ملخص
يُشكل الصراع على ملكية النيزك المكتشَف محرك الأحداث في رواية "مطاردة النيزك" للكاتب الفرنسي جيل فيرن، الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت، بترجمة خالد اليعبودي وتعليقه، وهو صراع يمتد بين اكتشاف النيزك وإسقاطه، ويستمر طوال أربعة أشهر، هي زمن الأحداث في الرواية، وتدخل فيه أطراف عدة، وتترتب عليه تداعيات معينة، في حالي الاكتشاف والإسقاط.
قبل الدخول في قراءة مجريات الصراع وتداعياته في رواية "مطاردة النيزك"، لا بد من الإشارة إلى أن جول فيرن يعد رائد الخيال العلمي في الأدب الفرنسي، وواضع اللبنات الأساسية لهذا النمط السردي، وقد بلغت مؤلفاته في هذا الحقل المعرفي 60 رواية وقصة، وجرت ترجمتها إلى أكثر من 140 لغة حول العالم، ومنها اللغة العربية.
وجاء الاعتراف بفضله في ازدهار هذا النمط بعد إصدار الأميركي هوغو غيرنسباك مجلة "حكايات عجيبة"، عام 1926، التي أخذت على عاتقها الاهتمام بهذا النوع الأدبي، على ما جاء في مقدمة المترجم.
علاقات مختلفة
تدور أحداث الرواية في مدينة واسطون التابعة لولاية فيرجينيا الأميركية، وتستمر أربعة أشهر، هي المدة الفاصلة بين اكتشاف النيزك وإسقاطه، وتدخل فيها مجموعة من الشخوص المنتظمة في ثنائيات، يتفاعل طرفا كل ثنائية في ما بينهما، ناهيك بتفاعل الثنائيات في ما بينها في إطار النسيج الروائي.
على أن طبيعة العلاقة بين طرفي الثنائية تختلف من ثنائية إلى أخرى، فهي علاقة تنافس بين دين فورسيث وسيدني هودلسون، وعلاقة حب بين فرانسيس كوردن وجيني هودلسون، وعلاقة احترام متبادل بين سيث ستانفورت وأركاديا ولكر، وعلاقة تَبَن بين روبين لكور وزيفيران كزيردال، على سبيل المثال لا الحصر.
أما طبيعة العلاقة بين الثنائيات المختلفة، فيغلب عليها التعاون، إلى حد كبير، سواء في مرحلة اكتشاف النيزك أو في مرحلة إسقاطه، والمفارق أن سلبيات الاكتشاف تربو على إيجابياته، بينما تربو إيجابيات الإسقاط على سلبياته، وهو ما تتمخض عنه التداعيات المترتبة على كل من المرحلتين.
اكتشاف النيزك
في المرحلة الأولى، يؤدي التزامن في اكتشاف النيزك بين دين فورسيث الأربعيني المقيم في شارع إليزابيت مع خادمته ميتز ومساعده أوميكرون وابن شقيقته فرانسيس كوردن، وسيدني هودلسون الأربعيني المقيم في شارع موريس مع زوجته فلورا وابنتيه جيني ولوو إلى حال من التنافس بين المكتشفَيْن، تتطور إلى غيرة، فجفاء، فنفور، فعداء، وتترك آثارها على المحيطين بهما، وبذلك يؤثر العلمي في الاجتماعي ويتحكم به إلى حد كبير.
والمفارق أن سلوكيات المكتشفَيْن المتنافسَيْن تتشابه إلى حد كبير، إذ يُشكلان وجهين لعملة واحدة، فكلاهما يكتشف النيزك في الـ 16 من مارس (آذار)، ويُعلِم المرصد الذي يتعامل معه باكتشافه في الـ 24 من مارس، ويُطالب بحفظ حقه في الاكتشاف، ويُغرق نفسه في مراقبة الفضاء مهملاً أفراد أسرته، ويُهمل الاهتمام بنفسه، ويغضب إذا ما اجتاحت الغيوم السماء وحجبت الرؤية، ويُضمر العداء للآخر، ويدعي ملكية النيزك وحده دون سواه، ويرى فيه ابناً له.
في المقابل، يختلفان في تحديد موقع سقوطه، وبعض الإحداثيات المتعلقة به، ما يفقدهما بريق الشهرة، فيكتفيان بشرف الاكتشاف، من دون أن يتخليا عن حقهما المزعوم في ملكية النيزك، حتى إذا ما تسرب خبر الاكتشاف عبر الصحف، يُعقد مؤتمر دولي للبحث في الأمر، وتنضم الدول إلى الأفراد في تنازع الملكية، وتترتب على ذلك نتائج معينة.
إن تنازع الملكية في مرحلة الاكتشاف، تكون له تداعياته على المستويات الاجتماعية والإعلامية والسياسية، فيحول، على المستوى الأول، دون عقد القران بين فرانسيس ابن أخت دين فروسيت، وجيني ابنة سيدني هودلسون، ويسهم في انفصال الزوجين الشابين سيث ستانفورت وأكاديا ولكر، لانحياز كل منهما إلى أحد المكتشفَيْن، ويؤدي، على المستوى الثاني، إلى انقسام الصحف بين صاحبي العلاقة، ويثير، على المستوى الثالث، اهتمام الدول بالموضوع، فتعقد مؤتمراً دوليا للنظر فيه، وهكذا يُؤثر العلمي في الاجتماعي والإعلامي والسياسي، ويتحكم به إلى حد كبير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا كانت الأحداث في المرحلة الأولى لا توغل في التخيل العلمي، حيث إن اكتشاف اكتشاف النيزك بواسطة التلسكوب أمر ممكن، ويندرج في إطار الواقعية العلمية، فإن التخيل العلمي يبلغ الذروة في المرحلة الثانية، حين يقوم زيفيران كزيردال بالتأثير في النيزك من مسافة 400 كيلومتر، والتحكم بحركته، وإسقاطه في مكان وزمان يحددهما، وهو ما يدخل في باب الاستحالة العلمية. ففي هذه المرحلة الثانية، وإزاء عدم تقدم مكتشفَي النيزك فروسيت وهودلسون في رصد التحولات التي تطرأ عليه، وشيوع أخبار تتعلق بأنه مصنوع من الذهب الخالص الذي تقدر قيمته بعدة تريليونات، يُشكل اطلاع زيفيران كزيردال، صاحب المؤهلات العلمية الخارقة والأجهزة التكنولوجية المتقدمة، على هذه الأخبار نقطة تحول في مجرى الأحداث، فيقرر إسقاط النيزك في قطعة أرض يقرر امتلاكها في موقع الإسقاط، مدعوماً برغبة عرابه المصرفي روبير لكور في تحقيق مكاسب مالية جراء ذلك.
مصباح كهربائي
وعليه، يقوم كزيردال بجذب النيزك بواسطة مصباح كهربائي خارق، "يُطلق في الفضاء تياراً من نوع خاص، يتحرك مثل المروحة الدوارة، وله قدرة على دفع أي جسم مادي بقدرة هائلة بمجرد ملامسته"، ويُحدد من خلال هذه العملية وغيرها موقع سقوط النيزك في الطرف الشمالي الغربي لجزيرة أوبر نافيك من جزيرة غرينلاند، بتاريخ الـ 19 من أغسطس (آب)، وما أن يشيع الخبر حتى يهرع إلى المكان مندوب الجزيرة في المؤتمر، السيد دي شناك، وجنود من الدول المشاركة فيه، والمكتشفان فروسيت وهودلسون، وفرانسيس وجيني، والسيد سيث ستانفورت والسيدة أركاديا ولكر وبضعة آلاف غيرهم، ولكل منهم مأرب يعنيه.
وإذ يسقط الجرم الذهبي على جرف صخري محاذ للبحر، ويستشعر كزيردال إمكان تسببه في زعزعة أسواق المال العالمية، وتأجيج الحروب بين الدول، ناهيك عن الأفراد الذين يتنازعون ملكيته، يقوم باستخدام جهازه المتقدم، ويدفع النيزك للسقوط في البحر، وبذلك يُخلص العالم من تداعيات خطرة، كان من شأنها أن تترتب على بقائه على اليابسة.
والمفارق أن هذه العملية تؤدي إلى تحولات إيجابية، فيزول التنازع بعد زوال سببه، وتتحول العلاقة بين فروسيت وهودلسون من عداء إلى صداقة، وتُقام مراسم زفاف فرانسيس كوردن وجيني هودلسون في الـ 30 من ديسمبر (كانون الأول)، ويحتفل سيث ستانفورد وأركاديا ولكر بزفافهما للمرة الثانية، ويحقق المصرفي روبير لكور المكاسب المالية الطائلة.
وهكذا، وخلافاً للمنطق الواقعي، تترتب على عملية اكتشاف النيزك تداعيات سلبية كثيرة، وتتمخض عملية إسقاطه عن تداعيات إيجابية كثيرة، فما يصح في الواقع الحقيقي لا يصح بالضرورة في الخيال العلمي، وما كان متعذراً في مرحلة الاكتشاف يغدو متاحاً في مرحلة الإسقاط.
وبعد، فـ "مطاردة النيزك" هي مطاردة أحلام على جناح الخيال العلمي، يُنظمها جيل فيرن ببراعة واضحة، يقترن فيها الواقع بالخيال، والشخصي بالجمعي، ويحتدم فيها الصراع بين المتنازعين، وتتضارب المصالح والنزعات، وإذا كانت المطاردة لم تُسفر عن القبض على النيزك المطارَد لأسباب سبق ذكرها، فحسْبها أنها أسفرت عن القبض على أثر روائي جميل، محفوف بكثير من الإثارة والتشويق، يجعل قراءته مشوبة بكثير من الفائدة والإمتاع.