً ما كانت خطوط الأنابيب التي تعبر سوريا بمنأى عن الأزمات المحلية أو الإقليمية، بل غالباً ما أصبحت ضحية للصراعات السياسية والعسكرية".

ويضيف أن "إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومجموعات رجال الأعمال الأميركيين من أصل سوري محقون في رؤية فرصة استراتيجية في سوريا"، وهي الفرصة التي تستند إلى مفاهيم وردت في "مبادرة البحار الأربعة"، التي قد تسهم في تنويع طرق نقل الطاقة، إضافة إلى تقليل النفوذ الجيوسياسي لإيران.

ويحذر من الاندفاع في الالتزام بضخ مليارات الدولارات قبل التأكد من الحد من الأخطار السياسية، والأمنية، والتنظيم والحوكمة في الداخل السوري.

 

يذكر أن الرئيس ترمب وصف قبل أيام ما ورد في تقرير صحافي عن أن سوريا تسعى إلى القيام بدور بديل لمضيق هرمز بـ"الأمر الرائع"، وذلك على صفحته على "تروث سوشيال".

خطوط الأنابيب العابرة للبلاد والحدود قلما تكون مجرد وسيلة لنقل النفط والغاز. هي خطوط عابرة للسياسة والجيوسياسة، مرسخة لتحالفات دبلوماسية ومزعزعة لأخرى، مؤججة لتنافسات استراتيجية ومعضدة لغيرها، توطد علاقات بين دول وتضع أخرى في مهب الريح. هي أصول مادية وسياسية وأمنية واجتماعية تمد الدول التي تمر عبرها بقوة ونفوذ، لكنها أيضاً قد تعرضها لأخطار وتحديات.

عشرات الدراسات والتقارير والنظريات تؤكد أن أنابيب الغاز والنفط العابرة للحدود تسهم في حل النزاعات بين الدول، ووسيلة لتعزيز التعاون، وتحقيق التكامل، وتفعيل التنمية المستدامة للجميع. وعشرات منها تؤكد أيضاً أنها قنابل موقوتة يسهل تحويلها إلى بؤر صراع، ومواقع استهداف، وأدوات ضغط، وإلحاق الضرر بالجميع.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات