ملخص
كتبت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنييس كالامار في بيان إن "الأدلة الكثيرة التي جمعت وحللت في تقريرنا لا تترك أي مجال للشك، لقد ارتكبت السلطات الإيرانية جرائم ضد الإنسانية لقمع انتفاضة ’المرأة، والحياة، والحرية‘ عام 2022".
بعد أربعة أعوام من مقتل مهسا أميني، واندلاع احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، لم يعد الملف مقتصراً على السؤال عن عدد المتظاهرين الذين قتلوا في شوارع إيران، أو هوية الوحدات الأمنية التي شاركت في قمعهم، فقد تحولت واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخ إيران الحديث إلى ملف دولي، يتعلق باتهامات بالقتل والتعذيب والاغتصاب والإخفاء القسري والاضطهاد، في وقت لا تزال قضية المساءلة مفتوحة، في ظل غياب تحقيقات قضائية مستقلة داخل إيران.
وتقدم التحقيقات الجديدة لـ "منظمة العفو الدولية"، التي نشرت اليوم الأربعاء، صورة أكثر تفصيلاً عن آلية القمع التي واجه بها النظام الإيراني الانتفاضة التي بدأت في سبتمبر (أيلول) عام 2022، ففي تقرير استقصائي يقع في نحو 1000 صفحة، ويحمل عنوان "مهندسو الفظائع: الجهاز الحكومي المنظم للجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة 'المرأة، الحياة، الحرية' في إيران عام 2022"، حددت المنظمة 87 مسؤولاً وقائداً عسكرياً، ترى أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد تستدعي التحقيق معهم جنائياً في شأن دورهم المحتمل في جرائم ضد الإنسانية، بينهم 10 مسؤولين كبار على المستوى الوطني، و77 مسؤولاً وقائداً على المستويات الإقليمية والمحلية.
كذلك جمعت "المنظمة" معلومات وبيانات عن وفاة 377 متظاهراً وماراً، بينهم 56 طفلاً، خلال الانتفاضة، مؤكدة أن العدد الحقيقي للضحايا يتعذر تحديده، وتستند نتائج التحقيق إلى عمل امتد لأعوام وشمل مقابلات مع 270 شخصاً، بينهم متظاهرون ومعتقلون سابقون وأقارب قتلى ومحتجزين وشهود عيان ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، وصحافيون وعاملون في القطاع الصحي، فضلاً عن تحليل أكثر من 2000 مقطع فيديو ووثائق رسمية مسربة، وأوامر للنيابة العامة وأحكام قضائية وسجلات للطب الشرعي.
مطالبة بالتغيير
ومن بين هؤلاء الضحايا مينو مجيدي (62 سنة) التي قتلت بالرصاص في محافظة كرمانشاه غرب إيران، وقالت ابنتها مهسا بيرايي المقيمة في الخارج، "لقد نزلتْ إلى الشارع للمطالبة بالتغيير، ولتهتف مطالبة بالحرية"، مشيرة إلى أن "العالم يعتقد أن هذه الاحتجاجات كانت تتعلق بحرية المرأة، وصحيح أنها كانت كذلك، لكنها كانت تتعلق أيضاً بحرية الشعب والحق في الحياة".
وتابعت بيرايي "لم يتغير شيء، ولم تتحقق العدالة، فنحن نطالب بالعدالة، لكننا في حاجة إلى المساعدة"، مضيفة "إذا كنت أطالب بالعدالة، فذلك جزئياً من أجل والدتي، لكن أيضاً لمساعدة كثر ممن لا تزال حياتهم في خطر"، مشيرة بذلك إلى عشرات الأشخاص الذين اعتقلوا في يناير (كانون الثاني) الماضي، ويواجهون اليوم، وفق منظمات حقوقية، خطر الإعدام، وختمت "علينا أن نصدح بأسمائهم".
وفاة أشعلت احتجاجات في أنحاء إيران
بدأت شرارة الاحتجاجات مع وفاة الشابة الكردية مهسا أميني (22 سنة) في الـ 16 من سبتمبر 2022، بعد اعتقالها من جانب "شرطة الأخلاق" في طهران، بسبب ما وصفته السلطات بعدم الالتزام بقواعد الحجاب الإلزامي، وسرعان ما تجاوز الغضب قضية الحجاب ليتحول إلى حركة احتجاجية واسعة، رفعت شعار "المرأة، الحياة، الحرية"، وامتدت إلى عشرات المدن والجامعات والمدارس في أنحاء إيران، فخرجت النساء والفتيات إلى مقدم الاحتجاجات، في وقت تحولت إزالة الحجاب في الأماكن العامة لدى عدد كبير من النساء، إلى أحد أبرز أشكال العصيان المدني.
ولاحقاً خلصت "بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق" في شأن إيران، إلى أن أميني تعرضت لعنف جسدي أدى إلى وفاتها أثناء احتجاز "شرطة الأخلاق"، وحمّلت الدولة الإيرانية مسؤولية موتها غير القانوني، وقالت البعثة إن عائلتها لم تحصل على الحقيقة والمساءلة، وإن المعلومات المتعلقة بوفاتها ظلت محجوبة عنها وعن الرأي العام.
ووجدت البعثة أن القوانين والسياسات المتعلقة بالحجاب الإلزامي تميّز بصورة منهجية ضد النساء والفتيات، وتمس حقوقاً تشمل الحرية والأمن الشخصي، وحرية التعبير والحركة والخصوصية والاستقلال الجسدي، فضلاً عن التعليم والعمل والرعاية الصحية، والمشاركة في الحياة العامة.
من هنا اكتسب شعار "المرأة، الحياة، الحرية" دلالة تجاوزت الاحتجاج على الحجاب الإلزامي، إذ فتحت الحركة المجال أمام مطالب أوسع بالحريات الفردية والسياسية، وشاركت فيها شرائح من الطلاب والعمال والشباب وأبناء الشعوب غير الفارسية، والأقليات القومية والدينية.
سلسلة قيادة تمتد من الشارع إلى أعلى السلطة
أحد أبرز ما يميز التحقيق الجديد لـ "منظمة العفو الدولية" هو محاولته إعادة بناء سلسلة القيادة التي أدارت عمليات القمع، بدلاً من حصر المسؤولية في العناصر الذين كانوا موجودين في الشوارع، وتضم قائمة الأشخاص الـ87 الذين حددتهم المنظمة، 62 قائداً أمنياً بينهم 33 قائداً في "الحرس الثوري" و27 قائداً في قوات إنفاذ القانون (الشرطة الإيرانية)، إضافة إلى 25 مسؤولاً في وزارة الداخلية، بينهم محافظون وحكام محليون.
ومن بين الشخصيات التي وردت في التقرير، المرشد الإيراني آنذاك والقائد العام للقوات المسلحة علي خامنئي، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة آنذاك محمد باقري، وقد قتلا في مارس (آذار) 2026 خلال الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران.
كذلك سمّى التقرير وزير الداخلية آنذاك، أحمد وحيدي، الذي أصبح لاحقاً القائد العام لـ "الحرس الثوري"، ونائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية وإنفاذ القانون آنذاك، مجيد مير أحمدي.
وقالت الأمينة العامة لـ "منظمة العفو الدولية"، أنييس كالامار، إن التحقيق يكشف طبقات القيادة والتنسيق التي وقفت، وفق نتائج المنظمة، خلف القمع المميت، مشيرة إلى أن العناصر المنتشرين في الشوارع عملوا ضمن سلسلة قيادة هرمية ومنسقة، ربطتهم بمسؤولين وجهوا العمليات ووفّروا الظروف والإمكانات اللازمة لتنفيذها، وتقول المنظمة إن معظم المسؤولين الذين حددتهم لا يزالون بعيدين من المساءلة، وإن بعضهم لا يزال يشغل مناصب داخل مؤسسات الدولة، في وقت رُقّي آخرون في التسلسل القيادي منذ أحداث عام 2022.
"الحرس الثوري" والشرطة في قلب عمليات القمع
وفقا لـ "منظمة العفو الدولية"، تولت قوتان أمنيتان رئيستان تنفيذ جانب أساس من عمليات القمع المميتة، وهما "الحرس الثوري" وقيادة قوات إنفاذ القانون الإيرانية (الشرطة)، المعروفة اختصاراً بـ "فراجا"، وشملت وحدات الشرطة المشاركة في العمليات "شرطة الوقاية"، بما فيها وحدات الإغاثة، والوحدات الخاصة، فيما ضمت تشكيلات "الحرس الثوري" الفرق العملياتية والوحدات الأمنية في المحافظات، وكتائب مختلفة من قوات "الباسيج"، بينها كتائب "الإمام علي" و"بيت المقدس".
وتقول "المنظمة" إن التصريحات الرسمية والوثائق المسربة التي حللتها تكشف عن سياسة حكومية، انعكست في اجتماعات إستراتيجية وأوامر ملزمة وخطط لنشر القوات وتخصيص الموازنات والأسلحة، والتعليمات المتعلقة بطريقة التعامل مع المحتجين.
وبحسب التحقيق، فقد أطلق عناصر الشرطة و"الحرس الثوري" النار مراراً على الحشود، باستخدام بنادق هجومية عسكرية ومسدسات وبنادق خرطوش محشوة بكُرات معدنية، ولم يقتصر استخدام القوة على التجمعات، إذ وثقت "المنظمة" حالات طاردت فيها القوات الأمنية متظاهرين ومارّة أثناء فرارهم، وأطلقت النار من مسافات قريبة على أشخاص، قالت "المنظمة" إنهم لم يكونوا يشكلون تهديداً وشيكاً.
وتتقاطع هذه النتائج مع ما وثقته منظمات حقوقية أخرى خلال الاحتجاجات، إذ تحققت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من مقاطع مصورة، وأجرت مقابلات مع شهود، ووثقت استخدام أسلحة نارية، بينها بنادق هجومية من طراز كلاشينكوف، ضد متظاهرين في عدد من المدن، فضلاً عن حالات إطلاق نار على أشخاص أثناء فرارهم.
377 وفاة موثقة وأرقام أخرى تصل إلى 551
وثقت "منظمة العفو الدولية" 377 وفاة لمتظاهرين ومارة، بينهم 56 طفلاً، بين سبتمبر 2022 ويناير 2023، وتقول إن 326 من هؤلاء قتلوا على أيدي قوات الأمن، باستخدام الأسلحة النارية أو وسائل قاتلة أخرى، ومعظمهم خلال تفريق الاحتجاجات، أو في مناطق شهدت انتشاراً أمنياً وعسكرياً مرتبطاً بالتظاهرات.
أما الحالات الأخرى فتشمل، وفقاً لـ "المنظمة"، أشخاصاً توفوا أثناء الاحتجاز أو بعد الإفراج عنهم، أو في ظروف مشبوهة، رأت أن هناك مؤشرات على مسؤولية السلطات عنها، ولا تتطابق هذه الحصيلة مع الأرقام التي توصلت إليها جهات دولية أخرى، نتيجة اختلاف منهجيات التوثيق والفترات الزمنية وقواعد البيانات المستخدمة، فبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق استندت إلى رقم وصفته بالموثوق، يبلغ 551 قتيلاً، بينهم ما يصل إلى 49 امرأة و68 طفلاً، وبالتالي فإن الرقمين لا يمثلان حصيلتين متعارضتين بالضرورة، بل نتيجتين لعمليتي توثيق مختلفتين، ولا ينبغي التعامل مع أي منهما بوصفه رقماً نهائياً جامعاً لكل من قُتلوا خلال الاحتجاجات.
في المقابل، تقول "منظمة العفو الدولية" إن السلطات الإيرانية لم تعترف سوى بمقتل 202 شخص خلال الاحتجاجات، ونسبت مقتل كثير من الضحايا إلى جهات غير حكومية، أو إلى من وصفتهم بـ "مثيري الشغب" و"الإرهابيين المسلحين"، وهي روايات تقول "المنظمة" إن الأدلة التي جمعتها تناقضها في حالات عدة.
البلوش والكرد الحصة الأثقل من القمع
يكشف التحقيق عن أن القمع المميت لم يتوزع بالتساوي بين المناطق والمكونات القومية في إيران، فقد تحمل المتظاهرون والمارة من البلوش والكرد حصة كبيرة بصورة غير متناسبة، من عمليات القتل التي وثقتها المنظمة، ومن بين 326 شخصاً تقول "منظمة العفو الدولية" إن قوات الأمن قتلتهم خلال تفريق الاحتجاجات، وفي المناطق التي شهدت انتشاراً أمنياً وعسكرياً، كان 201 من البلوش والكرد، أي نحو 62 في المئة، على رغم أن المنظمة تقدر نسبة البلوش بخمسة في المئة من سكان إيران، والكرد بما بين 10 و15 في المئة.
وفي سيستان وبلوشستان، وثقت "المنظمة" مقتل 106 متظاهرين ومارة من البلوش على أيدي قوات الأمن، بينهم 20 طفلاً، بما يعادل نحو 33 في المئة من الضحايا الـ 326، وحدثت أكثر الوقائع دموية في الـ 30 سبتمبر 2022، عندما أطلقت قوات الأمن النار عقب صلاة الجمعة في زاهدان، ووثقت "منظمة العفو الدولية" مقتل 87 شخصاً ذلك اليوم، في الواقعة التي أصبحت تعرف باسم "الجمعة الدامية".
أما في المناطق الكردية، فوثقت "المنظمة" مقتل 95 متظاهراً وماراً كردياً، بينهم 13 طفلاً، خلال تفريق الاحتجاجات، أو في مناطق شهدت انتشاراً عسكرياً قرب احتجاجات كانت جارية أو انتهت قبل وقت قصير، وذلك في 17 مدينة، بمحافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية، ويشكل هؤلاء نحو 29 في المئة من الحالات الـ 326.
وتقول "المنظمة" إن معظم هؤلاء قتلوا بالرصاص، في وقت توفي آخرون نتيجة الضرب أو إصابتهم بقنابل الغاز المسيل للدموع، أو دهسهم عمداً بمركبات تابعة لقوات الأمن، وخلُصت إلى أن القوات الأمنية في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية استخدمت، بصورة متكررة، بنادق قنص وبنادق حربية ورشاشات خفيفة ومدافع رشاشة ثقيلة مثبتة على مركبات "بيك آب"، وأن أعمال القتل والتعذيب التي استهدفت متظاهرين من البلوش والكرد ارتكبت، وفق تقييمها، بقصد تمييزي على أسس سياسية وإثنية، ووجدت بعثة الأمم المتحدة أن الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي، خلال قمع احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، تقاطع في بعض الحالات مع التمييز على أساس الانتماء القومي والديني.
القمع انتقل من الشوارع إلى مراكز الاحتجاز
لم ينتهِ العنف مع تفريق التظاهرات، فبحسب التحقيقات الحقوقية، انتقل القمع إلى مراكز الاحتجاز والسجون وأجهزة التحقيق، وتقول "منظمة العفو الدولية" إن الانتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهيّنة، بحق آلاف الرجال والنساء والأطفال، إضافة إلى اضطهاد عائلات الضحايا.
وفي تحقيق منفصل نشرته "المنظمة "عام 2023، وثّقت حالات اغتصاب وعنف جنسي ضد 45 ناجياً من الاعتقال، بينهم 26 رجلاً و12 امرأة وسبعة أطفال، وشملت الوقائع التي حققت فيها الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي، وقالت إن الضحايا تعرضوا لهذه الانتهاكات على أيدي عناصر من أجهزة الاستخبارات و"الحرس الثوري" و"الباسيج" وفروع مختلفة من الشرطة.
ولم تعد "المنظمة" هذه الحالات حوادث فردية معزولة، بل قالت إن توثيقها في أكثر من نصف محافظات إيران، إضافة إلى إفادات عن حالات أخرى، يشير إلى نمط أوسع من استخدام العنف الجنسي لترهيب المحتجين ومعاقبتهم، مشيرة إلى أن بعض الضحايا كانوا أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 12 سنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من انتهاكات حقوق الإنسان إلى جرائم ضد الإنسانية
تمثل هذه النقطة التحول الأهم في التقييم القانوني الدولي لما حدث خلال انتفاضة 2022، فقد خلصت "بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق" إلى أن كثيراً من الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في سياق الاحتجاجات، وما أعقبها، ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وحدّدت ضمن هذه الجرائم القتل والسجن والتعذيب والاغتصاب، وغيره من أشكال العنف الجنسي والاضطهاد والإخفاء القسري وأفعالاً لا إنسانية أخرى، وقالت إنها ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي، استهدف النساء والفتيات وغيرهن ممن عبّروا عن دعمهم لحقوق الإنسان، ورأت أن القصد التمييزي المصاحب لبعض هذه الأفعال يرقى إلى جريمة الاضطهاد، على أساس النوع الاجتماعي.
وفي الاتجاه ذاته، خلصت "منظمة العفو الدولية" في تقريرها الجديد إلى أن الانتهاكات التي ارتكبت خلال قمع انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، شملت جرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل والتعذيب والاغتصاب، وغيره من أشكال العنف الجنسي والإخفاء القسري والسجن والاضطهاد على أسس سياسية وجندرية وإثنية ودينية، وهذا التوصيف ينقل القضية من مستوى الحديث عن تجاوزات فردية، ارتكبها عناصر أمن، إلى البحث في وجود هجوم واسع ومنهجي، وفي المسؤولية المحتملة للأشخاص الذين أصدروا الأوامر، أو أداروا المؤسسات والوحدات المشاركة في القمع.
وفي هذا السياق تحديداً، حددت "منظمة العفو الدولية" المسؤولين والقادة الـ87 الذين ترى أن هناك أسباباً معقولة تستدعي التحقيق معهم جنائياً، ولا يعني ورود أسمائهم في تقرير حقوقي صدور أحكام قضائية بإدانتهم، وإنما يعني أن "المنظمة" ترى أن الأدلة التي جمعتها توجب فتح تحقيقات جنائية مستقلة، في أدوارهم المحتملة.
الإعدام امتداد لسياسة الردع
رافق القمع الميداني مسار قضائي، اُستخدمت فيه اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام، مثل "المحاربة" و"الإفساد في الأرض"، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كانت "هيومن رايتس ووتش" قد أفادت بإعدام شخصين على صلة بالاحتجاجات، وصدور 11 حكماً آخر بالإعدام من محاكم الدرجة الأولى، في وقت قدرت منظمات حقوقية عدد المعتقلين بأكثر من 18 ألف شخص، ولم ينتهِ هذا المسار بانحسار احتجاجات الشوارع، فبحسب أحدث حصيلة أوردتها "منظمة العفو الدولية"، أعدمت السلطات 11 شخصاً على خلفية احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" حتى مطلع عام 2026، بعد محاكمات وصفتها المنظمة بأنها بالغة الجور، فيما ظل آخرون تحت طائلة أحكام الإعدام، وترى "المنظمة" أن استخدام عقوبة الإعدام ضد المحتجين والمعارضين اتسع منذ انتفاضة عام 2022، باعتباره وسيلة لبث الخوف وردع أية تعبئة احتجاجية جديدة.
منظومة الإفلات من العقاب
لا يحصر تقرير "منظمة العفو الدولية" المشكلة في سلوك الأجهزة الأمنية، بل يربط استمرار الانتهاكات ببنية قانونية وقضائية، تقول "المنظمة" إنها تحول دون إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين، فالمرشد الإيراني هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعيّن رئيس السلطة القضائية الذي يتولى بدوره تعيين عدد من كبار المسؤولين القضائيين، وتقول "المنظمة" إن الانتهاكات التي يرتكبها أفراد القوات الأمنية قد تنظر فيها النيابات والمحاكم العسكرية، التي تعتمد في كثير من الحالات على روايات الأجهزة الأمنية نفسها.
كذلك انتقدت المنظمة "قانون استخدام الأسلحة" من جانب القوات الأمنية والشرطية، قائلة إنه يتيح استخدام الأسلحة النارية في ظروف تتجاوز الحدود التي يسمح بها القانون الدولي، الذي يقصر استخدام القوة المميتة على الحالات التي يكون فيها ذلك ضرورياً لمواجهة تهديد وشيك بالموت أو الإصابة الخطرة، وبعد أربعة أعوام من الانتفاضة، تقول "منظمة العفو الدولية" إنها لم ترَ تحقيقات جنائية فعالة ومحايدة ومستقلة في الجرائم التي وثقتها، وتوصّلت "بعثة الأمم المتحدة" إلى نتيجة مماثلة، وقالت إنها لم تجد تحقيقات داخلية ذات معنى وفاعلية، تستهدف كبار المسؤولين عن الانتهاكات المرتبطة بحركة "المرأة، الحياة، الحرية"، ورأت أن التحقيقات التي أعلنتها السلطات الإيرانية لم تستوفِ المعايير الدولية، ولم تضمن للضحايا حقوقهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
من طهران إلى مطلب العدالة الدولية
لهذا السبب، انتقل محور الملف تدريجاً من توثيق الانتهاكات إلى البحث عن آليات للمحاسبة خارج إيران، وتطالب "منظمة العفو الدولية" الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية، تتولى العمل على مساءلة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية، ومنع تكرار الانتهاكات، وتدعو، في ظل الجمود السياسي داخل مجلس الأمن، الدول إلى الضغط من أجل إحالة الوضع في إيران إلى مكتب المدعي العام لـ "المحكمة الجنائية الدولية."
وطالبت "المنظمة" كذلك سلطات الادعاء في دول العالم بفتح تحقيقات جنائية مع المسؤولين الإيرانيين، المشتبه في مسؤوليتهم عن جرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، أو غيره من أشكال الولاية القضائية خارج الحدود، وإصدار مذكرات توقيف عندما تتوافر الأدلة القانونية الكافية، وتقول "منظمة العفو الدولية" إنها أرسلت إلى المرشد الإيراني وكبار المسؤولين الأمنيين نتائج تحقيقاتها، وطلبت منهم إبلاغ المسؤولين الـ 87 الذين حددهم التقرير، وإتاحة الفرصة لهم للرد على ما ورد في شأنهم.
وبالنسبة إلى "المنظمة" فإن أهمية المساءلة تتجاوز أحداث عام 2022، فهي تربط بين استمرار الإفلات من العقاب وبين تكرار دورات القمع خلال موجات الاحتجاج اللاحقة، وترى أن بقاء المسؤولين عن الانتهاكات السابقة خارج نطاق المحاسبة، يتيح استمرار الجهاز نفسه في استخدام القوة ضد الاحتجاجات الجديدة، وبذلك فإن القضية بعد أربعة أعوام لم تعد تتعلق فقط بما حدث في شوارع طهران وسقز وزاهدان وسنندج وعشرات المدن الأخرى خلال خريف عام 2022، وقد بقيت آثار الانتفاضة حاضرة في ملف الحجاب الإلزامي، وفي أحكام السجن والإعدام، وفي عائلات لا تزال تطالب بالحقيقة والمساءلة، وفي نساء وطلاب وناشطين، دفعوا أثماناً مختلفة لمشاركتهم في الاحتجاجات.
أما شعار "المرأة، الحياة، الحرية" الذي انطلق في أعقاب مقتل مهسا أميني، فقد تجاوز اللحظة التي ولد فيها، وأصبح عنواناً لمرحلة سياسية واجتماعية أوسع في إيران، وفي المقابل انتقل القمع الذي واجهت به السلطات تلك الحركة، من الشوارع ومراكز الاحتجاز، إلى ملف حقوقي وقانوني دولي لا يزال مفتوحاً، مع استمرار المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي وثقتها المنظمات الدولية.