ملخص
قد يبدو القلب سليماً تماماً، فيما يخفي اضطراباً كهربائياً قاتلاً قد يؤدي إلى الموت المفاجئ بلا إنذار. وتكشف متلازمة الموت المفاجئ، بسبب اضطراب النظم، عن حدود تشريح الجثة التقليدي، بينما تتيح الفحوص الجينية وفحص الأقارب فرصة لاكتشاف الخطر الوراثي مبكراً وإنقاذ حياة أفراد العائلة.
عندما فقد المدرب السابق لمانشستر يونايتد ومنتخب ويلز، مارك هيوز، نجله البالغ من العمر 38 سنة، خلصت التحقيقات إلى أن السبب يعود لمتلازمة الموت المفاجئ لدى البالغين (Sudden Arrhythmic Death Syndrome) اختصاراً "سادس" SADS.
بدا الشاب بصحة جيدة، ولم تظهر عليه أية بوادر لمرض واضح، وبالنسبة إلى أية أسرة يكاد يكون استيعاب هذا الفقد أمراً في غاية الصعوبة، فكيف يمكن لشخص أن يفارق الحياة إثر حالة قلبية بينما قد لا يكشف تشريح الجثة عن أي خلل في قلبه؟
وتبدأ الإجابة بحقيقة يسهل نسيانها، وهي أن القلب ليس مجرد مضخة، بل هو عضو كهربائي أيضاً. فكل نبضة تنطلق بإشارة تسري عبر القلب وفق تسلسل دقيق، لتخبر كل حجرة بموعد انقباضها. وفي متلازمة الموت المفاجئ، يكمن الخلل غالباً في ذلك النظام الكهربائي، وليس في البنية العضوية للقلب.
وإذا اختل استقرار هذه الإشارة، يحدث اضطراب في الإيقاع، وهو ما يعرف باضطراب نظم القلب. وتعد معظم هذه الاضطرابات غير ضارة، إلا أن بعضها الذي ينشأ في الحجرات السفلية للقلب، أي البطينين، قد يكون مميتاً. ففي أثناء الرجفان البطيني، يسود نشاط كهربائي فوضوي، فيرتجف القلب بدلاً من أداء وظيفته في الضخ، وحينها ينقطع وصول الدم عن الدماغ، مما يؤدي إلى فقدان الشخص لوعيه.
ومن دون الإنعاش القلبي الرئوي واستخدام جهاز إزالة الرجفان لتوجيه صدمة كهربائية، قد يفارق المصاب الحياة في غضون دقائق معدودة، وهذا ما يعرف بتوقف القلب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويذكر أن توقف القلب يختلف تماماً عن النوبة القلبية، مع أن المصطلحين يستخدمان أحياناً أحدهما بدلاً من الآخر. فالنوبة القلبية تحدث عندما يؤدي انسداد أحد الشرايين إلى حرمان جزء من عضلة القلب من التروية الدموية، بينما يحدث توقف القلب عندما يتوقف القلب فجأة عن ضخ الدم إلى أنحاء الجسم.
وعلى رغم أن النوبة القلبية قد تتسبب في توقف القلب، إلا أنهما ليسا الحالة ذاتها، ففي متلازمة الموت المفاجئ، غالباً ما ينصب الاشتباه على اضطراب الإيقاع الكهربائي، لا على وجود انسداد.
وهذا الخلل الكهربائي هو تحديداً ما يجعل تقصي متلازمة الموت المفاجئ أمراً بالغ الصعوبة، فبينما يعد تشريح الجثة إجراء فعالاً في اكتشاف المشكلات الهيكلية، كانسداد الشرايين أو تلف العضلات أو تضخم القلب، فإن الاضطراب الكهربائي غالباً ما يتلاشى من دون أن يترك خلفه أي أثر ملموس يمكن الاستدلال به.
فبمجرد وفاة الشخص، يختفي ببساطة ذلك النشاط الذي كان يتحكم في نبضات قلبه، ولذا قد يفحص اختصاصي علم الأمراض قلباً يبدو طبيعياً تماماً، على رغم أنه كان يعاني خللاً قاتلاً قبل دقائق معدودة.
ومتلازمة الموت المفاجئ تعتبر حالة وفاة مباغتة غير مبررة تنجم عن توقف القلب، وتودي بحياة نحو 500 شخص في المملكة المتحدة سنوياً.
وتعزى بعض الحالات إلى اعتلالات وراثية تؤثر على القنوات المجهرية التي تنقل الجزيئات المشحونة كهربائياً إلى داخل خلايا القلب وخارجها، وهي الآلية الكامنة وراء كل نبضة.
وتشمل الحالات المرتبطة بالمتلازمة، متلازمة "كيو تي" الطويلة long QT syndrome ومتلازمة "بروغادا" Brugada syndrome وتسرع القلب البطيني متعدد الأشكال الكاتيكولاميني catecholaminergic polymorphic ventricular tachycardia، وعلى رغم صعوبة نطق هذه الأسماء، إلا أنها تشترك في سمة واحدة، وهي قدرتها على زعزعة استقرار إيقاع القلب من دون ترك أي أثر مادي.
وهنا يبرز دور علم الوراثة، إذ يعجز تشريح الجثة التقليدي، إذ يمكن إخضاع الحمض النووي المحتفظ به بعد أية وفاة غير مبررة لاختبارات دقيقة تبحث عن المتغيرات الجينية المرتبطة بأمراض القلب الوراثية، وهو نهج يطلق عليه أحياناً اسم التشريح الجزيئي، ويكتشف وجود متغير جيني في ما يصل إلى 13 في المئة من هذه الحالات.
ولا تقتصر أهمية اكتشاف السبب على تفسير الوفاة فحسب، بل تمتد إلى حماية أفراد الأسرة الذين تركهم المتوفى وراءه.
أما العلامات التحذيرية، فيسهل إغفالها حتى عند وجودها. فبعض الأشخاص مارسوا الرياضة وعملوا وعاشوا حياة طبيعية تماماً حتى لحظة توقف قلوبهم، بينما عانى آخرون أعراضاً من دون أن يدركوا مغزاها الفعلي، مثل الإغماء غير المبرر، ولا سيما أثناء ممارسة الرياضة، أو الخفقان المتكرر والدوار. وحتى الإغماء الناجم عن اضطراب الإيقاع قد يشخص خطأ على أنه نوبة صرع.
العامل الوراثي
ويحظى التاريخ العائلي بالأهمية ذاتها، فحدوث وفاة مفاجئة وغير مبررة لأحد الوالدين أو الأشقاء أو الأبناء - لا سيما في سن مبكرة - قد يشير إلى حالة وراثية، نظراً إلى أن عدداً من الاضطرابات الكامنة وراء المتلازمة تتوارث في العائلات. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل شخص يعاني الخفقان أو الدوار مصاب بمشكلة خطرة في القلب، فهذه الأعراض شائعة وعادة ما تكون غير ضارة. ولكن الإغماء أثناء ممارسة الرياضة، أو ظهور الأعراض بالتزامن مع وجود تاريخ عائلي لوفاة مفاجئة مبكرة، يظل أمراً يستدعي الفحص الطبي.
ولا تتوقف الاستقصاءات حول حالة وفاة واحدة بالضرورة عند الشخص المتوفى، فنظراً إلى كون عدداً من الحالات المرتبطة بالمتلازمة وراثية، يمكن إخضاع الأقارب المقربين لفحوص في عيادة متخصصة للقلب. وقد تشمل هذه الفحوص تخطيط كهربية القلب (ECG) للتحقق من النشاط الكهربائي للقلب، وإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية للنظر في بنيته، واختبار الجهد، ومراقبة إيقاع القلب، إضافة إلى الاختبارات الجينية في بعض العائلات.
ويؤتي هذا النهج ثماره، فقد كشفت دراسة شملت 304 عائلات متأثرة بالموت القلبي المفاجئ عن وجود مرض قلبي وراثي لدى 47 في المئة من العائلات بصورة عامة، مع حصول 11 في المئة من الأقارب الذين خضعوا للفحص على تشخيص مؤكد. وفي الحالات التي صنفت فيها الوفاة الأصلية تحديداً على أنها ناتجة من المتلازمة، أسفرت الاستقصاءات عن اكتشاف حالة وراثية لدى عائلة واحدة تقريباً من بين كل خمس عائلات.
وفي دراسة أحدث تتبعت 686 قريباً، تبين أن معظم الحالات التي شخصت خلال 10 سنوات من المتابعة، اكتشفت في السنوات الخمس الأولى، وهو ما يعد تذكيراً جلياً بأهمية إجراء الاستقصاءات في الوقت المناسب.
وقد يكون اكتشاف الشخص المعرض للخطر قبل ظهور الأعراض أمراً منقذاً للحياة، ويعتمد مسار العلاج على طبيعة الحالة، وقد يشمل تناول الأدوية، أو تقديم الإرشادات حول ممارسة الرياضة، أو تجنب عقاقير معينة. أما الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، فقد يعرض عليهم زرع جهاز مقوم لنظم القلب ومزيل للرجفان، وهو جهاز يراقب نبضات القلب باستمرار، ويمكنه توجيه صدمة كهربائية لاستعادة الإيقاع الطبيعي عند الضرورة.
وهناك بعض الالتباس حتى في التسمية، فغالباً ما تشير التقارير الإعلامية إلى "متلازمة الموت المفاجئ لدى البالغين"، ولكن في طب القلب، يفضل استخدام مصطلح "متلازمة الموت المفاجئ بسبب اضطراب النظم"، لأنه يصف بدقة ما يشتبه الأطباء في حدوثه، وهو اضطراب مميت في إيقاع القلب من دون وجود سبب عضوي أو دوائي واضح. وفي كلتا الحالتين، لا تعد المتلازمة مجرد تسمية لوفاة يعجز الجميع عن تفسيرها، بل إنها تعكس حدود ما يمكن أن يكشفه لنا تشريح الجثة القياسي عن قلب ربما توقف نظامه الكهربائي عن العمل بصورة طبيعية قبل دقائق معدودة.
وتلك الحدود آخذة في التقلص، إذ إن الجمع بين تشريح الجثث المتخصص والتحليل الجيني وفحص حالة الأقارب الناجين يمكن أن يكشف أحياناً عن الاضطراب الخفي الكامن وراء مثل هذه الوفاة. وعلى رغم أن هذا التوجه لن يعوض الأسرة عن خسارتها، إلا أنه قادر على تغيير ما سيحدث لاحقاً. فاكتشاف سبب وفاة شخص يبدو بصحة جيدة ظاهرياً قد يوضح أن أفراداً آخرين في عائلته يحملون الخطر الخفي ذاته، وذلك في وقت يسمح باتخاذ الإجراء اللازم قبل فوات الأوان.
ديفيد سي. غيز هو محاضر بارز في علم الأمراض الكيماوي بجامعة وستمنستر.
يعاد نشر هذه المقالة من موقع "ذا كونفرسيشن" (The Conversation) بموجب ترخيص "كرييتف كومنز"، رابط المقالة الأصلي.