Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح القاهرة في جسر التباينات بين معسكري الشرق والغرب بليبيا؟

مساعٍ مصرية لتوحيد المؤسسات الوطنية وإطلاق مسار سياسي يقود إلى الانتخابات والأزمة تكمن في القدرة على الوصول إلى توافق داخلي

ترى مصر أن هناك ضرورة للحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، مع العمل على توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية باعتباره السبيل الوحيد لحل الأزمة (أ ف ب)

ملخص

على رغم الجهود المصرية المكثفة، تتباين آراء المراقبين حول قدرة القاهرة على إحداث اختراق في الأزمة الليبية، لا سيما وأنها لم تعد صراعاً داخلياً خالصاً، بل تشابكت فيها مصالح القوى المحلية مع حسابات إقليمية ودولية، فيما لا تزال الخلافات حول شكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، والانتخابات، ومستقبل الترتيبات الأمنية والعسكرية، تعرقل أي محاولة لإنتاج تسوية نهائي، الأمر الذي يطرح بدوره أسئلة حول مدى تمكن مصر عبر علاقاتها مع الأطراف الليبية إلى الدفع نحو اتفاق سياسي ينهي الانقسام فعلياً، أم أن تعقيدات المشهد الليبي ستبقى حائلاً دون تحقيق ذلك.

تكثف القاهرة جهودها وحراكها السياسي تجاه الأزمة الليبية في محاولة منها لتقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب، وجسر هوة التباين بين الطرفين من أجل إطلاق مسار سياسي يفضي إلى توحيد المؤسسات الوطنية وإنهاء حال الانقسام المستمرة منذ أعوام.

جهود القاهرة التي تتزامن مع مساعٍ إقليمية ودولية لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية، تجلت مظاهرها في الأيام الأخيرة من خلال محادثات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، وذلك بعد أقل من ثلاثة أسابيع من اجتماع السيسي مع عبدالحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وهو حراك عكس استمرار القاهرة في التواصل مع طرفي الانقسام الليبي، للدفع نحو مسار سياسي، يفضي إلى إجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، بحسب ما يقول مراقبون وسياسيون.

وترى مصر أن استمرار حال الانقسام في ليبيا حيث وجود حكومتين ومؤسسات أمنية وعسكرية ومالية متنافسة لا يهدد فقط فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وإنما يبقي ليبيا ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، ويهدد وحدتها واستقرارها، فضلاً عن زيادة أخطار انتقال تداعيات الفوضى إلى دول الجوار، وفي مقدمها مصر.

جهود مصرية مكثفة

خلال الأسابيع الأخيرة عادت الأزمة الليبية لتتصدر الجهود المصرية، وذلك بموازاة تحركات إقليمية ودولية لدفع البلاد نحو تسوية تنهي الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ أعوام، إذ سعت القاهرة عبر تكثيف تواصلها مع حكومتي الشرق والغرب إلى تقليص هوة التباينات بينهما ودفعهما نحو توحيد المؤسسات الوطنية وعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

 

وتقول مصادر دبلوماسية مصرية، تحدثت لـ"اندبندنت عربية"، إن القاهرة تهدف من خلال تحركاتها الحثيثة في الملف الليبي والتواصل المستمر مع حكومتي الشرق والغرب إلى "تقليص هوة التباينات بين الطرفين، وخلق مساحة من التوافق يمكن البناء عليها لإطلاق مسار سياسي جاد والتفاعل مع المبادرات المطروحة لحل الأزمة الليبية بما يحافظ على وحدة واستقلال البلاد ويحول دون تقسيمها"، وهو ما يعد أمراً محورياً بالنسبة إلى الأمن القومي المصري.

وبحسب أحد المصادر المصرية، فإن مصر تسعى من خلال تعاونها مع الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة الليبية، إلى دفع الأطراف إلى القبول بخريطة طريق تتضمن "إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بصورة متزامنة، مع إقرار خطة لتفكيك الميليشيات المسلحة، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، إلى جانب توحيد مؤسسات الدولة بما يعزز الاستقرار".

وخلال لقائه الأسبوع الماضي، المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، شدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، على موقف مصر الداعي إلى الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، والعمل على توحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، مؤكداً دعم القاهرة أمن ليبيا واستقرارها والمبادرات الرامية إلى تحقيق ذلك، وكذلك حرصها على دعم جهود تحقيق الأمن والتنمية في البلاد.

وركز لقاء السيسي وحفتر، الذي استضافته مدينة العلمين الساحلية، وضم من الجانب الليبي رئيس أركان "الجيش الوطني الليبي" خالد حفتر، ورئيس "صندوق إعمار ليبيا" بلقاسم حفتر، بينما حضر من الجانب المصري رئيس المخابرات العامة حسن رشاد، على فرص تعزيز التعاون بين مصر وليبيا وتطوير الشراكة بين البلدين، بحسب ما ذكر بيان رئاسة الجمهورية المصرية، في مؤشر إلى الأهمية التي توليها القاهرة للملف الليبي، وتطوراته السياسية والأمنية وحتى الاقتصادية.

وفي أعقاب لقاء السيسي وحفتر، قالت الهيئة العامة للاستعلامات (حكومية) إن رئيس المخابرات العامة المصرية، حسن رشاد، التقى السبت الماضي نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية الفريق أول صدام حفتر لـ"مناقشة تطورات الأوضاع على الساحة الليبية والجهود الليبية والدولية المبذولة لدفع العملية السياسية وبما يمهد الطريق للاستقرار وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا"، مضيفة أن رشاد أكد "أهمية استثمار حال الزخم السياسي الراهن حول المبادرات باعتبارها فرصة تدفع في اتجاه الاستقرار ووحدة الصف الليبي".

وقبل استضافة السيسي لحفتر، كان الرئيس المصري قد استقبل عبدالحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، أواخر الشهر الماضي، إذ أكدت الرئاسة المصرية حينها أن الرئيس السيسي أكد حرص مصر الدائم على استقرار وازدهار ليبيا، ودعم جهود تحقيق السلم والاستقرار والحفاظ على وحدة أراضيها وسلامتها، مشيراً إلى أن القاهرة "كانت دائماً حريصة على استقرار وازدهار ليبيا الشقيقة"، وأنها أولت اهتماماً كبيراً بدعم السلم والاستقرار، وضمان وحدة وسلامة أراضيها.

وجاءت زيارة الدبيبة لمصر، بعد أسابيع من زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى طرابلس في يونيو (حزيران) الماضي، وهي الزيارة التي جاءت في أعقاب زيارة رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، إلى مصر في مايو (أيار) الماضي، حين التقى مسؤولين وبرلمانيين مصريين، وألقى كلمة أمام مجلس النواب المصري، أكد خلالها "عمق العلاقات التاريخية والروابط المشتركة بين البلدين، ودعم مصر المستمر لاستقرار ليبيا".

 

ووفق مراقبين فإن تتابع هذه الاتصالات يعكس قدراً كبيراً من التحول في السياسة المصرية وفتح قنوات اتصال مباشرة مع مختلف الأطراف الليبية، بعد اعتمادها أعواماً بصورة كبيرة على معسكر الشرق المكون بالأساس من الجيش الوطني بقيادة حفتر ومجلس النواب بقيادة عقيلة صالح، مشيرين إلى أن أي تسوية مقبلة لن تكون قابلة للحياة إذا حاول أحد طرفي الانقسام فرضها منفردًا، وأن توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية يتطلب تفاهماً بين مراكز القوة في الشرق والغرب.

هل ينجح الحراك المصري؟

على رغم الجهود المصرية المكثفة، تتباين آراء المراقبين حول قدرة القاهرة على إحداث اختراق في الأزمة الليبية، لا سيما وأنها لم تعد صراعاً داخلياً خالصاً، بل تشابكت فيها مصالح القوى المحلية مع حسابات إقليمية ودولية، فيما لا تزال الخلافات حول شكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، والانتخابات، ومستقبل الترتيبات الأمنية والعسكرية، تعرقل أي محاولة لإنتاج تسوية نهائي، الأمر الذي يطرح بدوره أسئلة حول مدى تمكن مصر عبر علاقاتها مع الأطراف الليبية إلى الدفع نحو اتفاق سياسي ينهي الانقسام فعلياً، أم أن تعقيدات المشهد الليبي ستبقى حائلاً دون تحقيق ذلك.

ووفق تقديرات مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، فإن الظروف الراهنة تبدو "مهيأة للدفع نحو حلحلة الأزمة الليبية والوصول إلى توافقات على رغم صعوبة ذلك"، موضحاً في حديثه إلينا "منذ العام الماضي وهناك جهود ومبادرات واقعية وعملية لحل الأزمة الليبية قدمتها بعثة الأمم المتحدة، وذلك بهدف المضي في حل المسائل الخلافية والوصول لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، إلا أن هذه الجهود كانت بحاجة إلى دعم من دول الجوار (مصر وتونس والجزائر) وكذلك القوى المؤثرة الكبرى مثل الولايات المتحدة لتشجيع الأطراف الليبية لقبول البرامج والأفكار المطروحة، وهو ما بدأ يتشكل خلال الشهور الأخيرة".

ومضى حسن قائلاً "في كل مرة ومع كل مبادرة للحل طرحت كانت المشكلة الأساسية في عدم إتمامها أن كل من في يده السلطة في ليبيا لا يريد أن يتخلى عنها، وأن الجميع يطالب بالانتخابات بينما يعملون بكل جهد لعدم إجرائها أو الوصول إليها، مع عقد المشهد"، مضيفاً "السياق الآن بات مختلفاً بعض الشيء، إذ إن هناك ما يشبه التوافق الدولي والإقليمي حول أهمية حلحلة الأزمة الليبية ودفع الأطراف إلى قبول خطة الحل".

وتابع حسن "الأمر الذي يبقى أهم من مرحلة إجراء الانتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية، هو التزام الأطراف المسبق قبولها واحترام نتائجها"، مشيراً إلى أن الخطة السابقة التي طرحتها الأمم المتحدة "أفشلها عدم التزام أي من الأطراف الحاكمة سواء في الشرق أو الغربببنودها، مما عقد من المشهد وجعل الأزمة الليبية تدور في حلقة مفرغة". واعتبر حسن أن الجهود المصرية الراهنة بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وتركيا والأمم المتحدة، قد تصل لنتائج ملموسة في ظل رغبة الأطراف تحقيق انفراجة على صعيد الأزمة.

ووفق حسن فإن التحسن النسبي في العلاقات بين القاهرة والحكومة الليبية في طرابلس خلال الفترة الأخيرة "يبقى مؤشراً إيجاباً" في إمكان تمكن مصر من الوصول إلى توافق ونتائج ملموسة بين معسكري الشرق والغرب، معتبراً أن القاهرة باتت تسعى نحو تحقيق قدر من التوازن في علاقتها مع الأطراف الليبية بما يخدم "المصلحة الليبية" ويمكنها من الخروج من "حلقات الصراع والأزمات المفرغة" التي تعصف بها على حد وصفه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى السفير حسن أن أبرز التحديات أمام الجهود المصرية تبقى في قدرتها "الوصول إلى خطة توافقية لتوحيد مؤسسات الدولة، وتشجيع الأطراف المتنافسة على القبول بالاحتكام إلى الانتخابات والعودة لإرادة الشعب، فضلاً عن تحييد دور الميليشيات المزعزع للاستقرار من المشهد".

وتتزامن التحركات المصرية مع جهود دولية وإقليمية لدفع الأزمة الليبية نحو تسوية سياسية، وفي مقدمها "خريطة الطريق" التي أقرتها الأمم المتحدة قبل عام، تستند إلى ثلاث ركائز أساسية، تستهدف الوصول إلى الانتخابات العامة في غضون 18 شهراً، إلى جانب مبادرة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الرامية إلى توحيد السلطتين في ليبيا.

ووفقاً لما تسرب عن المبادرة الأميركية، تتضمن المقترحات تولي صدام حفتر نجل قائد الجيش الوطني منصباً في رئاسة المجلس الرئاسي، مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة الدبيبة، وقد لقيت المبادرة ترحيباً من حفتر، بينما لم يصدر عن الدبيبة موقف معلن في شأنها.

من جانبه يرى مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، السفير سيد قاسم المصري، أن "الأزمة الليبية تبقى مشكلتها المستعصية ليست في الأطراف الليبية ولكن في الأطراف الخارجية التي تدعم بالسلاح والمال والسياسة فريقاً على حساب آخر"، معتبراً في حديثه إلينا أن "ما هو مختلف في الحراك سواء المصري أو الإقليمي والدولي الراهنين في ما يتعلق بالحالية الليبية هو التعاطي مع جذور الأزمة ومحاولة ثني الأطراف الدولية الهادفة إلى استمرار الانقسام عن المشهد".

وبحسب المصري فإنه "لا يمكن حل الأزمة الليبية من دون استبعاد الأطراف الدولية الداعمة لأحد الأطراف على حساب الآخر من المشهد"، معتبراً أن ما هو مغاير في المشهد الراهن أن "كلا المعسكرين الليبيين في الشرق والغرب بدأ يشعر بأن الأوان قد آن للحل، وأن الظروف باتت مهيأة لتحقيق ذلك وعلى الجميع استغلالها".

وذكر المصري أنه في حال وصول الأطراف لهذه القناعة فإن "حل الأزمة يصبح من السهولة بمكان تحقيقه، مع تشجيع من الأطراف الدولية والإقليمية ذات المصلحة في عودة الاستقرار والأمن لليبيا، بما يحافظ على وحدتها وسيادتها".

هذه الرؤية يتوافق معها الكاتب والمحلل الليبي، محمد الزبيدي، قائلاً إن "ما عمق الأزمة في ليبيا كانت الأدوار الخارجية الداعمة لطرف على حساب الآخر، انطلاقاً من مصالح ومنافع ذاتية ضيقة أو مطامع توسعية"، معتبراً في حديثه معنا أنه "لمصر دور فاعل وأساس في ما يتعلق بمحاولة توحيد الحكومات ومؤسسات الدولة، فضلاً عن مواجهة الأطماع الخارجية، وذلك نظراً إلى ارتباط الأمن القومي الليبي بالأمن القومي المصري، وأن استقرار وسلامة ليبيا يبقى مصلحة مطلقة بالنسبة إلى مصر".

وتعيش ليبيا منذ أعوام على وقع انقسام سياسي بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب، وتتنازع السلطة فيها حكومتان إحداهما برئاسة الدبيبة في غرب البلاد، والأخرى مكلفة من البرلمان يترأسها أسامة حماد، وتحظى بدعم من حفتر، وهي تسيطر على شرق البلاد وأجزاء واسعة من جنوبها.

وخلال الأشهر الأخيرة شهدت الأزمة الليبية تحركات دولية متسارعة لدفع أطرافها نحو تسوية سياسية، التي كان أبرزها جهود الأمم المتحدة والولايات المتحدة في طرح مبادرات لتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات، باعتبارهما مدخلين لإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير