ملخص
يعيش المجتمع الإيراني تحت وطأة ضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة، خلفت قلقاً مزمناً وإنهاكاً نفسياً وشعوراً متزايداً بانعدام الأمان، ولا سيما بين الأسر التي تخشى على أبنائها من الاعتقال أو القتل أو الإعدام.
حوّل النظام الإيراني الحياة في إيران إلى أشغال شاقة، إذ يتدخل حتى في أبسط تفاصيل حياة الناس اليومية. تخرج من المنزل للتسوق، فتواجه الغلاء والتضخم. تريد إرسال رسالة عبر "واتساب" أو الاطلاع على بعض المنشورات في "إنستغرام"، فتجد حاجز الحجب أمامك، وإذا اضطررت إلى مراجعة طبيب أو مركز علاجي، فقد تصبح مشكلات العلاج أحياناً أشد وطأة من المرض نفسه، حتى إنك لا تملك الحق في ارتداء الملابس التي تحبها.
وقد تخرج لإجراء عملية شراء بسيطة من أول الشارع، فيعترض طريقك أحد عناصر "الباسيج" ويفتش هاتفك بما يحتويه من خصوصيات، فهل يمكن العيش بهدوء في ظل ظروف كهذه؟ الناس غاضبون بشدة، وحزينون، ويعانون إنهاكاً نفسياً، ولعل الأمل في تغير الأوضاع هو الشيء الوحيد الذي لا يزال يبقيهم صامدين.
هذه شهادة أحد سكان شرق طهران، الذي أكد أن "مجمل الضغوط والمشكلات والمتاعب التي يفرضها النظام على الناس وضعت المجتمع في حال قلق وإنهاك نفسي وغضب، إلى درجة أنك أينما نظرت، بين كبار السن والشباب وحتى الأطفال، لا تجد أحداً في حال جيدة، وقد أصبحت هذه الأوضاع أكثر وضوحاً بصورة متزايدة بعد مجزرة يناير (كانون الثاني) الماضي".
الصدمة النفسية الجماعية
وفي وصفه للحالة النفسية للمجتمع الإيراني في الظروف الراهنة، يقول اختصاصي في علم النفس يقيم في طهران، "ما أراه من حولي وبين مراجعي هو نوع من الصدمة النفسية الجماعية والمتراكمة. بمعنى أن المجتمع مر، بصورة متسلسلة، بصدمات متلاحقة، بدءاً بالغلاء والفقر، مروراً بمجزرة يناير، ثم الإعدامات والقمع، وأصبح المجتمع يعاني صدمة نفسية شديدة (Traumatized) أي إن الفرد أو المجتمع تعرض لأذى نفسي أو عاطفي عميق وشديد".
وبحسب هذا الاختصاصي فإن "الضغوط المستمرة والتجارب المتعاقبة التي تزعزع الشعور بالأمان لا تمنح الأفراد فرصة للتعافي والعودة إلى أوضاعهم الطبيعية". ويقول إن كثيرين من مراجعيه يعانون إنهاكاً شديداً، وقلقاً مزمناً، واضطرابات في النوم، وتراجعاً في القدرة على التركيز، وشعوراً مفرطاً بالعجز، وإن "عدم القدرة على التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع يجعل أذهان كثيرين وأجسادهم في حال تأهب دائم".
وعلى رغم الحالة النفسية المقلقة التي يعانيها كثير من الناس، فإن كلف العلاج النفسي مرتفعة إلى درجة أن كثيرين لا يدرجونها أصلاً ضمن نفقاتهم. ويقول الاختصاصي إنه يعرف أشخاصاً لا يملكون حتى ثمن شريط واحد من الدواء، في حين أن كثيرين من مراجعيه، وبسبب شدة القلق واضطراب قدرتهم على أداء مهامهم اليومية، لا يجدون بديلاً عن استخدام الأدوية.
وقد وضعت هذه الأوضاع حتى المعالجين أنفسهم أمام أزمة، ويقول المتحدث نفسه "نحن أنفسنا، وكثير من زملائنا، وصلنا أيضاً إلى مرحلة من العجز والإنهاك النفسي، فالمعالج ليس خارج هذا المجتمع. هو أيضاً يعيش حالات انعدام الأمان نفسها، ويقلق على أسرته، ويعيش تحت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ذاتها، ويشعر بالعجز حين يرى أن قدرته على مساعدة الآخرين تواجه قيوداً كبيرة".
وفي معرض حديثه عن آثار مجزرة يناير وانعكاساتها على أذهان الناس وحياتهم، يقول الاختصاصي النفسي "منذ بضعة أشهر أرى بوضوح أن الخوف من الفقد وقلق الانتظار ازدادا بشدة بين الأسر، ولا سيما تلك التي لديها بنات أو أبناء في سن الشباب، إذ تعيش هذه الأسر حالاً من القلق الشديد".
ويضيف أن من بين مراجعيه آباء وأمهات يقولون إنه عندما يتأخر أبناؤهم وبناتهم في العودة إلى المنزل، يتبادر إلى أذهانهم تلقائياً أنهم ربما اعتقلوا أو تعرضوا لمكروه، وأن هذا القلق المستمر بات يعطل حياتهم.
ويرى أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى سرعة الاستثارة والسلوك العدواني والانسحاب الاجتماعي والإنهاك النفسي الشديد، مضيفاً أن "المجتمع مصاب بصدمة نفسية، لكنه لم يخرج بعد من الظروف المسببة لهذه الصدمة حتى تبدأ عملية التعافي".
في السابق، كان قلق الأسر يتمحور حول كيفية تأمين ثمن الملابس والطعام أو حاجات أبنائها، لكن كثيرين تجاوزوا الآن تلك المرحلة. لم يعد القلق فقط من عدم القدرة على شراء الملابس للأطفال، بل أصبح هناك خشية من فقد الأحباء في أية لحظة، في ظل وجود النظام الإيراني.
قلق الآباء والأمهات
وفي تحليله لطبيعة القلق الذي يعانيه الآباء والأمهات هذه الأيام، يقول اختصاصي علم النفس المقيم في طهران، إن هذه الحالة لا تقتصر على القلق المعتاد للوالدين على أبنائهما، بل تشبه نمطاً من القلق الاستباقي.
وفي هذه الحال يرى الشخص احتمال وقوع كارثة وشيكاً حتى قبل حدوث أي واقعة، ويعيد ذهنه باستمرار بناء سيناريوهات تنطوي على تهديد. فتأخر بسيط، أو عدم الرد على الهاتف، أو سماع صوت إطلاق نار أو سيارة إسعاف، يمكن أن يتحول إلى محفز يعيد إلى الذهن، بصورة لا إرادية، مشاهد اعتقال الشباب أو مقتلهم أو إعدامهم، وتبقي هذه الأفكار المزعجة الجهاز العصبي في حال تأهب، حتى عندما لا توجد أية مؤشرات واضحة إلى خطر محدق.
وبحسب هذا الاختصاصي، ففي مجتمع تتكرر فيه باستمرار أخبار اعتقال الشباب أو مقتلهم أو صدور أحكام بالإعدام في حقهم، تتلاشى أيضاً الحدود بين الخوف غير الواقعي والشعور بالخطر المستند إلى التجربة، إذ يستند ذهن الأب والأم إلى نماذج سبق أن شاهداها في المجتمع ويسقطانها على حياة أبنائهما، ولهذا، لا يمكن اعتبار هذه الحال مجرد وسواس فكري أو رد فعل فردي، بل قد تكون نتيجة التعرض الطويل لانعدام الأمن والأخبار العنيفة وتجارب الفقد التي لا تزال حية في الذاكرة الجمعية للمجتمع.
ويقول "يؤدي استمرار هذه الحال إلى فرط التأهب، إذ يراقب الشخص باستمرار هاتفه المحمول والساعة والأخبار وتحركات أحبائه، ولا يشعر بالأمان حتى داخل المنزل. ويتفاعل الجسد أيضاً مع هذه الحال، وقد يكون خفقان القلب والأرق وتشنج العضلات واضطراب التركيز وسرعة الاستثارة ونوبات القلق من بين تداعياتها المحتملة. وفي مثل هذه الظروف، وبدلاً من أن يخصص الجهاز النفسي طاقته للحياة اليومية والعلاقات العاطفية والتخطيط للمستقبل، ينفق الجزء الأكبر منها في رصد خطر قد يظهر في أية لحظة ومحاولة دفعه".
ويضيف الاختصاصي النفسي أن "تداعيات هذا القلق لا تقتصر على الأم وحدها، فالمراقبة المستمرة للاتصالات والتحركات، والإصرار على بقاء الابن أو الابنة في المنزل، والتحذيرات المتكررة، قد تمتد آثارها إلى علاقة الوالدين بأبنائهما، فالأم، وسعياً منها إلى حماية حياة ابنها أو ابنتها، قد تقيد من دون قصد حريته واستقلاله، فيما قد يجد الابن نفسه عالقاً بين الشعور بالمسؤولية تجاه قلق أسرته والرغبة في مواصلة حياته الاجتماعية، وهكذا يتسلل القمع السياسي، حتى من دون حضور مباشر لعناصر الأمن داخل المنزل، إلى أكثر العلاقات الأسرية خصوصية، ويحول الخوف إلى أحد العناصر الدائمة في الحياة اليومية".
الضغط النفسي الناجم عن اختلال التوازن بين الدخل والنفقات
ويصف رجل من سكان مشهد المجتمع الإيراني اليوم بأنه "عالق في مزيج من اليأس وانعدام الأمن والعجز، مجتمع لا يثق مطلقاً بالمسؤولين الحكوميين، ويدفعه التفاوت المتزايد بين الدخل وكلف المعيشة، يوماً بعد آخر، إلى مزيد من العزلة"، ويقول "لم يعد لدى الناس حتى طاقة للشجار أو الغضب. ربما كانت الضغوط في السابق تؤدي إلى العصبية والمشاجرات، لكن الناس الآن، بالمعنى الحقيقي للكلمة، منكفئون على أنفسهم. في الشارع ومكان العمل ووسائل النقل العام ترى الناس صامتين، وكل شخص غارق في أفكاره، وكأن المجتمع تجاوز حتى مرحلة الغضب ووصل إلى العجز".
وبحسب هذا الرجل، فإن "اختلال التوازن بين الدخل والنفقات والعجز عن تأمين أبسط متطلبات الحياة استنزفا القدرة النفسية للناس"، وأضاف "يحسب الناس كل يوم ما الذي يتعين عليهم حذفه من حياتهم، ومع ذلك لا تزال مداخيلهم لا تكفي نفقاتهم. ليست لديهم خطط للمستقبل، لأنهم لا يعرفون حتى ما الذي سيحدث الأسبوع أو الشهر المقبل، وكأن الجميع انكفأوا إلى داخل أنفسهم، ولا يفعلون سوى التطلع إلى غد قد تتغير فيه الأوضاع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإلى جانب العزلة والإنهاك، تظهر في المجتمع مؤشرات إلى نوع من التضامن الخفي، تضامن قد يدفع، حتى في لحظة مواجهة عناصر النظام، بالخلافات الشخصية إلى الهامش.
ولشرح هذه الحال يروي شاب من سكان طهران واقعة شجار في الشارع بين أحد أصدقائه وشاب آخر في مثل سنه "كان صديقي يتشاجر في الشارع مع شاب لا يعرفه إطلاقاً، وعندما اقترب عدد من عناصر ’الباسيج‘ لمعرفة ما يحدث، توقف الاثنان فجأة عن الشجار وقالا معاً لعناصر ’الباسيج‘: الأمر لا يعنيكم، وكأنهما نسيا في لحظة أنهما كانا، قبل ثوان فحسب، في مواجهة، ووقفا جنباً إلى جنب في وجههم".
ويقول إن ما حدث كان غريباً إلى درجة أنه وأصدقاءه ظلوا يتحدثون عنه مدة طويلة "المسألة لم تكن أن الاثنين تصالحا، وعلى الأرجح لو لم يأت عناصر ’الباسيج‘، لاستمر شجارهما. لكن وجود عناصر النظام ذكّرهما بأن الخلاف الأساس في مكان آخر. ربما كانت بينهما مشكلة، لكن أياً منهما لم يكن يريد السماح لعناصر ’الباسيج‘ بالتدخل".
ويرى هذا الشاب أن رد الفعل هذا يظهر أن المجتمع، على رغم الخلافات الفردية والضغوط الاقتصادية والإنهاك النفسي، توصل إلى نوع من الإدراك الجمعي في تحديد "العدو المشترك"، "قد يختلف الناس بعضهم مع بعض في الشارع أو مكان العمل أو حتى داخل الأسرة، لكن عندما يتعلق الأمر بالنظام وقوات القمع، تتغير فجأة الحدود بين من يعد منا ومن يعد غريباً، فقد يقف شخصان لا يعرف أحدهما الآخر جنباً إلى جنب في مواجهة عناصر النظام".
وفي تحليله لرواية هذا الشاب، يقول الاختصاصي النفسي المقيم في طهران "تكشف هذه الرواية وجهاً آخر من الوضع المعقد للمجتمع الإيراني، مجتمع يبدو أفراده في الظاهر متفرقين وصامتين ومنشغلين بمشكلاتهم الفردية، لكنهم سرعان ما يتكاتفون عند مواجهة عدو جماعي".
وبحسب الاختصاصي، فإن "هذا التضامن ليس بالضرورة منظماً أو معلناً، بل هو أقرب إلى توافق غير مكتوب تشكل على أساس التجربة المشتركة مع التدخل والقمع، ويظهر في مواقف غير متوقعة. وفي مثل هذه الظروف، قد تضع حالات الغضب اليومية الناس في مواجهة بعضهم بعضاً، لكن حضور ممثلي النظام يمكن أن يذكر هؤلاء الأشخاص أنفسهم بالمصدر الأكبر لاستيائهم، ويدفع بالخلاف الشخصي إلى الهامش".
واستناداً إلى تجاربه الحياتية مع واقع إيران اليوم، يقول إنه يرى بوضوح داخل المجتمع أن الناس يمنح بعضهم بعضاً الأمل بأن الأيام الصعبة تقترب من نهايتها، وأن تغييراً كبيراً بات قريباً، وهذا الشعور بالأمل هو ما عزز قدرة المجتمع على الصمود.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"