ملخص
يرى فلسطينيون ممن قطعت عنهم المساعدات الغذائية أن إعادة النظر في منظومة المساعدات، وربط الإغاثة بفك الحصار الاقتصادي والسيطرة على الموارد المحلية، لم يعد خياراً ثانوياً أو تحسينياً، بل هو ضرورة حيوية لوقف الانحدار نحو أزمةٍ صحية وبشرية شامِلة يُدفع ثمنها من أجساد وأعمار الأجيال القادمة.
في ساعات الصباح الأولى، لا تبدأ أروى عوض (35 سنة) يومها في قريتها المحاطة بالبوابات الحديدية شرق رام الله بالتفكير في ما يشتهيه أطفالها الثلاثة، بل بتمرينٍ إجباري في الرياضيات القاسية. تقف أمام خزانة المطبخ، تفتح علبة الطحين، وتزن نظراتها بين ما تبقى فيها وبين نهاية سبتمبر (أيلول) الجاري. على الطاولة نصف رغيف خبز، وقليل من الزيت والزعتر، وعلبة من الحمص المجفف تُغلى للمرة الثانية لتكتسب طعماً مرقاً. تقول الأم وهي تحاول إخفاء توترها عن أطفالها أثناء إعداد حقائب المدرسة "في السابق، كان يوم الجمعة يعني طبخة دجاج أو لحم، وكانت الثلاجة تحوي على البيض واللبن كشيء طبيعي لا نُفكر في كلفته. اليوم، أصبح السؤال: كيف نجعل كيلو الطحين يكفي يومين بدل يوم؟ وكيف نُقنع الصغار بأن البطاطا والخبز وجبة كاملة؟".
قصة عوض ليست حالاً فردية أو مجرد ضائقةٍ معيشية عابرة، إنها شريحة حية تمثل واقع أكثر من 160 ألف فلسطيني في الضفة الغربية وجدوا أنفسهم فجأة أمام قرارٍ حادٍ صادر عن برنامج الأغذية العالمي (WFP) بتقليص المساعدات الغذائية إلى النصف. قرارٌ نزل كالصاعقة على مجتمع يُعاني أصلاً شللاً اقتصادياً وتراجعاً حاداً في الدخل طاول 76 في المئة من العائلات. لم يعد الجوع هنا مجرد بطونٍ فارغة تبحث عن كسرة خبز، بل تحول إلى جراحة صامتة تُجرى يومياً داخل المطبخ لتقليم طبق الطعام الفلسطيني، وتجريده من كل ما يمنح الجسد القدرة على النمو والمقاومة.
أزمة إغاثية
يمتد وجود برنامج الأغذية العالمي في الأراضي الفلسطينية إلى عام 1991، إذ بدأ كتدخلٍ إشرافي طارئ يهدف إلى سد الفجوات التموينية للفئات الأكثر فقراً وغير اللاجئة (باعتبار أن "الأونروا" تتكفل باللاجئين). لكن هذا التدخل لم يعد طارئاً مع مرور العقود، بل تحول إلى صمام أمان بنيوي يعتمد عليه مئات الآلاف للبقاء على قيد الحياة. ومر الاعتماد على المساعدات الغذائية، التي تقدمها المنظمة، بثلاث موجات تحولٍ كبرى، بدأت الأولى مع اندلاع الانتفاضة الثانية (2000 - 2002) وما رافقها من إغلاق لسوق العمل داخل الخط الأخضر وفرض حظر التجول، مما حوّل عشرات آلاف العمال المعتمدين على أجورهم اليومية إلى الفقر المدقع. في ما استشرت الموجة الثانية عند اكتمال بناء جدار الضم والتوسع (2006 -2007) وتقطيع أوصال الضفة الغربية عبر مئات الحواجز، مما أدى إلى عزلة القرى في مناطق "جيم" عن أسواقها الطبيعية وفقدان المزارعين أراضيهم. أما الثالثة فتزامنت مع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة (2020 - 2026)، وتوقف المقاصة (أموال الضرائب)، وانقطاع الأجور، والتصعيد الأمني الميداني الذي أدى إلى تجفيف السيولة النقدية وتدهور القوة الشرائية لمستويات غير مسبوقة.
وجاء قرار تقليص المساعدات بنسبة 50 في المئة ليضع العائلات بين فكين، فالبرنامج يُقدم دعمه إما عبر المساعدات العينية المباشرة (طحين، زيت نباتي، بقوليات، ملح) في المناطق الرعوية والبدوية المعزولة، أو البطاقات الإلكترونية في القرى والمدن. وبموجب التقليص، تقلصت القيمة الشرائية لهذه البطاقات والسلال إلى النصف، مما أجبر الأسر على اقتطاع نصف موازنتها التموينية في لحظةٍ تعجز فيها السوق المحلية عن توفير البديل.
المفاضلة القاسية
عندما ينخفض الدخل وتُقطع المساعدات، لا يتوقف الاستهلاك الإنساني بل يتغير سلوكه التحويلي. ويُطلق خبراء الاقتصاد والاجتماع على هذه الظاهرة اسم "اقتصاد السعرات الحرارية"، إذ يتخلى الإنسان عن نوعية الطعام للتركيز حصراً على كميته وحجم امتلاء المعدة. وهنا باتت الأسرة الفلسطينية تخوض صباح كل يوم عملية مفاضلة رياضية معقدة لشراء أكبر كمية ممكنة من الشبع بأقل عدد ممكن من الشيكلات. هذه المفاضلة فرضت نسقاً جديداً لإعادة تقسيم المائدة، إذ تراجعت اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك كلياً من القائمة الأسبوعية، واستُبدلت بالطحين والرز والمعكرونة والبطاطا. ليس بهدف بناء الأنسجة أو تقوية العضلات، بل لتأمين كتلة نشوية ثقيلة تستغرق وقتاً في الهضم لإطفاء نداء الجوع. وأصبحت الفاكهة كماليات مهجورة، واقتصر شراء الخضراوات على صنف أو اثنين من الأصناف الأساسية الرخيصة (البصل والبطاطا والبندورة في أدنى أسعارها)، مع تغييبٍ كامل للورقيات والمغذيات الغنية بالفيتامينات. وارتفعت نسبة استهلاك الزيوت النباتية والسكر الأبيض لكونهما يوفران "سعرات حرارية مكثفة وسريعة" بكلفةٍ مالية ضئيلة جداً مقارنة بمصادر الطاقة الصحية.
الجوع الخفي
كنتيجة مباشرة لـ"اقتصاد السعرات" وقعت مئات العائلات الفلسطينية في مصيدة طبية تُعرف بـ"الجوع الخفي"، فالطفل الذي يأكل الخبز والرز يومياً قد لا يصرخ من ألم الجوع المباشر، لكنه أصبح يتضور جوعاً للميكرونيوترينتس (الفيتامينات والمعادن الأساسية). وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) بالتكامل مع بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS) أن الخلل في نوعية الغذاء بدأ ينتج خريطة مرضية جديدة في الضفة الغربية، إذ تتراوح نسبة فقر الدم بين الأطفال دون سن الخامسة في الضفة الغربية بين 30 و35 في المئة، بينما تتجاوز 38 في المئة بين النساء الحوامل والمُرضعات. ويعود السبب المباشر إلى غياب "الحديد الهيمي" الموجود حصراً في البروتين الحيواني، الذي يتميز بكفاءة امتصاص عالية داخل الجسم، والاستعاضة عنه بنشوياتٍ تحوي على مضادات تغذية (مثل حمض الفيتيك) تعوق امتصاص المقادير الشحيحة المتبقية من الحديد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتسجل التقارير الأممية أن نسبة التقزم (قصر القامة الشديد مقارنة بالعمر نتيجة النقص التراكمي للبروتين والميكرونيوترينتس) تطاول نحو سبعة إلى ثمانية في المئة من أطفال الضفة الغربية. وهذا المرض النموي يعد تلفاً دائماً غير قابلٍ للاسترجاع إذا لم يتم تداركه قبل سن العامين، مما يعني الحكم على جيلٍ كامل بضعف البنية الجسدية والقدرات الذهنية. ونقص عناصر الزنك وفيتامين A وفيتامين D الناجم عن غياب الألبان الطبيعية والبيض والخضراوات الطازجة، أدى إلى انخفاض كفاءة الأغشية المخاطية والجهاز المناعي، مما يفسر ارتفاع معدلات الإصابة بالالتهابات التنفسية والمعوية المتكررة لدى الأطفال في المناطق المعزولة. ويأتي ذلك في وقت تسجل المراكز الصحية حالاً تناقضية غريبة، كارتفاع في معدلات السمنة ورداءة البنية الجسدية لدى البالغين والأطفال. وهي نتيجة طبيعية للاعتماد الكلي على الأغذية المعبأة بالسكر والزيوت المهدرجة والطحين الأبيض، مما يرفع معدلات الإصابة بالسكري من النوع الثاني وضغط الدم، على رغم أن الشخص يعاني في واقع الأمر فقراً غذائياً حاداً.
انكسار الطبق
لم تكن تحذيرات المؤسسات والأطباء مجرد إحصاءات مدونة في التقارير، بل جاءت عبر تصريحاتٍ تعكس عمق الكارثة من قلب الميدان. ووفقاً لتصريحات برنامج الأغذية العالمي فإن اقتطاع المساعدات "ليس مجرد تغييرٍ في الأرقام الإغاثية، بل هو دفعٌ لمئات الآلاف من العائلات نحو خيارات قاسية." مؤكداً أن العائلات "باتت تلجأ لخفض عدد الوجبات وتخطي شراء المواد الطازجة، مما يعرض المستفيدين لخياراتٍ تغذوية خطرة تمس صحتهم ونمو أطفالهم مباشرة."
ويؤكد متخصصو التغذية العلاجية في مراكز الرعاية الأولية بالضفة الغربية، أن "ما نشهده اليوم في عيادات الرعاية الأولية ليس مجرد فقر، بل هو هدم للبنية الفسيولوجية للأطفال. وأن النمط الغذائي الحالي يعتمد بـ80 في المئة على كربوهيدراتٍ مجردة، محذرين من أن الطفل يحصل على سعرات حرارية تجعله يتحرك، لكن دماغه وجهازه المناعي وهيكله العظمي يتعرضون للتجويع، مؤكدين أن "الجيل سيعاني مستقبلاً صعوبات تعلم حادة وضعفاً بنيوياً دائماً إذا لم يُدرك هذا الوضع".
وبحسب تصريح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوشا) فإن "تزامن تقليص الدعم الدولي مع قيود الحركة وتراجع الدخل لدى ثلاثة أرباع العائلات في الضفة الغربية، يعني تجريد السكان من آخر شبكات الأمان المتبقية، وتحول الاعتماد الغذائي الكلي نحو مواد نشوية مجردة من القيمة الغذائية." وهو ما أكده صاحب متجرٍ للمواد الغذائية في مدينة نابلس حين قال لـ"اندبندنت عربية"، "دفتر الدين عندي امتلأ وصفحاته انتهت. الناس لم تعد تطلب الأجبان ولا حتى علب التونة. الطلب أصبح محصوراً في كيلو طحين، لتر زيت رخيص، أو علبة خميرة". وأضاف "حتى أنا كبائع لم أعد أستطيع شراء البضائع الطازجة لأنها تفسد على الرفوف لعدم وجود سيولةٍ لدى الناس لشراء المواد الأساسية." وقد أشارت بيانات إنفاق الأسرة الفلسطينية لدى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن اللحوم والدواجن، التي كانت تشكل العصب الأساس لموازنة الطعام، تراجعت من قائمة الاستهلاك الأسبوعي لتصبح استهلاكاً موسمياً أو شهرياً لدى الفئات الأكثر هشاشة. وبينت أن هذا التحول "ينعكس مباشرة على مؤشرات الأمن الغذائي ويزيد من اتساع فجوة الفقر الغذائي."
مؤشرات إحصائية
وتوثق المسوح الأخيرة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي أن 76 في المئة من العائلات في الضفة الغربية سجلت تراجعاً حاداً ومباشراً في مدخولها الشهري نتيجة الإغلاقات والقيود، وأن 60 إلى 70 في المئة من الأسر قلصت استهلاكها للحوم والدواجن إلى الحد الأدنى، واعتمدت على البروتين النباتي القليل. في حين لجأت 55 في المئة من العائلات رسمياً إلى "خفض حجم الوجبة" أو "إلغاء إحدى الوجبات اليومية" كآلية تكيف مجبرة. وأظهرت الأرقام أن 65 في المئة من العائلات تعتمد على "دفتر الدين" لدى المحال التجارية المجاورة لتأمين المواد الغذائية الأساسية الجافة. وانخفاض 40 في المئة في إنفاق العائلات على الخضراوات والفواكه والألبان الطازجة لمصلحة الحبوب والزيوت.
إن تقليص المساعدات الغذائية في الضفة الغربية ليس أزمة موازنات تُحل ببيانات صحافية أو مناشدات تمويلية تقليدية، بل أصبحت قضية تمس حق الإنسان في النمو السليم والكرامة الإنسانية. فعندما يُجبر الآباء والأمهات على هندسة وجبات أطفالهم لتقوم على الطحين والماء فقط، وعندما تتحول اللحوم والألبان والفواكه إلى ذكريات أو ألم يُشار إليه في الدكاكين من دون القدرة على شرائه، فإن المجتمع يتجه بخطى حثيثة نحو نزف صحي واجتماعي صامت. إن الجوع الخفي الذي يتسلل اليوم إلى أجساد الأطفال في القرى المعزولة والمخيمات والمدن لن تتوقف آثاره عند حدود هذا العام، بل سيرتسم على هيئة أجسادٍ أضعف، ومناعةٍ أقصر، وعقولٍ تُحرم من طاقاتها الكاملة. ويرى فلسطينيون ممن قطعت عنهم المساعدات الغذائية، أن إعادة النظر في منظومة المساعدات، وربط الإغاثة بفك الحصار الاقتصادي والسيطرة على الموارد المحلية، لم يعد خياراً ثانوياً أو تحسينياً، بل هو ضرورة حيوية لوقف الانحدار نحو أزمةٍ صحية وبشرية شامِلة يُدفع ثمنها من أجساد وأعمار الأجيال القادمة.