ملخص
اليمن لا يحتاج إلى معركة إضافية أو نصف معركة تُضاف إلى سجل الحرب، بقدر ما يحتاج إلى معركة تنهي منطق الحرب كوسيلة وحيدة للحكم، وإذا كانت الميليشيات الحوثية تراهن على تشتيت الخصوم وإرهاق المجتمع وتفكيك إرادة المقاومة قبل الوصول إلى المدن، فإن الرد الأكثر فاعلية لا يكون بالتشتت المقابل، بل ببناء مركز ثقل وطني حقيقي يجمع السياسة والعسكرية والمجتمع، عندها فقط يمكن أن يصبح الميدان ترجمة لإرادة وطنية واحدة، وأن تتحول الانتصارات المتفرقة إلى طريق حقيقي لاستعادة الدولة، لا مجرد جولة جديدة في حرب طويلة.
لا يوجد لدي شك في أن المشكلة مع الميليشيات الحوثية لا تختصر في رفضها الحوار أو تعثر المسارات السياسية معها، بل تكمن في تصورها للسياسة نفسها، وهو تصور يقوم على اعتبار القوة المسلحة مصدراً للسلطة كأمر واقع، ثم تحويل هذا الواقع إلى حق سياسي يُطلب من الآخرين الاعتراف به.
من هنا يصبح السلاح، في منطق هذه الجماعة، سابقاً للدولة لا خاضعاً لها، وتصبح السيطرة مقدمة للحكم لا نتيجة لتوافق وطني، لذلك فإن استعادة الدولة في اليمن ليست مجرد استعادة مدن أو مواقع عسكرية، وإنما استعادة القاعدة التي تقول إن السياسة تُنتج بالتوافق والمؤسسات، لا بالتهديد والإكراه.
وما يجري اليوم يؤكد أن المعركة الحقيقية ليست بين مشروعين عسكريين وحسب، بل كما أقول دائماً بين تصورين لمستقبل اليمن، دولة تتسع لجميع مواطنيها، ومشروع يريد اختزال الدولة في سلطة جماعة تمتلك السلاح.
من هذه الزاوية يمكن فهم التناقض بين شعارات السيادة والاستقلال التي ترفعها الميليشيات الحوثية، وبين ممارساتها على الأرض وفي الإقليم، فالدولة التي تدافع عن سيادتها لا تجعل من أراضيها منصة دائمة لاستهداف المدنيين، ولا تحول قرارها الوطني إلى ورقة في صراع إقليمي أوسع.
وما حدث خلال الأيام الأخيرة من استهداف مدن سعودية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وما نتج منه من جرح 13 مدنياً وتضرر منازل ومركبات، وفق إعلان المتحدث باسم التحالف تركي المالكي أمس الثلاثاء أو ما أعلنه فجر اليوم الأربعاء أنه عند الساعة 18:50 من مساء يوم أمس تمكنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي من اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة معادية أطلقتها الميليشيات الحوثية الإرهابية قبل دخولها المجال الجوي المحظور (PROHIBITED AREA) للعاصمة المقدسة مكة المكرمة، وتم اعتراض المسيّرة المعادية في جنوب مدينة مكة المكرمة، إنما بكل تأكيد يضع هذا التناقض الحوثي أمام اختبار جديد.
وحين تمتد الاعتداءات إلى الأعيان المدنية ودور العبادة، في سلوك إرهابي يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، والمبدأ الإسلامي الراسخ في صيانة حرمة المساجد، فإن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى سؤال أخلاقي وإنساني يتعلق بمن يدفع ثمن الصراع، ولماذا يصبح المدني دائماً الحلقة الأضعف في معادلة القوة.
وليس استهداف المدنيين خارج اليمن بالنسبة إلى الميليشيات الحوثية سلوكاً منفصلاً عن تاريخ طويل من التعامل مع المجتمع اليمني نفسه باعتباره مجالاً مفتوحاً للقوة، إذ شهدت عدن وتعز والحديدة وحضرموت وغيرها وقائع إرهابية متعددة ارتبطت باستهداف مناطق مدنية ومنشآت عامة ودور عبادة، كما وصل الأمر في الـ30 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2020 إلى الهجوم الذي وقع في مطار عدن بالتزامن مع وصول الحكومة اليمنية في محاولة لاغتيالها، وأوقع قتلى وجرحى بين المدنيين والمستقبلين والعاملين في المطار، واتهمت السلطات اليمنية آنذاك الميليشيات الحوثية بالمسؤولية، كما أعلنت قوات التحالف تدمير طائرة مسيّرة حاولت استهداف قصر المعاشيق.
هذه الوقائع الإرهابية لا تستمد أهميتها من أنها أحداث ماضية، وإنما لأنها تكشف عن نمط في التفكير لدى الميليشيات الحوثية: حين تعجز الجماعة عن إنتاج نفوذها عبر السياسة، تنتقل إلى الضغط على المجتمع ومؤسسات الدولة عبر اعتداءات إرهابية، وكأن إضعاف المجال المدني يمكن أن يختصر الطريق إلى السيطرة السياسية.
من هنا يصبح التصعيد باتجاه السعودية قابلاً للقراءة أيضاً باعتباره جزءاً من معادلة أوسع تحاول اتباعها الميليشيات الحوثية، لا مجرد اعتداء إرهابي منفصل عن تطورات الداخل اليمني، فإشغال تحالف دعم الشرعية في اليمن عبر اعتداءات إرهابية باستهداف المدن والمنشآت والأعيان المدنية ودور العبادة يمكن، في اعتقاد هذه الميليشيات، أن يفرض عليه توزيع اهتمامه وموارده بين حماية العمق السعودي ومتابعة التحولات المتسارعة داخل اليمن.
في الوقت نفسه، تتزامن هذه الاعتداءات الإرهابية مع تصعيد واضح على جبهات الساحل الغربي وتعز ومأرب والجوف، بما يوحي بأن المعركة تتحرك على مسارات متوازية. وأشارت تقارير حديثة إلى استمرار القتال والتعزيزات في الساحل الغربي، بالتزامن مع ضغط الميليشيات الحوثية في مأرب ولحج، فيما تتزايد أهمية الساحل ومضيق باب المندب في الحسابات العسكرية والسياسية في ظل تقارير أممية تشير إلى تقدم الميليشيات الحوثية باتجاه باب المندب وسيطرتهم، وفق هذه التقارير، على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر، ولذلك فإن قراءة كل جبهة بمعزل عن الأخرى قد تؤدي إلى سوء تقدير لطبيعة اللحظة الصعبة التي يمر بها اليمن.
الأخطر في تقديري أن الميليشيات الحوثية لا تبدو معنية فقط بتحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل بإعادة تشكيل البيئة التي تسبق أي هجوم كبير، وهذه نقطة في غاية الأهمية تستحق في تقديري التوقف طويلاً، لأن الميليشيات الحوثية درجت، قبل محاولة السيطرة على مناطق جديدة، على استخدام الرسائل السياسية والاجتماعية والنفسية إلى جانب الحشد العسكري.
وما يتداول من رسائل مرتبطة بمأرب، ومن بينها حديث الشيخ أحمد عبد الولي الذهب عن حملة عسكرية حوثية كبيرة والدعوة إلى وساطة قبلية، يمكن قراءته ضمن هذا السياق، سواء كان الهدف تخفيف كلفة المواجهة أو اختبار استعداد المجتمع المحلي أو ممارسة ضغط نفسي على المدافعين، فقبل أن تصل المعركة إلى أبواب المدن، تبدأ معركة أخرى داخل الوعي تشنها الميليشيات الحوثية: إقناع الناس بأن المقاومة مكلفة، وأن التسليم أقل كلفة، وأن ما حدث في مناطق أخرى يمكن أن يتكرر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه الطريقة في العمل من قبل الميليشيات الحوثية تجعل مأرب أكثر من مجرد جبهة عسكرية: إنها على المحك، فهي اختبار لإرادة الدولة وقدرتها على منع تكرار سيناريوهات الاستسلام التدريجي، فالدعوة إلى تسليم المؤسسات والمقار الحكومية تحت عنوان "تجنب إراقة الدماء" قد تبدو في ظاهرها محاولة لحماية المجتمع كما تزعم أصوات حوثية أو مناصرة لها، لكنها تصبح خطرة تماماً حين تكون مقدمة لإلغاء سلطة الدولة وإحلال سلطة السلاح مكانها.
والفرق هنا بالتأكيد بالغ الأهمية بين الوساطة التي تمنع الحرب وتحمي السكان، وبين الوساطة التي تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أداة لتهيئة شروط الاستسلام وهو ما تسعى إليه الميليشيات الحوثية، ولذلك فإن حماية مأرب لا تعني فقط الدفاع عن جغرافيا محددة، وإنما حماية فكرة أن المؤسسات العامة لا تُسلّم لمن يهددها بالقوة، وأن الحوار يمكن أن يفتح الطريق إلى التسوية، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن حق المجتمع في الدفاع عن دولته.
ومن مأرب يمتد السؤال إلى بقية الجبهات، لأن ما يحدث في الساحل الغربي وتعز والجوف لا يمكن فصله عن محاولة رسم ميزان جديد للقوة، فتقدم الميليشيات الحوثية في الساحل الغربي، بحسب تقارير دولية، ترافق مع وصول الجماعة إلى مواقع استراتيجية قرب باب المندب، بينما أعلنت القوات المسلحة اليمنية تحقيق تقدم في تعز والجوف في خضم التصعيد الراهن، مما يعني أن المعركة لم تعُد مجرد تبادل للسيطرة على مواقع متفرقة، وإنما صراع على الممرات والجغرافيا والموارد ومراكز التأثير.
ومن ثم فإن أي تحسن تحققه القوات المسلحة اليمنية لا ينبغي أن يُقاس بعدد المواقع التي تستعيدها فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك المكاسب إلى خطوط عمليات مترابطة، تمنع الميليشيات الحوثية من استعادة المبادرة وتفرض عليها إعادة توزيع قواتها بدلاً من تركها تختار مكان وزمان المعركة.
وتبرز هنا مسؤولية مجلس القيادة الرئاسي، ليس باعتباره مؤسسة سياسية لإدارة الخلافات بين القوى المناهضة للميليشيات الحوثية وحسب، وإنما باعتباره الإطار الذي يفترض أن يحول التعدد العسكري والسياسي إلى إرادة وطنية واحدة لاستعادة الدولة وفق نص إعلان نقل السلطة الصادر في السابع من أبريل (نيسان) 2022.
لقد أظهرت الأعوام الماضية أن تعدد مراكز القوة يمكن أن يتحول من مصدر قوة إلى عامل استنزاف حين تغيب الأولويات المشتركة، أما اللحظة الحالية فتتطلب معالجة الأخطاء التي عطلت الاستفادة من الفرص السابقة، وبناء تنسيق سياسي وعسكري أكثر وضوحاً، وربط الجبهات ضمن تصور وطني حقيقي متكامل.
فالمعركة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات أو الانشغال في الخلافات، بقدر حاجتها إلى قرار واضح وقيادة قادرة على ترتيب الأولويات وقوة عسكرية تعرف أين تضرب ومتى تتقدم وكيف تحافظ على ما تستعيده.
لكن استعادة الدولة لا يمكن أن تكون مشروعاً عسكرياً صرفاً، لأن الدولة التي يُقاتل اليمنيون من أجل استعادتها يجب أن تكون قادرة، في الوقت نفسه، على حماية الإنسان الذي يعيش تحت سلطتها، مما يعني أن أي تقدم عسكري ينبغي أن يرافقه خطاب سياسي يطمئن السكان، وإدارة مدنية تحمي المؤسسات، وخدمات تخفف عن الناس كلفة الحرب، ومسار سياسي جاد يمنح اليمنيين أملاً في أن نهاية المعركة لن تعني بداية صراع جديد.
لاحظوا معي من فضلكم أن الإنسان اليمني لم يعُد يحتمل أن تتحول حياته إلى هامش في حسابات القوى المتصارعة، ومن ثم فإن استعادة الدولة تصبح أكثر صدقاً حين تكون استعادة للأمن والكرامة والقانون، لا مجرد استعادة لمبانٍ حكومية أو خرائط نفوذ. القوة مطلوبة لإنهاء الانقلاب المسلح على الدولة، لكنها لا تكتسب معناها الوطني إلا عندما تفتح الطريق أمام دولة أكثر عدلاً واتساعاً.
لذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الميليشيات الحوثية قادرة على مواصلة التقدم، فالميدان بطبيعته متغير، وإنما ما إذا كان مجلس القيادة الرئاسي والقوى المناهضة للانقلاب قادرين على استيعاب دروس المرحلة وتحويل التحسن الذي تحقق في بعض الجبهات إلى تفوق عملياتي وسياسي مستدام.
فاليمن لا يحتاج إلى معركة إضافية أو نصف معركة تُضاف إلى سجل الحرب، بقدر ما يحتاج إلى معركة تنهي منطق الحرب كوسيلة وحيدة للحكم، وإذا كانت الميليشيات الحوثية تراهن على تشتيت الخصوم وإرهاق المجتمع وتفكيك إرادة المقاومة قبل الوصول إلى المدن، فإن الرد الأكثر فاعلية لا يكون بالتشتت المقابل، بل ببناء مركز ثقل وطني حقيقي يجمع السياسة والعسكرية والمجتمع، عندها فقط يمكن أن يصبح الميدان ترجمة لإرادة وطنية واحدة، وأن تتحول الانتصارات المتفرقة إلى طريق حقيقي لاستعادة الدولة، لا مجرد جولة جديدة في حرب طويلة.