ملخص
وقّعت الحكومة الإثيوبية في أغسطس (آب) 1957 مع مكتب الاستصلاح الأميركي اتفاقية لإجراء مسح شامل للموارد الأرضية والمائية لحوض النيل الأزرق، حيث عمل الخبراء الأميركيون بين 1958 و1963 على جمع البيانات ودراسة كيفية الاستفادة من مياه النيل الأزرق في الري وتوليد الطاقة، وصدر التقرير النهائي في يونيو (حزيران) 1964، فما هو هذا التقرير؟ وما تفاصيله. وهل التزمت أديس أبابا بما جاء في الدراسة؟
تجدد النزاع بين مصر وإثيوبيا في الأيام الأخيرة، ليس بشأن سد النهضة الذي لم تحل الخلافات حوله، إنما بسبب ثلاثة سدود جديدة تعتزم أديس أبابا تشييدها لـ"التحكم في تدفق مياه النيل" وفق تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا. لكن مخطط إنشاء أربعة سدود على نهر النيل ليس مفاجئاً لمصر، ولم يكن جديداً على الفكر الإثيوبي، إذ يستند إلى دراسة عمرها أكثر من 60 عاماً، وتتخذها الحكومات الإثيوبية المتعاقبة مرجعاً للسيطرة على النيل، فيما تعد جرس إنذار للخطر على الأمن المائي المصري في حال إكمال السدود الثلاثة المتبقية من الخطة.
بعد عام من إعلان مصر عزمها بناء سد ضخم على نهر النيل، وقّعت الحكومة الإثيوبية في أغسطس (آب) 1957 مع مكتب الاستصلاح الأميركي اتفاقية لإجراء مسح شامل للموارد الأرضية والمائية لحوض النيل الأزرق، حيث عمل الخبراء الأميركيون بين 1958 و1963 على جمع البيانات ودراسة كيفية الاستفادة من مياه النيل الأزرق في الري وتوليد الطاقة، وصدر التقرير النهائي في يونيو (حزيران) 1964.
أوصت الدراسة بتنفيذ 33 مشروعاً تشمل الري وتوليد ونقل الطاقة وغيرها من الأغراض، من بينها أربعة سدود كبرى على النهر، هي: كارادوبى ومابيل ومندايا، إضافة إلى سد الحدود الذي شيدته إثيوبيا لاحقاً باسم سد النهضة، إذ حددت الدراسة موقع ومواصفات وتكلفة كل مشروع بالتفصيل، وفق ما اطلعت عليه "اندبندنت عربية".
ويتألف التقرير الرئيس للدراسة في أكثر من 300 صفحة إلى جانب عشرات الصفحات من الخرائط والصور لمناطق منابع النيل في إثيوبيا، كما يحتوي أيضاً على دراسات اقتصادية لكلفة المشروعات المقترحة والعائد المتوقع منها. وإلى جانب التقرير الرئيس أعد الخبراء الأميركيون 6 ملاحق مفصلة، كل منها عن جانب محدد من الدراسة، وهي الخطط والتقديرات، والجيولوجيا، والهيدرولوجيا، وتصنيف الأراضي، والطاقة، والزراعة والاقتصاد.
4 سدود في واحد
خلصت الدراسة إلى أن السدود الأربعة على المجرى الرئيس للنيل الأزرق قد توفر طاقة كهربية بإجمال 5570 ميغاوات، وتزداد طاقة التوليد إلى 8660 ميغاوات إذا جرى استكمال المشروعات الأصغر على الروافد، كما ذكرت أن مشروعات الري المقترحة يمكنها ري 433.754 هكتاراً من الأراضي الزراعية (أكثر من مليون فدان). لكن التقرير حذر في الوقت ذاته من أن عديداً من المشروعات كانت أكبر من القدرات المالية والفنية والإدارية لإثيوبيا في ذلك الوقت، ولذلك أوصى بالتنفيذ "التدريجي".
اللافت أن إجمال السعة التخزينية للسدود الأربعة في الدراسة الأميركية بلغت 73 مليار متر مكعب، وهو ما يقل عن سعة بحيرة خزان سد النهضة وحده، التي تسع 74 مليار متر مكعب من المياه، وفق الأرقام الرسمية الإثيوبية. كما أن قدرة توليد الكهرباء وفق تصميم سد النهضة تبلغ 5150 ميغاوات، ما يعادل أكثر من 90 في المئة من قدرة التوليد للسدود الأربعة مجتمعة وفق الدراسة الأميركية، وهو ما يعني أن الحكومة الإثيوبية اختصرت الأربعة سدود تقريباً في سد واحد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن، أديس أبابا لم تكتف بذلك، بل تسعى إلى بناء سدود إضافية على النيل الأزرق ضمن خطط تحويل البلاد إلى مركز لتصدير الطاقة الكهرومائية إلى الدول المجاورة، بعد الانتهاء من سد النهضة. وذكرت تقارير إعلامية إثيوبية قبل عدة أشهر أن الحكومة تعدّ لمشروع "شلال النيل الأزرق"، الذي يستهدف إنشاء ثلاثة سدود على النيل الأزرق خلال سبعة أعوام، باستثمارات 10.5 مليار دولار.
يقول مستشار وزير الري المصري الأسبق ضياء القوصي، إن فكرة بناء السدود الإثيوبية على النيل الأزرق بدأت عام 1963 بالتزامن مع ما سماه "مخطط أميركي لعرقلة تقدم مصر في بناء السد العالي". مضيفاً لـ"اندبندنت عربية"، أن الهدف حينها كان تقليص حصة مصر من مياه نهر النيل التي نصت عليها اتفاقية 1959 بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، وتبلغ 55.5 مليار متر مكعب.
وأشار القوصي إلى أن الحكومة الإثيوبية غيرت تصميمات سد النهضة، عما كان يطلق عليه سد الحدود في الدراسة الأميركية، إذ زادت ارتفاعه من 90 متراً ليصبح 145 متراً، إضافة إلى إنشاء سد السرج الذي زاد من السعة التخزينية لبحيرة السد لتسع 74 مليار متر مكعب بدلاً من 11 مليار وفق المخطط القديم.
وعن السيناريو الأسوأ على الأمن المائي المصري، وهو اكتمال بناء الأربعة سدود على مجرى النيل، قال مستشار وزير الري المصري الأسبق إن السماح ببناء تلك السدود يعد "انتحاراً" بالنسبة إلى مصر. موضحاً أن السدود الأربعة بينها سد النهضة ستصل سعتها التخزينية إلى 200 مليار متر مكعب، بما يعادل الإيراد المائي لمصر لمدة أربعة أعوام، وعدم وصول المياه طوال هذه المدة يعني حدوث جفاف في مصر، وتوقع ألا تسمح القاهرة بهذا السيناريو، وأن تتحرك مصر والسودان في حال وضع "حجر واحد" في أي سد جديد.
وتابع مستشار وزير الري المصري الأسبق أن بناء سدود جديدة يحمل أخطاراً أيضاً على إثيوبيا، إذ سيؤدي إلى زيادة التدفق المائي وتراكم الطمي على سد النهضة خلال فترة بناء السدود الأخرى، وهو ما قد يقلل العمر الافتراضي للسد إلى 20 عاماً، وفق تقديره.
قبل 60 عاماً كان التقرير الأميركي يحمل صورة أكثر تفاؤلاً بكثير بشأن التعاون بين إثيوبيا ودولتي المصب مصر والسودان، إذ قدر أن المشاريع على النهر ستقلل نحو 5.4 مليار متر مكعب من المياه الواصلة إلى الحدود السودانية سنوياً، أي نحو 10 في المئة من إيراد النيل، كما ذكر أن تنظيم حركة النهر سيفيد مصر والسودان وستحجز كميات كبيرة من الطمي، وبخاصة من خلال سد كارادوبي، أول نهر في أعالي النيل.
وذكر التقرير أن كفاءة إدارة المنشآت الإثيوبية سيفيد في إطالة العمر الافتراضي لخزانات المياه في مصر والسودان ويوفر إمدادات مائية مضمونة في سنوات الجفاف، إضافة إلى توفير مصدر طاقة كهربائية يتيح لدول المصب استخدام كميات أكبر من المياه الواصلة إليها في الري الزراعي.
ويتناقض الواقع حالياً مع الصورة المتفائلة التي رسمتها الدراسة، إذ فشلت مصر والسودان وإثيوبيا في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تدفق النهر في فترات الجفاف بعد إنشاء سد النهضة، رغم عديد من جولات التفاوض لأكثر من 10 أعوام، وانتهت عام 2023 بإعلان القاهرة فشل المفاوضات واحتفاظها بحقها في "الدفاع عن أمنها المائي والقومي في حالة تعرضه للضرر". وافتتحت إثيوبيا سد النهضة رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2025 بعد 14 عاماً من بدء أعمال البناء، وهو أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا.
تعديل في المواصفات
وأكد أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي أن توجه إثيوبيا إلى استكمال خطة بناء السدود له علاقة بتطورات اقتصادية وحاجتها إلى توليد الكهرباء وغيرها من الاحتياجات الاقتصادية، إضافة إلى تطورات جيوسياسية تتعدى الجوانب الفنية. مضيفاً لـ"اندبندنت عربية"، أن الحكومة الإثيوبية عدّلت في مواصفات سد النهضة لزيادة التحكم في المياه، كما غيرت موقع أحد السدود الثلاثة الأخرى ليصبح أكثر ملاءمة.
وأشار شراقي إلى أن مصر ليست ضد بناء إثيوبيا للسدود على النيل الأزرق، لكنها تطلب أن تبنى بمواصفات معينة لا تؤثر في حصتها المائية من نهر النيل، مؤكداً أنه إذا كانت مصر قد تنازلت بالموافقة على بناء سد النهضة بموجب اتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015 فإن تنازل القاهرة في ما يتعلق ببناء بعض السدود الإثيوبية "له حدود".
كان وزير الري المصري هاني سويلم قد أكد رفض مصر أي تحركات أحادية جديدة على نهر النيل، بما في ذلك إنشاء سدود إضافية "إذا كان من شأنها الإضرار بمصالح دولتي المصب"، وفق تعبيره في تصريحات صحافية.
وقال إن مصر تتعامل مع سد النهضة باعتباره "سداً غير شرعي"، لأنه "لا يقوم على أساس التعاون"، بل أنشئ من دون تنسيق مع مصر والسودان. موضحاً أن مصر لا تعارض حق دول حوض النيل في التنمية، لكنها لن تسمح بالمُضي في إنشاء سدود جديدة أو اتخاذ إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بمصالح دول المصب.
كانت وكالة "أنباء الشرق الأوسط" الرسمية في مصر قد نقلت عن مصدر مسؤول لم تسمه قوله إن "نهر النيل ليس ملكاً لدولة بعينها"، وإن "أوهام السيطرة عليه أو التحكم المنفرد في تدفقاته تتعارض بصورة صارخة مع القواعد المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة"، مشدداً على أن مصر سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن الدولي، أنها "ستتخذ التدابير كافة المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل".