ملخص
تحدث عبدالعاطي حول مسألة الترتيبات الأمنية في المنطقة، مؤكداً أهمية تعزيز القدرة الجماعية على حماية الأمن القومي العربي، والالتزام بمبادئ واضحة، في مقدمها احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي، والامتناع عن أي إجراءات من شأنها تصعيد التوتر أو تهديد أمن واستقرار المنطقة.
جدد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي رفض بلاده التام لأي إجراءات أحادية تتخذها إثيوبيا في شأن نهر النيل، معتبراً أن أزمة المياه المتصاعدة مع أديس أبابا تعد مسألة "حياة أو موت" بالنسبة إلى القاهرة وأنه لا يمكن التهاون معها.
وجاءت تصريحات عبدالعاطي خلال جلسة إحاطة موسعة مع وسائل الإعلام الأجنبية في مصر، حضرتها "اندبندنت عربية"، أمس بمقر وزارة الخارجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، استعرض خلالها مستجدات الموقف المصري إزاء التطورات في فلسطين وإيران ولبنان والسودان وسوريا والأمن المائي، والجهود المصرية لاحتواء الأزمات ودعم الأمن والاستقرار الإقليميين، فضلاً عن رؤيتها لترتيبات أمنية إقليمية تقوم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي.
ملتزمون بالدفاع عن مصالحنا المائية
خلال حديثه لوسائل الإعلام، قال الوزير عبدالعاطي إن مسألة المياه هي "قضية وجودية، وتعد (حياة أو موت) بالنسبة إلى مصر"، معتبراً أن سد النهضة الذي بنته أديس أبابا على النيل الأزرق "مخالف للقانون الدولي، ولم يتم التعاون مع دولتي المصب مصر والسودان في شأن بحث تأثيراته".
وجدد عبدالعاطي رفض بلاده إقامة سدود جديدة على نهر النيل، مشدداً على رفض مصري لأي إجراءات أحادية، كذلك أكد أن "مصر تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن النفس لحماية أمنها المائي".
ودعا عبدالعاطي إلى ضرورة تطبيق القانون الدولي والاتفاقات الدولية ذات الصلة في شأن الأنهار العابرة للحدود، موضحاً أن "إثيوبيا تحصل على أكثر من 900 مليار متر مكعب من كمية مياه النهر، بينما لا تحصل مصر والسودان إلا على نحو ثلاثة في المئة بما قيمته نحو 84 ميار متر مكعب من المياه".
ورداً على سؤال لـ"اندبندنت عربية"، حول خيارات القاهرة للتعاطي مع تصاعد الأزمة مع أديس أبابا، قال عبدالعاطي إن قضية المياه "وجودية" بالنسبة إلى مصر، وإن بلاده تحتفظ بجميع الوسائل للدفاع عن حقوقها المائية التي لا يمكن التهاون معها، موضحاً أن "نهر النيل يعد المصدر الوحيد للحياة بالنسبة إلى نحو 120 مليون مصري".
وتابع عبدالعاطي أن حصة مصر المائية البالغة نحو 55 مليار متر مكعب من المياه لا تكفي الحاجات المائية لبلاده، موضحاً أن حصة الفرد في مصر وصلت إلى حدود 450 متر مكعب سنوياً وهو أقل بكثير من نصف المعدل العالمي البالغ نحو 1000 متر مكعب، مشيراً إلى أن حجم المياه المستخدم في مصر حالياً بلغ ما بين 95 و96 مليار متر مكعب وذلك بفضل عملية إعادة تدوير المياه لأربع مرات، على حد وصفه.
وقال عبدالعاطي إن السياسة الخارجية المصرية في دول حوض النيل تتأسس على التعاون والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، مشدداً على أن الحفاظ على الأمن المائي المصري لا يتعارض مع تطلعات الأشقاء إلى التنمية، وأن نهر النيل يتعين إدارته وفقاً للقانون الدولي، لا سيما عدم الإضرار والتعاون والتوافق، مؤكداً الرفض التام للإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، ومبرزاً أن مصر ستتخذ جميع التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوقها ومقدرات شعبها الوجودية.
وتوقفت مفاوضات سد النهضة بين القاهرة وأديس أبابا بعد نحو عقد من التفاوض، وأعلنت مصر عام 2024 وصول المفاوضات إلى "طريق مسدود"، مشيرة إلى أن "غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي"، هو ما تسبب في توقف المفاوضات، في المقابل تقول إثيوبيا إن مصر "تتمسك بمطالب تجاوزها الزمن، وإنها تسعى إلى تحقيق التنمية".
وعقب افتتاح الحكومة الإثيوبية رسمياً السد في سبتمبر (أيلول) 2025، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيه أنها "لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل".
ورداً على سؤال آخر لـ"اندبندنت عربية" حول ما إذا كان يمكن حلحلة أزمة سد النهضة مع إثيوبيا، من خلال دعم القاهرة للأخيرة في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، وهو ما تراه أديس أبابا "استراتيجياً بالنسبة إليها"، أوضح عبدالعاطي أن مسألة النفاذ البحري الذي تريده إثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي "تنتهك القانون الدولي وسيادة الدول المطلة على البحر الأحمر"، مفرقاً بين ما اعتبره "إمكان النفاذ التجاري عبر البحر الأحمر، ورفض النفاذ العسكري".
وتابع عبدالعاطي "هناك دول ذات سيادة لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا ستكون فوضى، بخاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة"، مشدداً على رفض مصر القاطع التساهل في هذا الأمر لتبعاته السلبية على المنطقة وعليها، قائلاً إن هناك نحو 14 دولة حبيسة، وإذا حاولت كل منها أن يكون لها نفوذ عسكري على موانئ سيخلق ذلك "فوضى" في المنطقة.
وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي.
استقرار ووحدة السودان "خط أحمر"
وفي شأن الأزمة السودانية قال عبدالعاطي إن وحدة وسلامة السودان، الذي يشهد مواجهات من ميليشيات "الدعم السريع" "خط أحمر وأولوية قصوى بالنسبة إلى مصر"، مشيراً إلى أنه تواصل مع مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ودول الجوار مرات عدة لوقف التصعيد.
وحذر عبدالعاطي من استمرار تدفق الأسلحة للميليشيات في السودان، مشدداً على أنه لا يمكن أن نقارن الجيش السوداني بالميليشيات، معتبراً أن بلاده ترفض بصورة قاطعة وجود أي كيانات موازية للدولة السودانية، وتؤكد ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان وسلامة أراضيه.
ومضى عبدالعاطي في حديثه قائلاً إن بلاده ترى أن "الجيش السوداني والمؤسسات الوطنية لا يمكن وضعها على قدم المساواة مع أي تشكيلات مسلحة أو كيانات غير شرعية"، مشيراً إلى تحرك القاهرة المكثف على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية، بهدف الدفع "بإنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة الشعب السوداني، في ظل ما خلفته المواجهات من دمار واسع واستهداف لمؤسسات الدولة ومقدراتها".
وقال عبدالعاطي إن "الأزمة السودانية لا يمكن حسمها عسكرياً، وإن الحل يكمن في دعم الحوار السوداني -السوداني، وتهيئة الظروف أمام مختلف الأطراف للجلوس إلى مائدة التفاوض والاتفاق على خريطة طريق لمستقبل البلاد السياسي".
وتستمر الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، بعدما قتلت عشرات الآلاف وشردت الملايين داخل البلاد وخارجها، وأدت إلى انتشار المجاعة في مناطق عدة.
"الدفع نحو تنفيذ اتفاق غزة"
وفي شأن الأزمة في قطاع غزة وخطة السلام الأميركية بمراحلها، استعرض عبدالعاطي التحرك المصري المكثف لتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب للسلام، مشيراً إلى الاجتماعات التي استضافتها مصر والجهود المكثفة التي بذلتها مع مختلف الأطراف لتثبيت وقف إطلاق النار والتهدئة والانتقال إلى خطوات ملموسة نحو إنهاء الحرب، ووقف كل الإجراءات الإسرائيلية التي تقوض فرص تحقيق التهدئة، وفي مقدمها التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات يهدد فرص إقامة الدولة الفلسطينية ويقوض آفاق السلام العادل والدائم.
وذكر عبدالعاطي أن مصر حققت اختراقا كبيراً في ما يتعلق بملف حصر السلاح لدى الفصائل الفلسطينية في القطاع، معتبراً أن "أهم خطوة بالمرحلة الثانية من الاتفاق (الذي أبرم في أكتوبر – "تشرين الأول" 2025) حصر السلاح والانسحاب الإسرائيلي، وبذلنا جهداً خارقاً مع الفصائل الفلسطينية، ونجحنا في إقناعها بتسليم سلاحها. وفي النهاية لم يلتزم الطرف الثاني (إسرائيل) بالانسحاب".
وأشار وزير الخارجية المصري إلى أن قوة الاستقرار ودخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية مرهون بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، مؤكداً تعويل مصر على الشريك الأميركي لتنفيذ ذلك. ولفت إلى أن استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق لم تنفذ، ودخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات لم يتحقق، وكذلك تأهيل العيادات والتعافي المبكر لم يحدث بسبب التعنت الإسرائيلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووصف عبدالعاطي الحدود المصرية بـ"الملتهبة"، قائلاً إنه "لسوء الحظ لم نصل لهذه الدرجة من الهشاشة من التدهور كالتي نراها الآن في المنطقة"، وأضاف أن "هناك بعض البلاد في المنطقة على حافة عدم الوصول إلى الاستقرار التام، بسبب قيام أطراف داخل الدولة بالعمل ضد مصالح الدولة".
وذكر عبدالعاطي أن مصر تعد "ركيزة أساسية لتحقيق السلام في المنطقة"، مشيراً إلى المشاركة في حل كل النزاعات الإقليمية، مثل إيران والسودان والقرن الأفريقي، عبر التواصل مع الأطراف الفاعلة في تلك النزاعات.
جهود خفض التصعيد الإقليمي
وحول الجهود المصرية في العمل على خفض التصعيد الإقليمي والوصول إلى تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، أوضح عبدالعاطي أن القاهرة تواصل تحركاتها واتصالاتها مع مختلف الأطراف للدفع نحو التهدئة وتغليب المسار الدبلوماسي والحوار، مجدداً تأكيد ضرورة العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد باعتبارها مساراً مهماً للتوصل إلى اتفاق شامل ومستدام، بما يجنب المنطقة ويلات اتساع رقعة الحرب والأضرار الوخيمة المترتبة عليها من تهديد لأمن الطاقة والغذاء في المنطقة والعالم.
وشدد الوزير عبدالعاطي في هذا السياق على ضرورة ضمان أمن وسلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، بما يضمن انسياب حركة التجارة وإمدادات الطاقة الدولية.
كذلك تطرق عبدالعاطي إلى مسألة الترتيبات الأمنية في المنطقة، مؤكداً أهمية تعزيز القدرة الجماعية على حماية الأمن القومي العربي، والالتزام بمبادئ واضحة، في مقدمها احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي، والامتناع عن أي إجراءات من شأنها تصعيد التوتر أو تهديد أمن واستقرار المنطقة.
وأوضح الوزير رؤية بلاده تلك الترتيبات الأمنية قائلاً إن مصر عرضت داخل جامعة الدول العربية محددات للترتيبات الأمنية على قاعدة أن الدول العربية هي الغالبية في المنطقة، مضيفاً "في هذا الإطار يمكن لأي دولة غير عربية الانضمام إلى تلك الترتيبات، لكن بشرط الالتزام بالمحددات التي ستوضع، وفي مقدمها احترام سيادة الدول وعدم الاعتداء على دول المنطقة واحترام القانون الدولي والاعتراف بالمؤسسات الدولية وعدم دعم أي كيانات أخرى"، معتبراً أن "تلك المحددات أساسية إذا كنا جادين في بناء أمني إقليمي، ونريد له النجاح".
وأوضح عبدالعاطي أن هناك اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وقعت عام 1950، مضيفاً "كل ما نريده هو تفعيلها على أرض الواقع، ونتحرك في الإطار العربي لتنسيق الجهود في هذا الشأن، وليس هناك دولة مهما كان حجمها تستطيع التعامل مع هذا الحجم من التحديات"، على حد وصفه.
حراك مصر لوقف التصعيد في اليمن
وفي شأن الأزمة اليمنية، قال عبدالعاطي إن مصر تعترف بالحكومة الشرعية اليمنية وأقامت أخيراً معها حواراً استراتيجياً موسعاً، وإنها لا تعترف بأي حركات أو جماعات أخرى، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية خفض التصعيد باعتباره السبيل الأساس للحل، وضرورة احترام القانون الدولي في ما يتعلق بحرية الملاحة داخل الممرات والمضايق والمعابر الدولية.
وذكر عبدالعاطي أن بلاده تبذل "أقصى جهد ممكن لخفض التصعيد في المنطقة"، مضيفاً أن "مسألة الملاحة وحرية الملاحة مهمة جداً، وبالتأكيد نحن نبذل كل جهد ممكن لضمان حرية الملاحة"، معرباً عن إدانة مصر لأي اعتداءات على الدول العربية الشقيقة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج.
وأوضح عبدالعاطي أن بلاده "تدعو إلى التهدئة وعدم التصعيد" لا سيما في ما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر، مؤكداً أن "مصر أكثر دولة متضررة من هذا التصعيد، وخسرت قناة السويس 11 مليار دولار" جراء أحداث 2023. ودعا إلى عدم تكرار سيناريو مضيق هرمز، في إشارة إلى غلقه وتعطل سلاسل الإمداد منذ حرب إيران والولايات المتحدة وإسرائيل منذ فبراير (شباط) الماضي.
وفي ما يتعلق بلبنان، جدد الوزير عبدالعاطي إدانة مصر الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مشدداً على ضرورة التنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701، وبسط الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها وحصر السلاح، بما يحفظ أمن لبنان واستقراره.
وفي شأن سوريا، أكد وزير الخارجية المصري دعم بلاده لجهود الحكومة السورية "في إدارة حوار سياسي شامل يضم الجميع بلا استثناء"، معرباً عن تقديره ضم الأكراد وحركة "قسد" في الحكومة السورية، وقال "نأمل في أن يستمر هذا النهج مع بقية الطوائف".
ولفت عبدالعاطي إلى أن الدولة السورية تعهدت ألا تكون تهديداً لدول الجوار، لكن لا يزال ملف المقاتلين الأجانب لم يحسم، مجدداً في الوقت ذاته إدانة مصر لأي انتهاكات إسرائيلية تطاول سوريا.
كذلك تناول عبدالعاطي ملف الاقتصاد المصري، مشيداً بصلابته وقدرته على الصمود والمرونة في مواجهة التحديات الدولية والإقليمية المتزايدة، إذ استعرض خلال اللقاء التحسن الملحوظ في عدد من مؤشراته الاقتصادية الكلية، ومبرزاً ما تتخذه الدولة المصرية من خطوات لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات وتحقيق نمو مستدام، وفي مقدمها تمكين القطاع الخاص وتعزيز دوره كمحرك رئيس للنمو، إلى جانب مواصلة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، بما يدعم تنافسية الاقتصاد المصري ويعزز قدرته على جذب الاستثمارات وزيادة فرص العمل.