ملخص
على رغم الجهود الرسمية لكبح انتشار المرض، بات من الضروري تفعيل التوعية والتثقيف المجتمعي بأخطار الإصابة بالمرض، إلى جانب مناشدة المنظمات الدولية بمواصلة التمويل وتنشيط البروتوكولات والتصريح ببيع أدوات الحماية داخل الصيدليات في ظل الظروف الحالية.
في سياق الصراع الدائر بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من ثلاثة أعوام، يواجه مرضى فيروس نقص المناعة "الإيدز" تحديات معقدة في الحصول على العلاج والرعاية الطبية اللازمة، لا سيما أن الحرب عطلت سلاسل الإمداد الخاصة بالأدوية وبروتوكولات العلاج المتفق عليها قبل استئنافها بصورة جزئية في بعض المراكز، فضلاً عن تراجع الدعم الدولي المخصص لمكافحة الأمراض مع إيجاد صعوبة في إيصال الفحوصات والأدوية لكل ولايات البلاد.
في ظل هذه الأزمة، يعاني المصابون بهذا المرض ضغوطاً نفسية حادة بسبب نظرة المجتمع إليهم، مما يدفع بعضهم إلى إخفاء المرض لتجنب التمييز، بالتالي يفقدون فرصة العلاج المنتظم.
وبحسب وزارة الصحة السودانية، فإن عدد مرضى الإيدز خلال هذا العام وصل إلى 13401 شخص، وهي النسبة الموثقة والحالات التي وصلت إلى المراكز المتخصصة.
وسبق أن قرر أعضاء منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بالإجماع في عام 2015، القضاء على هذا المرض بحلول عام 2030، من خلال الوصول إلى 90 في المئة من الحالات والأشخاص الذين يحملون الفيروس، والحد من الإصابات الجديدة والقضاء على التمييز.
جرس إنذار
الطبيب محمد أبو بكر المتخصص في أحد المراكز الصحية المعنية بعلاج الإيدز يقول إن "إعلان وزارة الصحة لإحصاءات أعداد المصابين بالإيدز جاءت من أجل حث المنظمات الدولية على الاستمرار في تمويل بعض الأمراض، من بينها الإيدز ودعم المراكز المتخصصة التي تقدم العلاج للمصابين، فضلاً عن تفعيل دور مراكز التتبع والرصد للشبكات النشطة في نقل العدوى".
وتابع أبو بكر "في تقديري الإحصاءات لا تدعو للقلق، لكن لا بد من عدها على أنها جرس إنذار لتحسين التدخلات الرسمية والشعبية والطوعية، إلى جانب التعامل مع المرضى من دون قيود سياسية أو اجتماعية، مثل تشجيع الأشخاص على استخدام أدوات الوقاية".
ولفت المتخصص في علاج الأيدز إلى أنه "قد لا يؤدي الاختلاط بالمصابين إلى أخطار، لكن الحكومة والمجتمعات السودانية مطالبة بتولي إقناع المقبلين على الزواج بإجراء الفحص الطبي المسبق ضمن تدابير محاصرة المرض، ومراقبة الشبكات النشطة من بعد، وهي معلومة متوافرة لدى الأجهزة الأمنية والصحية، وبخاصة بعد تفاقم انتشار الفيروس".
بروتوكولات معلنة
من جانبها، أفادت الطبيبة نهلة عبدالمنعم التي تعمل داخل أحد مستشفيات الخرطوم بأن "من واقع عملي تابعت البروتوكولات المبرمة لعلاج المصابين بالإيدز الذين كانوا يترددون على المستشفى قبل الحرب، إذ إن التجربة تؤكد أن نجاح العلاج يعتمد أساساً على البروتوكولات المعلنة من قبل وزارة الصحة، إذ لا يمكن الالتزام بالعلاج خارج هذا النظام".
وأوضحت أن "الحرب أثرت في تلقي المصابين جرعات العلاج الذي كان منتظماً ومستقراً لفترات طويلة، إذ كان يساعد كثيراً من المرضى على اكتساب المناعة خصوصاً الذين يأتون إلى المستشفى والمراكز الصحية من دون النظر إلى الوصمة الاجتماعية بغرض الاستشفاء وممارسة حياتهم بصورة طبيعية".
وزادت "الآن استؤنف العمل، لكن بصورة محدودة لتجاوز مرحلة الخطر التي أسهم توقف العلاج فيها بسبب تداعيات الحرب التي عطلت تمويل المنظمات الدولية والإمدادات الدوائية والبروتوكولات المصدق عليها".
وحذرت الطبيبة في ختام حديثها بتأكيد عدم تناول الأعشاب المنتشرة داخل الأسواق الشعبية، لجهة أن استعادة المراكز العلاجية بالعاصمة ومدن أخرى تتيح فرصة العلاج الطبي لأعداد كبيرة من حاملي فيروس نقص المناعة البشرية.
خطة ومحاصرة
وأوضحت الطبيبة عبير عبدالكريم المتخصصة في أمراض الدم أنه "بالإمكان وضع خطط لحصر الإصابات، والحد من توسع المرض من خلال المبادرات المجتمعية التي نشطت خلال الحرب، وإقناعهم بالشروع في العلاج، علاوة على تتبع الشبكات التي تنقل المرض والإبلاغ عنها، لا سيما أن الممارسات الجنسية خارج الإطار الشرعي أحد أبرز الأسباب في نشر مرض الإيدز".
وأضافت عبدالكريم "من وجهة نظري قد تكون هناك صعوبة في السيطرة على هذه الشبكات قانونياً واجتماعياً، إلا أنها تخفف من تصاعد أعداد المصابين بالمرض الذين يشعرون بالوصمة ويخفون المرض لصعوبة تقبل المجتمع التعايش مع مريض الإيدز، وكثير منهم يعانون مشكلات نفسية علماً أن الأسباب متعددة في الإصابة بالفيروس".
ونوهت الطبيبة إلى أن "السودان يتلقى تمويلاً سنوياً في مكافحة بعض الأمراض، فإذا جرى تحديد جزء من هذا التمويل إلى علاج مصابي الإيدز يمكن أن يشكل نجاحاً كبيراً في السيطرة على المرض".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعقيدات وتوعية
في السياق، قال الباحث المجتمعي الزين خضر إن "الحرب أسهمت في تدمير البنية التحتية للقطاع الصحي، بما فيها مراكز الفحص المبكر لمرضى الإيدز، فضلاً عن تعقيدات في التصدي للمرض، وبخاصة في ما يتعلق في شأن أدوات الوقاية وبيعها بصورة رسمية ومعلنة في الصيدليات، ونظرة بعضهم بأنها محاولة لتشجيع الآخرين على القيام بالأفعال المحرمة والمجرمة قانوناً مع العلم أن الهدف الأساس الحد من انتشار المرض وتقليل نسبة انتقال العدوى، علاوة على أن حاملي مرض الإيدز يشعرون بالتمييز لذلك لا يحصلون على الأدوية التي تساعدهم على تقوية مناعتهم، مما يسهم في وفاتهم".
وأردف خضر "تجد الجهات المسؤولة صعوبات كبيرة في وقف نشاط من يساعدون في نشر المرض بسبب فوضى الحرب، إذ هناك إصابات ناتجة من تعاطي المخدرات من طريق الإبر، فضلاً عن ممارسة الجنس وتعدد العلاقات خارج الإطار الشرعي، التي تعد أصل الإصابة بالمرض، مما يصعب الوصول إلى المصابين والتعامل معهم بعد انقطاعهم عن تناول مضادات الفيروسات، مما يجعلهم قادرين على نقل العدوى للآخرين مقارنة بالشخص الملتزم بالعلاج، وبخاصة معسكرات الإيواء المكتظة بالنازحين وافتقارها إلى الرقابة الطبية وشروط السلامة".
واستطرد أن "طرق انتقال العدوى المعلومة لدى شرائح المجتمع السوداني من طريق الجنس غير المحمي ومتعاطي المخدرات، إلا أن أخطرها في تقديري التي تنتقل عبر طريق نقل الدم، لذلك يوصَى بالكشف المبكر، وبخاصة النساء الحوامل اللاتي حملن جراء الاغتصاب الممنهج الذي أفرزته الحرب بواسطة جنود ’الدعم السريع‘، ومعاناتهن في تلقي الرعاية الإنجابية لمنع انتقال العدوى للطفل قبل الولادة وبعدها من طريق الرضاعة الطبيعية".
ومضى الباحث المجتمعي قائلاً "على رغم الجهود الرسمية لكبح انتشار المرض، بات من الضروري تفعيل التوعية والتثقيف المجتمعي بأخطار الإصابة بالمرض، إلى جانب مناشدة المنظمات الدولية بمواصلة التمويل وتنشيط البروتوكولات والتصريح ببيع أدوات الحماية في الصيدليات في ظل الظروف الحالية، علاوة على تسيير وحدات صحية متنقلة تقدم الخدمات ودعم المرضى في دور الإيواء وتزويدهم بالأدوية، والعلاج النفسي وحث المقبلين على الزواج بإجراء الفحص، سواء بواسطة رجال الدين أو الأطباء أو المبادرات المجتمعية التي تنشط في هذا المجال".