Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخرج ومؤلف يتدثران بعباءة واحدة

روب غرييه كمخرج حقيقي لفيلم آلان رينيه "مارينباد" جعله أسد البندقية يكشف قناعه

مشهد من فيلم "العام الماضي في مارينباد" (موقع الفيلم)

ملخص

على رغم قيمة المخرج الفرنسي آلان رينيه الكبرى والتي ستترسخ فيلما بعد فيلم، كان من الواضح أن الرجل يستمد قيمة أفلامه من أسماء وممارسات قمم أدبية كانت في الأصل خلف مشاريعه الأساسية وذلك بالتحديد منذ فيلمه السابق "هيروشيما يا حبي" عن سيناريو لمرغريت دورا

في العام 1961 فاز فيلم فرنسي سيصبح كلاسيكيا بعد ذلك، عنوانه "العام الماضي في مارينباد" بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي. يومها تسلم تلك الجائزة الكبرى مخرج الفيلم آلان رينيه المعروف بوصفه واحدا من أقطاب الموجة الجديدة غير المعلنين في التجديد السينمائي الفرنسي. لكن ذلك لم يخدع أحدا. ذلك أن معظم الحضور وأهل السينما كانوا يعرفون أن الفكر المهيمن على الفيلم، شكلا ومضمونا، كان من مبدع فرنسي آخر يحمل بدوره اسم آلان، ويرتبط بدوره بتجديد إبداعي كبير يتعلق هذه المرة بالرواية لا بالسينما الفرنسية. هو آلان روب غرييه، أحد أبرز مؤسسي ما سمي حينها "الرواية الجديدة".

ففي نهاية الأمر، وعلى رغم قيمة رينيه الكبرى والتي ستترسخ فيلما بعد فيلم، كان من الواضح أن الرجل يستمد قيمة أفلامه من أسماء وممارسات قمم أدبية كانت في الأصل خلف مشاريعه الأساسية وذلك بالتحديد منذ فيلمه السابق "هيروشيما يا حبي" عن سيناريو لمرغريت دورا. كان واضحا أن رينيه يعشق السينما الأدبية ويميل إلى التعامل مع نصوص لكتاب من أمثال دورا وروب غرييه يتحولون في معيته إلى سينمائيين بالغي الخصوصية.

سينمائي عريق

غير أن الحال مع روب غرييه، كما مع مرغريت دورا سوف تتبدل بطريقة أكثر عمقا من ذلك. فمعهما لن نعود أمام كاتب يكتب لسينمائي ويتعاون معه، بل أمام سينمائي حقيقي لا يكتفي بأن ينتظر لحظته، بل يضع ثقله الإبداعي ما إن تلوح له الفرصة، وهنا بفضل أريحية السينمائي الشريك الذي كانه آلان رينيه.

ومن هنا، بدا أن الكل مجمعون على أن فيلم "مارينباد" ينتمي إلى الروائي بأكثر كثيرا مما ينتمي إلى السينمائي. وهو على أية حال سيفتح الطريق كإنجاز سينمائي كبير، أمام أربعة عقود من السنين حرص روب غرييه خلالها على أن يكون سينمائيا بقدر ما هو روائي وأحيانا بأكثر مما هو روائي.

وهو في هذا الإطار يكاد يبدو متفردا بين عشرات السينمائيين الكبار الذين أتوا إلى الفن السابع من عالم الأدب، ليخوضه معظمهم على سبيل النزوة، أو تجربة الحظ.

بالنسبة إلى روب غرييه بدا الأمر دائما، وبحسب كاتبي سيرته ومحللي أفلامه، نوعا من محاولة ربما لم تكن من ناحيتها فريدة، في القول إنه يمكن للسينما والرواية أن تكونا فنا واحدا. وهو ما يشهد عليه ذلك المتن السينمائي الكبير الذي خلفه مؤسس الرواية الفرنسية الجديدة، إنما دون أن يحظى بتصنيف سينمائي من هذا النوع. حتى وإن كان من المنطقي القول إن علاقته بالسينما، ولا سيما بعد النجاح الكبير لفيلم "مارينباد" وما أدركه المعنيون من مدى عمق مساهماته، إنما أتت طبيعية ومتسارعة.

وفي هذا السياق نعرف أنه ما أن مضى يومها عامان على ظهور ذلك الفيلم الكبير حتى كان روب غرييه يخوض تجربته الإخراجية الأولى عبر فيلم "الخالدة" الذي بدأ به مرحلته التي ستكون طويلة زمنيا كمخرج سينمائي مستقل. ولعل أول ما يمكننا أن نقوله عن هذا الفيلم إن كاتبه/ المخرج قد حرص فيه على أن يرسم تلك العلاقة التي كان قد دنا منها في فيلمه مع آلان رينيه، بين الرواية الجديدة والسينما الجديدة كعلاقة بديهية.

وحدة إبداعية جديدة

ونعني بهذا أن الكاتب في تحوله المتواصل هنا إلى سينمائي كمن في حرصه الأول في نقل مبادئ الرواية الجديدة مباشرة إلى الصورة، بحسب متابعيه منذ ذلك الوقت المبكر: السرد المتقطع والتكرار وظهور الشخصيات الغامضة والالتباس بين الواقع والخيال، والانشغال الخلاق بمسألة النظرة والرغبة وشؤون الجسد.

بل لعل في إمكاننا أن نقول هنا إنه من خلال اطلاعه، كما سيقول في مذكراته الرائعة التي صدرت قبل رحيله بفترة يسيرة، على أجمل إبداعات أفلام الموجة الجديدة الفرنسية، اكتشف تقاربا تتيحه لعبة المونتاج، الفكري والتقني في آن معا، بين لغة الأدب الروائي ولغة السينما، كان من العناصر التي سهلت عليه مهمته وذلك الانتقال المدهش الذي مارسه، بل لنقل: التنقل المدهش، بالنظر إلى أنه سينشغل خلال العقود التالية من حياته بالتأرجح المتعمد بين الكتابة والتصوير.

وبما أن هذا الجانب الثاني من نشاطه هو ما يهمنا هنا في المقام الأول، لا بد أن نذكر أنه، من بعد "الخالدة" الذي صور جزءا كبيرا منه في اسطنبول، لم يتوقف عن إنجاز أفلام سينمائية سيضحي كل منهما حدثا كبيرا، في عالم السينما الطبيعية على الأقل. ومن أبرزها كما نعرف، "ترانس أوروب اكسبرس" ثم "الرجل الذي يكذب" ومن بعده "عدن وما بعدها" و"انزلاقات متدرجة نحو المتعة" و"اللعب بالنار".

ولعل في مقدورنا أن نؤكد هنا أن هذه الأفلام وما تلاها من أعمال جعلت لروب غرييه مكانة مستقلة في عالم الإبداع السينمائي، لم تكن أفلاما بالمعنى التقليدي للكلمة، أي أفلاما يمكن لسطور أن تلخص حبكتها وموضوعها وتحلل غاياتها ومآلاتها. بل أنها، وعلى نسق "العام الماضي في مارينباد" أتت أقرب إلى المتاهات البصرية والسردية حيث يعاد المشهد ويستعاد أو يتغير معناه دون أن نعرف على وجه اليقين إن كنا أمام حدث حقيقي أم أمام تمثيل أو حلم أو تخيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الرواية والصورة

والحقيقة أن ها هنا تكمن أهمية السينما كما صنعها روب غرييه خاتما مسيرته في تاريخها عبر ثلاثة أفلام راح يتباطأ خلال الثمانينيات والعقدين التاليين قبل رحيله، في تحقيقها، ثلاثة أفلام هي "الأسيرة الحسناء" و"الصخب المثير للجنون" وأخيرا "غراديفا" الذي يمت بصلة مباشرة إلى العوالم الفرويدية كما في وسعنا أن نتخيل.

والحقيقة أن هذا المتن السينمائي إذ يتميز بقدر لافت من الخصوصية ويبدو أنه لا يشبه أي متن سينمائي آخر دون أن يفوتنا حرص مبدعه على أن يبقيه، إجمالا على أية حال، منفصلا عن رواياته التي ندر أن اقتبس منها أي فيلم له، يوضح لنا أن روب غرييه ليس روائيا اقترب من السينما عرضا، وإنما هو كاتب سينمائي ومخرج كان مشروعه الفني الموحد يتوزع بين الرواية والفيلم، وإن لم يكن بالعدل والقسطاس.

والمهم في الأمر أنه إذا كانت الرواية الجديدة كما مارسها آلان روب غرييه برفقة ناتالي ساروت وميشيل بوتور وكلود سيمون وغيرهم منذ النصف الأول من سنوات الخمسين قد "حررت الأدب من سطوة الحكاية التقليدية"، فلا شك أن أفلام روب غرييه أتت، وربما على غرار سينما آلان رينيه وأفلام جان لوك غودار وتروفو وشابرول وريفيت ثم مرغريت دورا نفسها، أتت لتحرير السينما نفسها "من ضرورة أن تكون ذات حكاية واضحة ومكتملة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة