Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مأرب على خط النار مجددا... صراع على الموقع والطاقة

تستعد المحافظة الاستراتيجية لجولة جديدة بعد تحرش الميليشيات الحوثية بمقدراتها النفطية والشعبية

تحتل مأرب أهمية بارزة في حسابات الصراع (ا ف ب)

ملخص

تعود مأرب اليمنية إلى واجهة المشهد اليمني مع تصاعد التوتر على جبهاتها، في وقت تستعد فيه المحافظة لاحتمالات عسكرية جديدة وسط تعقيدات تتجاوز الميدان، فالمحافظة التي تمثل إحدى أبرز مناطق النفوذ الحكومي في شمال اليمن، تحتضن منشآت نفط وغاز وتستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، مما يجعل أي تصعيد فيها ذا كلفة عسكرية واقتصادية وإنسانية.

تكتسب المحافظة أهميتها من موقعها في الخريطة النفطية والغازية اليمنية، حيث يشير تحليل إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن حوض مأرب - الجوف من المناطق الغنية بالمحروقات في البلاد، فيما أعيد تشغيل الإنتاج جزئياً في القطاع الـ18 بمأرب عام 2018 بعد سنوات من الاضطراب، وارتبط القطاع تاريخياً بإنتاج الغاز الذي يغذي حاجات محلية، إلى جانب ارتباطه بمنظومة تصدير الغاز اليمني.

يرى المدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات وفيق صالح أن أهمية مأرب لا تنبع من كونها ساحة مواجهة عسكرية فحسب، وإنما من اجتماع عناصر سياسية واقتصادية واجتماعية تجعل المحافظة واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع اليمني.

ويشير صالح إلى أن مأرب تمثل إحدى أبرز مناطق حضور الحكومة المعترف بها دولياً، إضافة إلى أن موقعها وثرواتها النفطية والغازية يمنحانها وزناً إضافياً في أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية، ويبرز في هذا السياق القطاع 18 ومنطقة صافر، إلى جانب المنشآت المرتبطة بإنتاج الغاز وتوزيعه.

ويضيف صالح أن مأرب اكتسبت خلال سنوات الحرب بعداً إنسانياً استثنائياً، بعدما استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين الفارين من مناطق مختلفة من البلاد، مما جعل استقرارها مرتبطاً أيضاً باستقرار قطاع واسع من السكان الذين وجدوا فيها ملاذاً بعيداً من جبهات القتال.

وبذلك، فإن معركة مأرب، وفق هذه الرؤية، لا تتعلق بالسيطرة على مساحة جغرافية فحسب، وإنما ترتبط بمستقبل موارد الطاقة ومؤسسات الدولة والكتلة السكانية الكبيرة التي استقرت في المحافظة خلال سنوات الحرب.

البعد السكاني

ولا تقتصر أهمية المحافظة على موارد الطاقة فحسب، فقد أصبحت مأرب خلال الحرب مركزاً لاستقبال موجات النزوح من مناطق يمنية مختلفة، وهو ما يضيف بعداً إنسانياً إلى أي توتر أمني فيها.

وبحسب بيانات مصفوفة النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، سجلت مأرب عام 2025 أعلى عدد من الأسر النازحة حديثاً بين المحافظات التي شملها الرصد، بإجمال 2400 أسرة، أي نحو 54 في المئة من إجمال الأسر التي رصدت المنظمة نزوحها خلال العام.

ويعني ذلك أن عودة القتال إلى نطاق واسع لن تكون تحركاً عسكرياً على خطوط التماس فحسب، بل قد تضع ضغوطاً إضافية على الخدمات والمساكن ومخيمات النزوح، في محافظة تستضيف أصلاً أعداداً كبيرة من السكان المتضررين من الحرب.

الثروة في حسابات الصراع

لم تكن الثروة النفطية سبباً وحيداً للحرب اليمنية، لكنها أصبحت أحد العوامل التي تزيد أهمية السيطرة على المناطق المنتجة أو القريبة من منشآت الطاقة، وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الإنتاج النفطي اليمني تراجع بشدة منذ اندلاع الحرب، فيما تعرضت البنية التحتية النفطية والغازية لأضرار واضطرابات متكررة.

وفي حال مأرب، تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع البنية التحتية للطاقة، فالسيطرة على مناطق قريبة من منشآت الإنتاج وخطوط النقل تمنح الأطراف المتصارعة أوراقاً عسكرية واقتصادية، بينما يجعل استهداف المنشآت الحيوية الحرب أكثر كلفة على السكان والاقتصاد المحلي.

ولهذا تبدو مأرب مختلفة عن كثير من جبهات الحرب اليمنية، فالقتال فيها لا يدور فقط حول مساحة جغرافية أو موقع عسكري، بل حول منطقة ذات ثقل اقتصادي ومؤسسات ومنشآت طاقة ومجتمع محلي استقبل أعداداً كبيرة من النازحين.

من خطوط التماس إلى العمق

أضافت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بعداً جديداً إلى المواجهة، فبدلاً من اقتصار الخطر على المناطق القريبة من الجبهات، باتت المنشآت العسكرية والحيوية والمراكز السكانية ضمن نطاق التهديد من بعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تعني هذه القدرة أن السلاح الصاروخي أو المسير قادر بمفرده على تغيير موازين السيطرة الميدانية، لكنه يوسع مساحة المواجهة ويمنح الطرف الذي يمتلكه إمكان الضغط على خصمه من دون خوض اشتباك بري مباشر.

السلاح البعيد لا يحسم المعركة

يرى الكاتب والباحث طالب الأحمدي أن اعتماد الحوثيين على الصواريخ والمسيرات غير طبيعة المواجهة في مأرب، بعدما أصبح بالإمكان استهداف مواقع ومنشآت من مسافات بعيدة، بما يفرض على الطرف الآخر توزيع موارده بين حماية الجبهة وتأمين العمق.

ويعتقد الأحمدي أن هذه الأسلحة تمنح قدرة أكبر على الاستنزاف ورفع كلفة الحرب، لكنها لا تلغي أهمية السيطرة على الأرض، التي تظل مرتبطة بالقوات البرية وخطوط الإمداد وقدرة الأطراف على الاحتفاظ بالمواقع التي تسيطر عليها.

وعن دور القبائل يرى الأحمدي أن القبائل لا تزال عنصراً مؤثراً في معادلة مأرب، لكن طبيعة دورها تغيرت مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، نتيجة التحولات العسكرية والاقتصادية التي شهدتها المحافظة.

ويضيف أن أي تهديد مباشر للمناطق المحلية يمكن أن يعيد تنشيط التعبئة القبلية، خصوصاً عندما يتصل الصراع بحماية الأرض والمصالح المحلية.

أما في شأن المرحلة المقبلة، فيتوقع استمرار الضغط العسكري المتبادل ومحاولات الاستنزاف، مع بقاء احتمالات التصعيد البري قائمة من دون وجود معطيات كافية للجزم باندلاع مواجهة شاملة، ويضع في هذا السياق تماسك القوات الحكومية والقوى المحلية وقدرتها على تأمين خطوط الإمداد ضمن العوامل المؤثرة في اتجاه الجبهة.

وفي الجانب السياسي يعتقد أن خفض مستوى التحشيد قد يوفر فرصة لفتح قنوات للحوار، لكنه لا يمثل وحده تسوية للحرب، إذ يحتاج الأمر إلى إجراءات متبادلة لتقليل التصعيد وحماية السكان والمنشآت الحيوية وتهيئة الظروف أمام مسار سياسي أكثر استقراراً.

القبائل أمام اختبار مختلف

احتفظت القبائل في مأرب خلال سنوات الحرب بدور بارز في حماية مناطقها والمشاركة في مواجهة الحوثيين، لكن استمرار الحرب أعاد تشكيل العلاقة بين البنية القبلية والمؤسسات العسكرية والأمنية.

ولا يمكن النظر إلى الموقف القبلي باعتباره كتلة واحدة مستقلة عن التحولات التي شهدتها المحافظة، فقد أدى طول أمد الحرب، واتساع المدن، وتزايد السكان والنازحين، ونمو النشاط الاقتصادي، إلى تغيرات اجتماعية ومؤسسية تركت أثرها في طبيعة المشاركة المحلية.

ومع ذلك، تظل الاعتبارات المحلية عاملاً مهماً في حسابات أي تصعيد، فكلما اقترب القتال من المناطق السكنية أو المصالح المباشرة للسكان، يصبح للموقف المحلي تأثير أكبر في قدرة الأطراف على إدارة الجبهة والحفاظ على خطوط الإسناد.

مواجهة محتملة أم استنزاف طويل؟

المؤشرات المتاحة لا تسمح بالجزم بأن مأرب تتجه حتماً إلى معركة برية واسعة، لكنها تظهر أن المحافظة تظل ضمن الحسابات العسكرية والسياسية للصراع اليمني.

وقد يكون السيناريو الأقرب في المدى القصير استمرار الضغوط المتبادلة، مع استخدام الصواريخ والمسيرات كأدوات ضغط، بالتوازي مع بقاء الجبهات البرية في حال توتر من دون انتقالها بالضرورة إلى هجوم واسع.

في المقابل يرى الأحمدي أن استمرار الهدوء النسبي واحتواء التصعيد يمكن أن يوفر مساحة لمعالجة الملفات السياسية والاقتصادية بعيداً من منطق الحسم العسكري، غير أن ذلك يتطلب إجراءات عملية تتجاوز التصريحات، وفي مقدمها حماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتثبيت التهدئة وفتح المجال أمام مسار تفاوضي قابل للاستمرار.

في ميزان الحرب والسلام

تجمع مأرب في جغرافيتها الصغيرة نسبياً عناصر كثيرة من الأزمة اليمنية: الثروة، والنفوذ السياسي، والجبهة العسكرية، والقبيلة، والنزوح، والطاقة، ولهذا فإن مستقبل القتال فيها لن يتحدد بالسلاح وحده، فالمعادلة ستتأثر أيضاً بقدرة القوى الموجودة على الأرض على إدارة الجبهة، وبحجم الضغوط الاقتصادية والإنسانية، وبمدى استعداد الأطراف للانتقال من سياسة الاستنزاف إلى ترتيبات تخفف التوتر.

وبينما تبقى احتمالات التصعيد قائمة، فإن أهمية مأرب تجعل كلفة الحرب فيها أعلى من مجرد تغيير خطوط السيطرة، فأي اضطراب واسع قد ينعكس على السكان والمنشآت والخدمات، في حين أن الحفاظ على الاستقرار يفتح مساحة أوسع لمعالجة واحدة من أكثر عقد الحرب اليمنية تعقيداً.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات