ملخص
كانت الذكرى الـ25 لأحداث سبتمبر عام 2001 فرصة جيدة لتمحيص الدروس الأمنية المستفادة من هذا الحدث، إذ أصدر عدد من الخبراء في مجالات الأمن القومي والتكنولوجيا والسياسات العامة في مؤسسة "راند" المرموقة تقريراً استعرض أهم الدروس من جهود الأمن الداخلي التي تلت هجمات الـ11 من سبتمبر الإرهابية، ومن أبرزها أهمية تجاوز العقبات البيروقراطية، فقد أتاحت التشريعات التي تلت أحداث الـ11 من سبتمبر، مثل إنشاء وزارة الأمن الداخلي وإصلاح أجهزة الاستخبارات، سبلاً جديدة للتغلب على الجمود البيروقراطي، لكنها أدت أيضاً إلى نشوء نظام مجزأ وغير متجانس كان يركز في بداياته بصورة شبه حصرية على مكافحة الإرهاب.
في ذكرى مرور 25 عاماً على هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001،لا يزال الأميركيون يحاولون استيعاب وإعادة تقييم كل ما جرى في هذا اليوم، وما تلاه من أحداث على مدى ربع قرن من ردود الفعل، والتحولات التي شهدتها السياسة الأميركية، وتغير طبيعة التهديدات، وتصورات الرأي العام، والدروس المستفادة، فما أبرز السمات التي ميزت هذه الذكرى وما احتوته من تفاعلات؟
الكارثة وتداعياتها
في الـ11 من سبتمبر عام 2001، شهد الأميركيون والعالم أسوأ هجوم يقع على الأراضي الأميركية في تاريخ البلاد، حيث تابع الملايين الحدث شخصياً أو عبر شاشات التلفزيون وسط تغطية إخبارية مكثفة وشاملة، اصطدام طائرات مدنية اختطفها مقاتلو "القاعدة" الأجانب ببرجي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك ومبنى "البنتاغون" قرب واشنطن، بينما سقطت طائرة رابعة فوق بنسلفانيا في وقت يعتقد أنها كانت في طريقها للبيت الأبيض، وأسفرت الهجمات عن مقتل 3000 شخص.
شكلت أحداث هذا اليوم نقطة انطلاق لسلسلة من الخيارات السياسية التي أعادت تشكيل الحياة الأميركية، بالتالي أعادت تشكيل الذاكرة المتعلقة بذلك اليوم ذاته، فقد أدت الهجمات إلى اندلاع الحرب في أفغانستان، التي استمرت 20 عاماً بعد النجاح الأولي للغزو في تفكيك تنظيم "القاعدة" وإطاحة حكومة "طالبان"، ثم جاء غزو العراق، على رغم أن نظام صدام حسين لم يكن له أي دور في هجمات الـ11 من سبتمبر، وأسهمت تداعيات تلك الهجمات في خلق مناخ أتاح توسيع نطاق المراقبة الحكومية، وتعزيز السلطات الرئاسية، وتقليص مساحة المعارضة، ووجد المسلمون الأميركيون أنفسهم عرضة لموجة جديدة من الشك والعداء.
اختبار النسيان
على مدى معظم السنوات الـ25 الماضية كانت كل ذكرى لهجمات الـ11 من سبتمبر تأتي مصحوبة بلافتات وملصقات تحث الناس على "ألا ينسوا أبداً"، لكن كانت هناك شكوك في شأن المعنى الحقيقي لتلك الكلمات، فبالنسبة إلى الذين عاشوا أحداث عام 2001، يعد نسيان ذلك اليوم أمراً شبه مستحيل، بسبب مشاعر الصدمة والخوف، ومشاهد إعادة عرض اصطدام الطائرة الثانية بمركز التجارة العالمي، ولحظة انهيار البرج الثاني، وصور المفقودين التي غطت أرجاء نيويورك عبر شاشات التلفاز، وشجاعة رجال الإطفاء والشرطة في نيويورك. غير أن 100 مليون أميركي ولدوا بعد هذا التاريخ، وملايين آخرين كانوا أطفالاً صغاراً في هذا اليوم، لا يملكون مثل هذه الذكريات أو المشاعر، فهم يتعرفون على ما حدث من خلال الصور، والأفلام الوثائقية، والنصب التذكارية، والدروس التعليمية في المدارس، والقصص التي يرويها أشخاص عاصروا ذلك اليوم، في ما يعد تحولاً طبيعياً يبعث على الدهشة بطريقة ما، فحدث كان ينظر إليه يوماً ما باعتباره فاصلاً زمنياً خلق حقبتين دائمتين، ما قبل وما بعد الـ11 من سبتمبر، بدأ يتلاشى ليصبح جزءاً من التاريخ ذاته.
وفي حين أن الذاكرة العامة تصف كيفية تشكيل المعنى الجماعي، وإعادة صياغته من خلال القصص والمؤسسات والسجالات والقرارات السياسية مثل قرار إنشاء وزارة الأمن الداخلي استجابة لأحداث الـ11 من سبتمبر، والتي ينظر إليها باعتبارها إصلاحاً هيكلياً وثقافياً يهدف إلى معالجة الإخفاقات الاستخباراتية التي كشفت عنها الهجمات، إلا أن النسيان يعد جزءاً من العملية أيضاً، وكما يرى الباحث في شؤون الذاكرة بول كونرتون، "فإن بعض أشكال النسيان ليست إخفاقات، بل أجزاء ضرورية من الحياة الاجتماعية، إذ لا يمكن لأي فرد أو مدرسة أو أمة أن تبقي كل شيء حاضراً في الأذهان وبالقدر نفسه إلى الأبد، فالتاريخ يتراكم بوتيرة أسرع مما يمكن للذاكرة الجماعية استيعابه".
وبحسب ما تقول أستاذة الشؤون العامة في جامعة ولاية بويزي ستيفاني مارتن "لا تكمن المسألة في ما إذا كان الأميركيون سينسون أجزاء من أحداث الـ11 من سبتمبر، فهم سيفعلون ذلك حتماً، بل إن السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي سيتبقى بعد حدوث هذا النسيان؟".
تحول الرأي العام
قبل 10 سنوات أشار استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث إلى أن 76 في المئة من الأميركيين، اعتبروا أحداث الـ11 من سبتمبر واحداً من أهم 10 أحداث مؤثرة عاصروها في حياتهم، وذكر ما يقارب واحد من كل خمسة أشخاص أن الاستجابة الفورية للأمة تجاه الهجمات كانت اللحظة التي شعروا فيها بأقصى درجات الفخر بالولايات المتحدة.
لكن وفقاً لاستطلاع أجرته وكالة "رويترز" مع معهد "إبسوس" في نهاية أغسطس (آب) الماضي، يرى 61 من الأميركيين أن المتطرفين المحليين داخل الولايات المتحدة يشكلون تهديداً أكبر من المهاجمين الأجانب، ما يعكس تحولاً كبيراً في مخاوف الرأي العام عكسته أيضاً آراؤهم حيال الحروب التي أعقبت أحداث الـ11 من سبتمبر، حيث قال نحو 48 في المئة إن الحرب في أفغانستان لم تكن تستحق الخسائر، مقارنة بنحو 21 في المئة اعتبروا أنها تستحق، بينما كان الباقون غير متأكدين أو لم يجيبوا عن السؤال، وكانت الحرب في العراق لا تحظى بشعبية مماثلة، حيث رفضها 51 في المئة من الأميركيين ووافق عليها اثنان في المئة.
عكس هذا الرفض الشعبي لتلك الحروب دوراً في صعود دونالد ترمب الذي دشن حملته الانتخابية على أساس برنامج تجنب الحروب الدائمة، لكنه شن حرباً على إيران قبل ستة أشهر، من دون أن يتوصل إلى حل سريع.
نظريات المؤامرة
ما يثير دهشة وقلق المسؤولين والباحثين الأميركيين أنه بعد مرور 25 عاماً، لا تزال نظريات المؤامرة حول أحداث الـ11 من سبتمبر مستعرة، بخاصة بين "الجيل زد" (الجيل المولود بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الـ21)، الذين لا يصدق جزء منهم الرواية السائدة عما حدث، أو يساورهم الشك في شأنها بسبب روايات تناقلها البعض بتصوير مشاهد نقلتها قناة "فوكس" لعدد من الشباب يحتفلون عقب انهيار برجي مركز التجارة واتضح في ما بعد أنهم إسرائيليون، وكتب ومقالات أخرى شككت في إمكان انهيار البرجين من أعلى لأسفل نتيجة اصطدام بطائرة وترجيحهم بوجود عملية منظمة لتدمير أساسات البرجين، وعدم وجود صور لبقايا الطائرة التي اصطدمت بمبنى "البنتاغون".
يعزو الخبراء مثل أستاذة الإعلام والسياسات العامة في كلية "كينيدي" بجامعة "هارفرد" نانسي جيبس انتشار هذه الأفكار بصورة أوسع في السنوات الأخيرة إلى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات التزييف العميق والمعلومات المضللة، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، وعدم الثقة في السلطات، فضلاً عن الاستقطاب السياسي الحاد، ووجود مسؤولين دأبوا على الكذب أو تحريف الحقائق لخلق بيئة تدفع الناس باستمرار للتشكيك في الروايات التي تعرض عليهم، مما سهل بصورة كبيرة انتشار مثل هذه الأفكار.
وعلى سبيل المثال، كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوغوف" بالتعاون مع مجلة "إيكونوميست" في أواخر عام 2023، أن 28 في المئة ممن تراوح أعمارهم ما بين 18 و29 سنة وافقوا على مقولة إن "اليهود يتمتعون بسلطة مفرطة في أميركا"، مقارنة بأقل من ستة في المئة فقط بين من تجاوزوا سن الـ65.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتهم منظمة مكافحة التشهير اليهودية عدداً من الشخصيات اليمينية المتطرفة بالترويج لنظريات المؤامرة التي تتضمن معاداة السامية، بما في ذلك هجمات الـ11 من سبتمبر، ومن بين هذه الشخصيات تاكر كارلسون المذيع السابق في شبكة "فوكس نيوز" الذي تحول إلى شخصية إعلامية مستقلة، وكانديس أوينز، ونيك فوينتس، وداريل كوبر، وبيتر بريميلو، وإيان كارول.
يستغل هؤلاء التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط لنشر نظريات مؤامرة خبيثة حول إسرائيل واليهود، ومن بينها مزاعم بأن إسرائيل كانت تمتلك معلومات مسبقة عن هجمات الـ11 من سبتمبر، لكنها تعمدت عدم مشاركتها، وأنها دبرت تورط الولايات المتحدة في صراعات أخرى تالية في العراق وإيران من خلال توفير معلومات استخباراتية ملفقة، وتركيزهم على إضفاء الشرعية على فكرة أن إسرائيل أو جهات صهيونية تمارس سيطرة خفية وخبيثة على الحكومة الأميركية، وهي سردية تآمرية ارتبطت تاريخياً بجماعات تؤمن بتفوق العرق الأبيض التي صاغت مصطلح "زوغ" (أي الحكومة الخاضعة للسيطرة الصهيونية)، لكنها انتشرت منذ ذلك الحين على نطاق واسع عبر الطيف السياسي، وتبنتها أطراف من أقصى اليمين وأقصى اليسار.
التذكر لا السياسة
وسط هذا الجدل، ركز عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني على أن مراسم إحياء ذكرى الـ11 من سبتمبر يجب أن تتمحور حول تذكر الضحايا الذين قتلوا وحياتهم وعائلاتهم لا السياسة، مشيراً إلى المسؤولية التي تقع على عاتق سكان نيويورك ومسؤوليها وحبهم المدينة ذاتها التي سعوا لحمايتها.
وفي ظل استمرار معاناة الآلاف من الأشخاص من أمراض مرتبطة بأحداث الـ11 من سبتمبر، أفرجت مدينة نيويورك عن أكثر من 170 ألف صفحة من الوثائق التي تكشف عن أن المسؤولين ضللوا السكان مراراً في شأن مستويات جودة الهواء وسميته عقب هجمات الـ11 من سبتمبر، إذ تشير الوثائق إلى أن المسؤولين طمأنوا السكان القاطنين قرب موقع "غراوند زيرو" (موقع الهجوم) بأن الهواء آمن، على رغم وجود بيانات داخلية وتجارب واقعية للسكان تناقض تلك المزاعم، مما فتح مجالاً واسعاً للجدال حول نزاهة الإجراءات التي اتبعت سابقا وقت وبعد أحداث سبتمبر.
المسلمون تحت المجهر
في أعقاب الهجمات الإرهابية، عانى المسلمون والأميركيون من أصول عربية تضييقاً أمنياً واسع النطاق بسبب أن المهاجمين من تنظيم "القاعدة" كانوا ينتمون للشرق الأوسط، ولهذا شددت السلطات الفيدرالية مراقبتها للمسلمين والعرب، وأطلق راي كيلي، مفوض شرطة نيويورك آنذاك، برنامجاً لمكافحة الإرهاب تضمن زرع مخبرين في مواقع مثل المساجد، مما أثار تساؤلات عما إذا كان زهران ممداني وهو أول عمدة مسلم لنيويورك سيؤيد توسيع نطاق أنشطة المراقبة في المدينة إذا رأت شرطة نيويورك ضرورة ذلك لمنع وقوع هجوم.
وفي وقت أكد ممداني قدرة أجهزة الأمن في المدينة على الحفاظ على أمنها مع احترام حقوق سكانها في الوقت نفسه انتقد ممداني وصم الناس في الماضي بأنهم مثيرون للريبة لمجرد انتمائهم الديني أو معتقدهم، مؤكداً أن هذا أمر غير مقبول، لكنه أشاد بما تقوم به شرطة نيويورك اليوم من احترام لتلك الحقوق وتحقيق للأمن العام.
وعلى رغم أن الريبة تجاه الإسلام في السياسة الأميركية تسبق الـ11 من سبتمبر، فإن أحداث ذلك اليوم رسخت تلك الريبة وحولتها إلى أمر دائم، على افتراض مفاده بأن المسلمين أنفسهم يشكلون خطراً، إذ بات ينظر إلى الممارسات الدينية الإسلامية العادية في بعض الولايات على أنها تهديدات سياسية، ففي تكساس، يتعامل المسؤولون المنتخبون حتى الآن في جميع أنحاء الولاية مع الممارسات الدينية الإسلامية العادية مثل الصلاة، والزي، واستشارات الزواج، وحتى المساجد نفسها، باعتبارها دليلاً على وجود تهديد سياسي، ويصرحون بذلك علناً، وتؤكد أسماء أودين الأستاذة المساعدة في القانون، بجامعة ولاية ميشيغان.
وعلى سبيل المثال قال بو فرينش المرشح الجمهوري لمنصب مفوض السكك الحديد في تكساس، على وسائل التواصل الاجتماعي في يونيو (حزيران) عام 2026 أنه لن يهدأ له بال حتى يرحل كل مسلم، ومنذ أواخر عام 2025، حقق مسؤولو تكساس في خطط لإنشاء مجمع سكني صديق للمسلمين خارج دالاس، وكذلك في منظمة صغيرة في المدينة تقدم استشارات دينية في شأن الطلاق، وسحب الحاكم غريغ أبوت في مايو (أيار) عام 2026، تمويلاً حكومياً بقيمة 530 ألف دولار من مدينة "غراند بريري" ما لم تلغ المدينة احتفالاً خاصاً بعيد الفطر في حديقة مائية، وهدد بحجب التمويل عن مطار دالاس فورت وورث الدولي ما لم يتخل عن خطط لإنشاء أماكن للوضوء للمسلمين، وأوضح عضو مجلس نواب الولاية آلان سكولكرافت، وهو جمهوري يشارك في قيادة "تكتل تكساس الخالية من الشريعة الإسلامية" هذا التمييز بصورة صريحة، إذ قال لصحيفة "هيوستن كرونيكل" إن قلقه لا علاقة له بالإيمان أو الدين، بل يتعلق بالاختلافات الثقافية، ورفض الاندماج، ومحاولة تأسيس ثقافة موازية.
وذكر أن المشرعين يعتزمون محاولة تحديد ما يعد ديناً، مجادلاً بأن الإسلام هو "أكثر من مجرد دين" من دون أن يوضح أين يقع الخط الفاصل بين الإسلام كدين والإسلام كثقافة أو سياسة، أو أي الممارسات الإسلامية ستفقد الحماية التي تمنح عادة للممارسات الدينية، مما يشير إلى أن عديد من السياسيين الأميركيين يعمدون حتى الآن إلى تصوير الممارسات الدينية الإسلامية العادية على أنها ممارسات سياسية أو تشكل تهديداً.
برز الادعاء بأن الإسلام لا يعد ديناً في وقت مبكر وبصورة صريح في مدينة مورفريسبورو بولاية تينيسي، ففي عام 2010، جادل معارضو المركز الإسلامي هناك بأن المركز لا يستحق الحماية التي يكفلها التعديل الأول للدستور، بدعوى أن الإسلام أيديولوجيا سياسية تسعى إلى الهيمنة العالمية الشاملة وليس ديناً، ورداً على ذلك، قدمت وزارة العدل الأميركية مذكرة وصفت هذا الادعاء بأنه سخيف، وافتتح المركز عام 2012، ورفضت المحكمة العليا إعادة النظر في القضية عام 2014.
الدروس المستفادة
غير أن الذكرى الـ25 لأحداث سبتمبر عام 2001 كانت فرصة جيدة لتمحيص الدروس الأمنية المستفادة من هذا الحدث، إذ أصدر عدد من الخبراء في مجالات الأمن القومي والتكنولوجيا والسياسات العامة في مؤسسة "راند" المرموقة تقريراً استعرض أهم الدروس من جهود الأمن الداخلي التي تلت هجمات الـ11 من سبتمبر الإرهابية ومن أبرزها أهمية تجاوز العقبات البيروقراطية، فقد أتاحت التشريعات التي تلت أحداث الـ11 من سبتمبر، مثل إنشاء وزارة الأمن الداخلي وإصلاح أجهزة الاستخبارات، سبلاً جديدة للتغلب على الجمود البيروقراطي، لكنها أدت أيضاً إلى نشوء نظام مجزأ وغير متجانس كان يركز في بداياته بصورة شبه حصرية على مكافحة الإرهاب.
وفي غياب المحفز الموحد الذي يوفره عادة حدث كارثي واحد مثل أحداث سبتمبر، تواجه المنظومة الأمنية الآن تحدي إعادة توجيه جهودها لتلائم مشهداً تتعدد فيه الأخطار، مثل التهديدات السيبرانية، وأزمات المناخ.
مع تلاشي حال الوحدة الوطنية التي سادت عقب هجمات الـ11 من سبتمبر بمرور الوقت، حلت محلها الآن انقسامات سياسية وتشتت في الرقابة البرلمانية في الكونغرس، مما زاد من تعقيد عمليات التخطيط طويل الأمد للأمن الداخلي، مما يتطلب مراجعة دقيقة وواعية.
ومن بين الدروس المهمة أيضاً، وعلى رغم أهمية الأمن المادي وتقنيات كاميرات المراقبة وغيرها من الوسائل الأخرى، يأتي تعزيز جهود الوقاية المجتمعية كنقطة مركزية ذات أولوية خاصة، كالكشف المبكر عن مؤشرات الخطر وتوفير التدخل السلوكي أو الاستشارات التي تعد من أكثر الوسائل فاعلية لحماية الأهداف الرخوة مثل المواقع المدنية المفتوحة، مع التركيز على الدفاع متعدد الطبقات حيث تتكامل تدابير الأمن المادي مثل إقفال الأبواب، والمداخل الآمنة، والحواجز، وتنظيم المسافات بين الحشود، مع آليات الكشف المبكر، بخاصة أن معظم الهجمات الجماعية التي تنفذها جهات غير حكومية، تنبع من مظالم شخصية، وليس من دوافع سياسية أو أيديولوجية.
ومع نجاح نموذج الدفاع المتعدد الطبقات الذي تتبعه إدارة أمن النقل (تي أس أي) في منع وقوع هجمات كبرى تستهدف الطيران التجاري المنطلق من المطارات الأميركية منذ أحداث الـ11 من سبتمبر، تسهم أنظمة التحقق من الخلفية بفاعلية في الحد من التهديدات الداخلية، ويعتمد مستقبل سلامة النقل بصورة كبيرة على دمج تقنيات الكشف الكيماوي والفيزيائي المتقدمة، وإعادة تصميم العمليات التشغيلية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بمسؤولية.
يشكل التطور الناشئ في أنظمة الطائرات المسيرة خطورة متزايدة من التهديد، إذ بفضل التحسينات التي طرأت على عمر البطاريات التجارية، والبصريات، وقدرة الحمولة، وأنظمة الملاحة الذاتية عبر نظام تحديد المواقع العالمي، أصبحت الطائرات المسيرة تهديداً منخفض الكلفة وعالي القدرات يتيح إمكان إيصال المتفجرات أو المواد الكيماوية ضد أهداف مدنية أو بنية تحتية حيوية، لذا يتطلب الدفاع الفعال عن الولايات المتحدة توسيع صلاحيات مكافحة الطائرات المسيرة، وتوفير أنظمة استشعار سريعة الكشف، وتطبيق تدابير مضادة حركية وإلكترونية على مستوى الوكالات الفيدرالية والمحلية وفي مختلف الولايات.