Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سؤال أحمد عرابي المرير: هل فتحنا الباب للإنجليز؟

في مذكراته "يكشف الستار عن سر الأسرار" حين رضخ الخديوي للثورة ثم بعث إلى الآستانة من يؤلب السلطان على الثوار

أحمد عرابي باشا (ويكيميديا)

 

ملخص

إذا كان يمكن السجال من حول تظاهرة قصر عابدين الأولى، لا سيما بالنسبة إلى خلفياتها المطلبية، فإن تظاهرة عابدين الثانية في سبتمبر 1881 التي قامت بها وحدات الجيش المصري التي كانت مرابطة في القاهرة، كانت أكثر وضوحاً، خصوصاً أنها "أظهرت عرابي بمظهر البطل والزعيم الشعبي"، مما اضطر الخديوي توفيق وقبل وصول القوات الإنجليزية للقضاء على الثورة نهائياً، إلى قبول المطالب الوطنية التي رفعها الجيش، إذ وجد أن ليس له سند في هذا الجيش يمكنه من تجاهلها.

"... أما بعد، فإنني قد اطلعت على كثير من الجرائد والتواريخ العربية والإفرنجية الموضوعة في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية. فلم أجد فيها ما يقارب الحقيقة أو يشفي غليل روادها من أبناء الأمة، لذلك رأيت أن أكتب للناس كتاباً يهتدون به إلى تلك الحقيقة، تمحيصاً للتاريخ من درن الأهواء الفاسدة والمفتريات الباطلة. وسميته (كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية في عامي 1881 و1882 الميلاديين)، قياماً بالواجب عليَّ لأبناء وطني الأعزاء، وتصحيحاً للتاريخ، وخدمة عامة للإنسانية وبنيها. وصدرته بنسبي وبتاريخ حياتي ليعلم أنني عربي شريف الأرومة، مصري الموطن والنشأة والتربية".

بهذه العبارات يفتتح الزعيم الوطني المصري أحمد عرابي كتاب "مذكرات" وضعه بعد عودته من منفاه في سيلان (سريلانكا الآن)، وبعدما اطلع على كل ما كان كتب عن ثورته فلم يجد فيه التزاماً بالحقيقة، ولكن هذا الكتاب لم ينشر، إذ ظل حبيس الأدراج 70 سنة، لتنشر منه أجزاء قليلة قبل نهاية العهد الملكي في مصر - على ما تفيدنا سلسلة "كتاب الهلال" التي عادت وأصدرت في عام 1989، طبعة شعبية كاملة له.

إنصاف عرابي وثورته

ودار الهلال كانت هي، كما يبدو، المبادرة إلى نشر المذكرات كاملة ما إن استتبت السلطة في مصر للعهد الجديد، إثر الثورة التي اندلعت عام 1952. ذلك أن "العهد الجديد سعى إلى إنصاف عرابي والثورة التي تزعمها". وهكذا إذ نشرت المذكرات كاملة، رافقتها مقدمة كتبها في ذلك الحين اللواء محمد نجيب.

ومع ذلك، على رغم الإنصاف المشار إليه، لا يفوت طبعة "كتب الهلال" الأحدث، أن تشير إلى أن القارئ "يحس بأن من نشروا الكتاب عمدوا إلى اختصار بعض التفاصيل التي ربما رؤي أنها قد لا تهم القارئ العادي".

ومهما يكن، فإن المهم في الأمر أن الثورة العرابية، التي انتفضت أقلام كثيرة، منذ إخفاقها، لكي تمعن في مهاجمتها، ومن بينها قلم الإمام محمد عبده، الذي كان - مع ذلك - من مفكري تلك الثورة، صار لها مع "مذكرات عرابي" كتابها الرسمي، المتحدث من وجهة نظر صاحب العلاقة نفسه.

 

ويبدو واضحاً من سياق هذا الكتاب أن عرابي لم يكن راغباً في التراجع عن موقفه من الثورة، وكان قادراً على تبرير كل أحداثها، في وقت تحدث عن الأخطاء التي أوصلته وأوصلت جماعته إلى الفشل.

يبدأ عرابي هذه المذكرات بالحديث عن سيرته الذاتية وكيف دخل العسكرية، مفصلاً بعض الشيء بالنسبة إلى مهام عدة كانت أنيطت به ما إن تخرج والتحق فعلاً بالجيش، هو الذي لا يتردد في أن يقول ذات صفحة "... مما تقدم يعلم أنني دخلت العسكرية نفراً بسيطاً... وترقيت بسرعة غريبة جزاء ما بذلت من جهد عنيف حتى نلت رتبة قائمقام الآلاي". وقد استغرقه الوصول إلى تلك الرتبة "ستة أعوام إلا 20 يوماً هي أيام سعدي وخلو فكري من الأكدار الدنيوية. فقد كنت فيها عزيزاً مكرماً عند حضرة محمد سعيد باشا الذي كثيراً ما كان يشركني معه في ترتيب المناورات الحربية وينيبني عنه في تلقينها إلى أكابر الضباط بحضرته، وعلى مسمع منه رحمه الله تعالى. ولشدة إعجابه بي، أهداني (تاريخ نابليون) باللغة العربية، طبعة بيروت، وهو بادي الغيظ على أن تمكن الفرنساويون من التغلب على البلاد المصرية".

الخديوي يحرض عرابي

ويفيدنا عرابي هنا بأن الخديوي محمد سعيد باشا لم يستنكف عن تحريضه "على وجوب حفظ الوطن من طمع الأجانب". ويضيف عرابي هنا "ولما طالعت ذلك الكتاب شعرت في حاجة بلادنا إلى حكومة شورى دستورية، فكان ذلك سبباً لمطالعتي كثيراً من التواريخ الغربية".

والحال أن إرهاصات النزعة الوطنية هذه في وعي عرابي وشخصيته، هي التي - على ما يقول هو بنفسه، في الأقل - ستكون شخصيته، وهي التي ستوصله إلى حركته، هو الذي سيقول في خاتمة الكتاب وبعد أن يستعرض الغزوات التي تعرضت لها مصر في تاريخها "... وهذه هي الأمم البائدة التي تغلبت على مصر قبل الإسلام فأبادها الله جلت قدرته، وقد اعتدت فرنسا على مصر وأتت إليها بقيادة نابليون بونابرت الأول بدعوى أن السلطان سليم محب لفرنسا وقد أذن له باحتلال مصر لقتال المماليك المتمردين على السلطان، وهي دعوى لا ظل لها في الحقيقة. ثم شاء الله أن يخرج هو وجيشه من مصر. وكذلك الإنجليز دخلوا مصر بأسباب غير شريفة وخدعوا المصريين والدولة العثمانية وأوروبا، وحاربوا المصريين بدعوى تأييد الخديوي ورشوا العلية من رجال الدولة، ولكن الله يدافع عن عباده المؤمنين، وهو واقف من أعدائه بمجاز طريقهم".

رواية خاصة

إذاً، بين بداية وعي من طريق كتاب مُهدى إليه من الخديوي سعيد، وخاتمة تتحدث عن أطماع الأجانب في مصر، حصر أحمد عرابي حديثه، ليقدم روايته الخاصة لما حدث، مورداً تفاصيل التفاصيل، وبالأسماء والأرقام، إضافة إلى نشره كثير من الوثائق والبرقيات والأوامر العسكرية، مما يشكل في حد ذاته صورة موثقة لأحداث كثر اللغط من حولها، ناهيك بوصفه المسهب لشخصيات وأحداث ما يضع القارئ حقاً أمام صورة بانورامية لما كانت عليه أحوال مصر في ذلك الحين. غير أن سياق الأحداث كما يرويه عرابي، يبدو - في الأقل في خلفياته إن لم يكن في مجرياته - مختلفاً عن الصور الراسخة تاريخياً.

 

ومن هذا مثلاً، ما يشير إليه الباحث المصري أحمد عبدالرحيم مصطفى الذي يقدم للطبعة الشعبية من "كتاب الهلال" من المذكرات بقوله إن عرابي يتطرق هنا "إلى أوائل عهد الخديوي توفيق وإلى التطورات التي أدت إلى تظاهرة قصر عابدين في أوائل عام 1881، وهي تظاهرة يذكر عرابي أنها كانت تستهدف إقامة حكم نيابي... وهو أمر لا تؤيده المصادر الأخرى التي رجعنا إليها والتي تجمع على أن مطالب الضباط الوطنيين في أوائل عام 1881 لم تتعد التخلص من وزير الحربية الشركسي عثمان رفقي وإصلاح أوضاع الجيش، بما يحقق إنصاف المصريين من ضباط وجنود".

الخديوي حين يرضخ

وإذا كان يمكن السجال من حول تظاهرة قصر عابدين الأولى، لا سيما بالنسبة إلى خلفياتها المطلبية، فإن تظاهرة عابدين الثانية - سبتمبر (أيلول) 1881 - التي قامت بها وحدات الجيش المصري التي كانت مرابطة في القاهرة، كانت أكثر وضوحاً، خصوصاً أنها "أظهرت عرابي بمظهر البطل والزعيم الشعبي"، مما اضطر الخديوي توفيق وقبل وصول القوات الإنجليزية للقضاء على الثورة نهائياً، إلى قبول المطالب الوطنية التي رفعها الجيش، إذ وجد أنه ليس له سند في هذا الجيش يمكنه من تجاهلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولافت هنا ما يشير إليه عرابي في المذكرات من أن "الخديوي توفيق الذي أرغم على تقديم التنازلات للمطالب الوطنية، أرسل في نوفمبر (تشرين الثاني) 1881 مندوباً إلى إسطنبول، لكي يبلغ السلطات العثمانية بأن الحركة الوطنية المصرية إنما كانت تستهدف إقامة خلافة عربية تضم كل الناطقين بالضاد فتشمل الحجاز واليمن والعراق ومصر والشام وطرابلس الغرب وغيرها". وهو كلام يصفه عرابي قائلاً "... سبحانك اللهم... هذا بهتان خالص".

وبقي أن نذكر هنا أن أحمد عرابي هو طبعاً القائد العسكري المصري الذي قام بزعامة تلك الثورة، التي كانت - وفق كثر من المؤرخين - أول حركة ثورية وطنية يقوم بها الجيش المصري من منطلقات اجتماعية وسياسية، ناهيك بسماتها الوطنية. وكان ذلك في عامي 1881 و1882، مما انتهى يومها بمجيء القوات البريطانية لتحتل الأراضي المصرية وتهزم الثوار نافية معظمهم، مما جعل معادين للثورة -وبعضهم من الذين كانوا يقفون إلى جانبها أول الأمر - يقولون إنها ما قامت في الأصل إلا لكي تفتح الطريق أمام مجيء الإنجليز..، ولكن – طبعاً - ليس ثمة أثر يوحي بمثل هذه الأقاويل في ثنايا الكتاب الذي يقرأ كوجهة نظر..، ولكن أيضاً كرواية شيقة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة