ملخص
أصبحت الحرب الاقتصادية في المنطقة تتحدد بقدرة دول المنطقة على نقل صادراتها براً، بدلاً من المرور عبر مضيق هرمز. ولجأت بعض الدول إلى حلول بديلة، إذ تنقل السعودية نفطها عن طريق خط شرق - غرب عبر شبه الجزيرة العربية، بينما تساعد البحرية الأميركية بعض دول الخليج في نقل نفطها عبر المضيق.
بعد مرور أكثر من ستة أسابيع على الحرب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، فرض حصار بحري على مضيق هرمز، في محاولة لاستخدام السلاح نفسه الذي وظفه النظام الإيراني للضغط على الولايات المتحدة والعالم لإنهاء الحرب وبعد فشل المحادثات في شأن التوصل لاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني.
وعلى مدار الأشهر الماضية ووسط هجمات متبادلة بين واشنطن وطهران مسرحها مضيق هرمز واستمرار حصار الموانئ الإيرانية من البحرية الأميركية، اتجهت إيران إلى البحث عن سبل أخرى لحركة التجارة، إذ فتحت باكستان ستة مسارات برية للعبور لتمكين البضائع القادمة من دول أخرى من الوصول إلى إيران، مما أوجد ممراً برياً جديداً، واعتبرت طهران أن تعزيز حركة التجارة البرية سيكون رداً قوياً على الحصار الأميركي.
وارتفعت عمليات النقل العابر عبر بحر قزوين بنسبة 70 في المئة خلال الأشهر الخمسة الماضية، وفقاً لتصريحات رسمية. وفي أواخر شهر أغسطس (آب)، قال هادي حقشناس، محافظ مقاطعة جيلان الإيرانية المطلة على بحر قزوين، لوكالة الأنباء الرسمية (إيرنا): "نحن نحاول تحويل هذا التهديد إلى فرصة"، وأفادت صحيفة "طهران تايمز" التابعة للدولة، بزيادة وتيرة رحلات قطار الشحن الرابط بين طهران ومدينة شيان في شرق الصين من رحلة واحدة أسبوعياً، لتصبح رحلة كل ثلاثة أو أربعة أيام منذ بدء الحصار.
فشل الطرق البديلة
ومع ذلك فإن الواقع على الأرض لا يسير وفقاً للخطة، فوفق صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، يعلق حالياً مئات السائقين الإيرانيين بشاحناتهم عند الحدود الإيرانية - الباكستانية، عاجزين عن إدخال بضائعهم إلى الدولة المجاورة. ويشير السائقون إلى مواجهتهم عقبات بيروقراطية وتكاليف متزايدة، يعود كثير منها لإجراءات حكومتهم نفسها. ويتكرر المشهد ذاته عند الحدود البرية لإيران مع كل من تركيا وتركمانستان وأفغانستان، مما يوجه لطهران ضربة ذاتية ويخنق حركة التجارة عبر ما تبقى لها من منافذ اقتصادية محدودة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد تلفت أطنان من الأغذية العالقة بسبب التأخير، كما توقفت شحنات مربحة من خام الحديد والأسمنت والغاز المعبأ عند نقاط الدخول الحدودية مع باكستان وأفغانستان، وفقاً لما ذكره سائقو الشاحنات. ويقول أحد السائقين في مقطع فيديو نشره "اتحاد منظمات سائقي الشاحنات والمركبات في إيران"، خلال عطلة نهاية الأسبوع، "لا إيران تتحمل مسؤولية الوضع، ولا باكستان تسمح لنا بتفريغ حمولتنا".
وأصبحت الحرب الاقتصادية في المنطقة تتحدد بقدرة دول المنطقة على نقل صادراتها براً بدلاً من المرور عبر مضيق هرمز، ولجأت بعض الدول إلى حلول بديلة، إذ تنقل السعودية نفطها عن طريق خط شرق - غرب عبر شبه الجزيرة العربية، بينما تساعد البحرية الأميركية بعض دول الخليج في نقل نفطها عبر المضيق.
ووفقاً للمركز الإيراني للإحصاء، ارتفع تضخم أسعار المستهلكين بنسبة تقارب 90 في المئة على أساس سنوي، وتفاقم بشدة نتيجة تشديد العقوبات والحصار البحري الأميركي، الذي حرم إيران في الفترة الأخيرة من تصدير أية كميات كبيرة من النفط الخام عبر مضيق هرمز. وارتفع التضخم في أسعار المواد الغذائية وبلغ 130 في المئة تقريباً، مما جعل الخبز والحليب والسلع الأساسية الأخرى غير ميسورة الكلفة بالنسبة إلى كثر.
ودعا الزعيم الأعلى آية الله مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ إصابته في الهجوم الذي وقع في الـ28 من فبراير (شباط) في بداية الحرب وأودى بحياة والده الزعيم الأعلى السابق علي خامنئي، الحكومة إلى التعامل مع التحديات الاقتصادية. وقال بيان مكتوب نسب إلى خامنئي الشهر الماضي، "ثمة حاجة إلى التعامل مع سلسلة التحديات الاقتصادية والمتعلقة بمعيشة الناس بجدية، مثل التضخم والبطالة وإدارة الأسعار وسوق السلع والخدمات".
العقوبات والحصار يفاقمان الأزمة
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لوسائل الإعلام الحكومية إن الصادرات والواردات الإيرانية تراجعت بنسبة تقارب 35 في المئة، بسبب العقوبات الأميركية والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
كما ألحق الحصار الأميركي الضرر بواردات إيران من السلع الأساسية، التي تمر عادة بنسبة 70 في المئة منها عبر الموانئ الخاضعة للحصار، وعلى رغم أن السلع الإنسانية والمواد الغذائية معفاة ظاهرياً من هذه القيود، إلا أن الواقع يشير إلى عزوف شركات الشحن عن تقديم خدماتها لإيران. تظهر مقاطع فيديو نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي رافعات متوقفة عن العمل في ميناء "الشهيد رجائي"، وهو أكبر ميناء تجاري للحاويات في إيران. وقد صرح متخصصون في مجال النقل في طهران الشهر الماضي لوكالة أنباء "مهر" التابعة للأجهزة الأمنية الإيرانية، بأن آلاف الحاويات عالقة في موانئ باكستان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
كما أغلق العراق موقتاً محطات الشحن عند الحدود مع إيران نهاية الأسبوع الماضي، وذلك بعد مزاعم بأن إيران استخدمت أراضيه لشن هجوم على السعودية، ونتيجة لذلك اضطرت شاحنات محملة بالبصل الإيراني ومتجهة إلى العراق للعودة أدراجها يوم الأحد، وفقاً لما ذكره "سوق طهران المركزي للفواكه والخضراوات".
وفي انتكاسة أخرى لخطط إيران الرامية إلى تجاوز مضيق هرمز، أعلنت شركة "ماهان إير" الإيرانية، الخاضعة للعقوبات الأميركية يوم الأربعاء تعليق رحلاتها إلى سلطنة عمان وتركيا، وذلك بحسب وسائل إعلام تابعة للدولة في طهران. وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على شركات اتهمتها بدعم "ماهان إير"، التي تقدم خدمات نقل البضائع والركاب.
وتقول "وول ستريت جورنال" إن التكاليف المتزايدة تفاقم مشكلة التضخم المتفاقمة أصلاً في إيران، وقال محمد رضا خدا رحم، وهو خبير في قطاع الاستيراد، لصحيفة "دنياي اقتصاد" الإيرانية اليومية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية الأسبوع الماضي، بأن الاختناقات وعمليات تغيير المسار في النقل البري تسهم حالياً بزيادة بما يصل إلى ثلث سعر السلع الشائعة عند وصولها إلى طهران. وكان مجيد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، قد توقع في وقت سابق أن يؤدي الحصار البحري الأميركي إلى تكاليف إضافية تبلغ 18 مليار دولار سنوياً. وفي حديثه لموقع "خبر أونلاين" ، أشار حريري إلى أن كلفة نقل حاوية واحدة من الصين إلى إيران تبلغ 12 ألف دولار عبر الطرق البرية، مقارنة بـ3 آلاف دولار فقط عبر الطرق البحرية.