ملخص
في فيلمين عربيين يلتقيان هذا العام في مهرجان البندقية السينمائي (من الثاني إلى الـ12 من سبتمبر/ أيلول الجاري)، تأتي الحكاية من بقعتين مختلفتين لهما حضور قوي في صياغة الأحداث: قرية مصرية محاطة بالحقول، ومدينة لبنانية أنهكها الانهيار المالي.
في فيلم "البرانية" للمصرية أشجان الهمص، يلوح التهديد في الأفق، ويتسلل إلى عائلة تواجه فقدان أرضها. أما في "غضب" للبناني رامي قديح، فالخطر صريح وينفجر في وجه المواطنين العاجزين، ويتمثل في المصارف التي حجزت أموالهم، وفي النظام السياسي والاقتصادي الذي يرزحون تحته، لتتيح الأزمة تدريجاً، مسحاً شاملاً لمجتمع مأزوم. الفيلمان يلتقيان عند موضوع الخسارة، على صورها واختلاف تأثيرها في الأفراد والجماعات.
في "البرانية"، المعروض ضمن قسم "أيام المؤلفين" في المهرجان، تذهب أشجان الهمص إلى قرية تنتمي إليها عائلتها، وتبني فيلمها من تفاصيل الحياة اليومية بعيداً من الأحداث الكبرى. عائلة من أربعة أجيال، أب متمسك بأرضه، أم تعرف حدود الحياة المتوافرة لها، وابنة تطلع إلى المدينة كاحتمال لحياة أخرى. وسط هذه البيئة يظهر رجل يريد شراء الأرض. تبدو المسألة في البداية صفقة عادية، لكنها تكتسب تدريجاً معنى أوسع، ذلك أن الأرض أكثر من عقار يمكن استبداله بشقة، إنها ذاكرة وهوية.
الفيلم قوته في هدوئه وفي اعتماده على التفاصيل. الهمص تمنع نفسها من تحويل الفقر إلى مشهد استعراضي، ولا تتعامل مع شخصياتها باعتبارها نماذج اجتماعية دالة. ثمة حنان واضح في علاقتها بها واكتراث شديد بما تتناوله كاميراها التي تراقب حياة قائمة بالفعل، لا حياة أنشئت خصيصاً للفيلم.
تستخدم المخرجة أسلوباً قريباً من الوثائقي، مع إعادة بعض المواقف، لكن التكرار هنا ليس حشواً، إذ في كل عودة إلى المشهد تتعمق علاقتنا بالشخصيات والمكان. طوال الفيلم ينتابنا إحساس بأن كارثة ما تقترب، لكن الكارثة لا تأتي بالصورة التقليدية. لا مأساة من شأنها انتزاع التعاطف والدموع. الخطر يقع بالأحرى في التأكل البطيء لعالم كامل على شفير الاختفاء.
الأرض مركز الفيلم الحقيقي. مقابلها تأتي المدينة بوعدها بالحياة العصرية. لكن الوالدان يختصران موقفاً طبقياً وثقافياً بأكمله حين يرفضان ذلك. وعلى رغم هذا كله، لا يقع الفيلم في حنين ساذج إلى الريف، هو يعرف أن الرحيل سيأتي، وأن أبناء هذه العائلة قد لا يستطيعون البقاء. صحيح أن المدينة تغريهم، لكنها لا تقدم بالضرورة الخلاص.
من أجمل ما في الفيلم انه يلتقط الطقوس والعلاقات الصغيرة. المائدة، والجلوس الجماعي، والمزاح، ومراقبة التلفزيون، والعزاء، وحتى العمل في الحقول، كلها تتحول إلى عناصر درامية. لا تحتاج الهمص إلى شرح المجتمع، يكفي أن تتركه يتكلم ويعيش أمامنا.
"غضب" لبناني
على الضفة الأخرى يأتي "غضب" لرامي قديح، المشارك في قسم "سبوتلايت"، أكثر صخباً وقسوة وسرعة. يستلهم الفيلم واقعة اقتحام مصرف لبناني للمطالبة بوديعة محتجزة، ويحولها إلى فيلم سطو مشحون بالتوتر طوال أكثر من ساعتين. شقيقتان (ماريا ناكوزي وريم مروة) في قلب الحكاية. القضية: مرض وحاجة إلى المال المحجوز، ومصرف يرفض إعادة أموال أصحابها. ومن هذه الحكاية ينفتح الفيلم على المعاناة اللبنانية.
ولدت فكرة الفيلم عندما بعث رامي قديح برسالة نصية إلى صديق عام 2019، عندما توقفت المصارف اللبنانية عن إعادة أموال المودعين: "هل علي أن أكتب فيلماً عن سرقة أموالي بنفسي، أي أموالي التي سرقها المصرف مني؟". يروي أنها كانت مجرد أمنية خيالية جاءت من انفعال وغضب حقيقيين. "مثل ملايين اللبنانيين، كانت مدخرات حياتي عالقة في المصرف، وسط أزمة اقتصادية تغذيها منظومة الفساد، هي الأسوأ في تاريخ لبنان الحديث. كانت زوجتي وشريكة كتابة الفيلم، نورا، في حاجة إلى عملية جراحية، لكننا لم نتمكن من إجرائها لأن المصرف رفض أن يتيح لنا الوصول إلى أموالنا. يستكشف الفيلم كيف يمكن للفساد أن يتسرب إلى حياة الناس العاديين، وأن يقتحم تفاصيلها اليومية".
لكن قديح لا يكتفي بتصوير الأزمة المصرفية، فهذه وحدها لا تصنع فيلماً روائياً. المصرف هنا بوابة إلى مجتمع يحمل عقلية الحرب والميليشيات. الزعران وعجز السلطة والطائفية، كلها تتسلل إلى الحكاية من دون أن تتحول إلى محاضرة سياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يستخدم الفيلم أدوات "سينما النوع"، وخصوصاً فيلم السطو، ليحكي عن واقع لبناني شديد الخصوصية. التشويق انعكاس لعالم لا يتيح لشخصياته وقتاً طويلاً للتفكير. عليها أن تتحرك، أن تخاطر، وأن تتطرف في خياراتها لأن الخيارات العادية لم تعد متاحة.
بصرياً، يذهب الفيلم في الاتجاه نفسه. الألوان الباردة تمنح العالم مظهراً بالنزول إلى القاع. في حين النار، المتكررة في الفيلم، علامة على الوصول إلى مرحلة لا يعود فيها الخلاص ممكناً إلا عبر التدمير. يبرع الفيلم في نسج الحكاية وفي تقديم الشخصيات وفي القدرة على استخدام قصة فردية ليطل منها على مجتمع كامل.
إذا كان "البرانية" يروي الخوف من فقدان الأرض، فإن "غضب"، يروي الخوف من فقدان المال والكرامة والأمان. في الفيلم المصري، يأتي الاقتلاع على مراحل طويلة، وفي الفيلم اللبناني، يحدث الاقتلاع أمام أعيننا. لكن النتيجة واحدة تقريباً: عالم يضيق ويخنق الشخصيات حتى يصبح الرحيل الاحتمال الأقوى.
كلاهما ينظر إلى بلد عربي، بعيداً من الشعارات الوطنية الكبرى. مصر التي نراها في "البرانية" ليست الأهرام ولا الجونة، ولبنان "غضب" ليس البحر ولا بيروت المشهورة بـ"النايتلايف". إنها مصر العائلة والأرض والعمل بالسخرة، ولبنان الضائقة المالية والميليشيات وجوازات السفر المزورة. من خلال هذين العملين، الجميلين، كل في مجاله، ترسم السينما العربية في مهرجان البندقية صورتين لمجتمعين يبحثان عن مخرج من عالم لم يعد يمنح أبناءه كثيراً من الخيارات.