ملخص
في فيلمين متباعدين مكاناً وأسلوباً، عرضا أمس في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 الجاري)، تلتقي أميركا عند أكثر وجوهها إشكالية. من فيتنام، حيث يلاحق جندي آثار ما ارتكبه بعد عقود، إلى تشيلي 1973، حيث يستعيد عميل للاستخبارات المركزية مساهماته في الانقلابات والاغتيالات، نكتشف ان المأساة لا تنتهي بانتهاء العملية أو سقوط الضحية.
المخرجان شينيا تسوكاموتو ومارتن ماكدونا يعودان، كل من موقعه، إلى أميركا التي تدخلت في مصائر الآخرين باسم النفوذ والمصلحة، ليتأملا ما تتركه تلك الأفعال في الذين نفذوها أيضاً. الأول يفعل ذلك من بوابة الرعب النفسي، والثاني بحس الدعابة، لكن كليهما يصل إلى السؤال نفسه عما يبقى من الإنسان عندما يتغلغل العنف في سجله الشخصي.
"سيد نيلسون، هل قتلت بشراً؟"
عبر نص سينمائي قاس إلى أقصى الحدود، يقول كثيراً عن الطبيعة البشرية في زمن الحروب، يعود إلينا الياباني تسوكاموتو، في أول تجربة كاملة له بلغة إنجليزية. العنف، على أي حال، ليس غريباً عن سينماه، لكنه يتخذ هنا شكلاً آخر: عنفاً نفسياً يلاحق جندياً حتى بعد انتهاء الحرب بأعوام طويلة.
يروي الفيلم المعاناة النفسية لجندي أميركي سابق، ألن نيلسون (رودني هيكس)، يستعيد الفظائع التي ارتكبها في فيتنام، حيث قتل رجالاً ونساءً وأطفالاً. بعد أعوام، يقرر أن يروي قصته لطبيب نفسي (جفري راش). ومن خلال جلسات البوح هذه، ينتقل الفيلم من السؤال الأول الذي سمعه نيلسون ذات مرة على لسان طالبة في مدرسة حيث روى تجربته: "سيد نيلسون، هل قتلت بشراً؟"، إلى سؤال أشد قسوة، ولا يبدو أن له جواباً: "لماذا قتلت أشخاصاً يا سيد نيلسون؟". يتحول السؤال، مع مرور الوقت، إلى لازمة داخل رأسه، ثم إلى دوامة أفكار مقلقة لا فكاك منها حتى تودي به، وهو في مطلع الستينيات من عمره.
شخصية لم يسمع بها أحد تقريباً، ينتشلها تسوكاموتو من غياهب النزاعات المسلحة التي طبعت النصف الثاني من القرن الـ20، والتي لا تزال ظلالها تمتد إلى عالمنا اليوم. ومن خلال قصة نيلسون، يضع الفيلم إصبعه على حقيقة غالباً ما تغيب عن الأفلام الحربية: الحرب لا تخلف قاتلاً ومقتولاً فحسب، وإنما ضحايا من الجانبين. أحدهما يموت، والآخر يواصل حياته حاملاً في ذاكرته آثار ما اقترفته يداه، هذا إذا كان قد احتفظ بشيء من الضمير.
تكتسب هذه الفكرة قيمة إضافية لأن نيلسون رجل أسود أميركي، أي إنه يأتي إلى الحرب محملاً بتاريخ من الظلم والعنف الاجتماعي. لم ينضم إلى الجيش بدافع البطولة أو المجد، بل هرباً من الفقر وطفولة بائسة. فجأة يجد نفسه في غابات فيتنام، على أرض غريبة، يحمل سلاحاً ويواجه مهمة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها مروعة: إطلاق النار على أناس عزل، بينهم نساء وأطفال. في البداية، يكون القتل فعلاً يستعصي على النفس، ثم تحت وطأة الحرب يتحول إلى ممارسة مألوفة.
يمزج تسوكاموتو بين الفيلم الحربي، بما يتضمنه من مشاهد قتال وحركة، والفيلم النفسي الذي ينفذ إلى أعماق الشخصية، لكن أياً من النوعين لا يأتي هنا في صورته المألوفة، فالمخرج لا يستخدم الحرب خلفية للبطولة، ولا القتال لاستعراض القوة، بل يتخذ منهما مدخلاً إلى تشريح رجل مهزوم من الداخل.
نادراً ما يتحدث الجنود الذين ارتكبوا أعمال عنف عن تجاربهم بعد عودتهم إلى الوطن، أما نيلسون فاختار أن يتكلم بصراحة، واضعاً تجربته أمام الآخرين من دون مواربة. وفي هذا البوح وجد، ربما، طريقة لمنح حياته قيمة، فيما أتاح لآخرين أن يقتربوا من حقيقة الحرب بعيداً من الصور البطولية التي تحيط بها عادة. لهذا شعر تسوكاموتو، في ظل الحروب والنزاعات التي يشهدها العالم اليوم، بأن إعادة قصة نيلسون إلى الضوء، وإيصالها إلى جمهور جديد، أولوية، فالحرب قد تنتهي بالنسبة إلى الجندي عندما يضع سلاحه، لكنها لا تنتهي بالضرورة داخله.
"حصان بري تاسع"
جون مالكوفيتش يضطلع في "حصان بري تاسع"، بدور عميل "سي آي أي" مصاب بالسرطان، يصل إلى جزيرة القيامة (أراضٍ تشيلية) برفقة تلميذه لي (سام روكويل)، بعدما قرر وضع حد لحياته. المرض يفتح أمامه باب الذاكرة، فتعود العمليات التي شارك فيها أو ارتبط بها: غواتيمالا عام 1954، واغتيال رئيس الوزراء الكونغولي باتريس لومومبا عام 1961، وتدخلات أخرى، وصولاً إلى رواية الفيلم لدور الوكالة في قتل جون كينيدي، أما تشيلي فتشكل النقطة المركزية، إذ يقترب موعد الانقلاب العسكري على أليندي.
لم يكن البريطاني الإيرلندي مارتن ماكدونا يتوقع أن يعود فيلمه إلى الواجهة السياسية بهذه السرعة. حين كتب "حصان بري تاسع" وصوره، كان ينظر إلى تشيلي عام 1973، إلى الانقلاب الذي أطاح سلفادور أليندي، وإلى الدور الأميركي فيه. اليوم، بعد ما شهدته السياسة الدولية، يرى المخرج أن فيلمه صار، من دون أن يقصد، تعليقاً على الحاضر.
في المؤتمر الصحافي الذي عقده في المهرجان أمس، ذهب ماكدونا أبعد من الفيلم نفسه، قال إنه كثيراً ما اهتم بـ"حقيقة ما كانت تفعله الـ"سي آي أي" خلال الأعوام الـ60 الأخيرة، والأشياء الفظيعة التي ارتكبتها في أنحاء العالم"، معتبراً أن نشاط الوكالة الأميركية السري لا يحظى بالقدر نفسه من المساءلة التي أحاطت تاريخياً بالاستخبارات السوفياتية ("كي جي بي"). وفي نظره، ثمة تاريخ طويل من التدخل الأميركي في العمليات الديمقراطية حول العالم يستحق مزيداً من الاهتمام، خصوصاً في ضوء التطورات السياسية الراهنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلافاً لتسوكاموتو، يضع ماكدونا على وجه فيلمه قناع الكوميديا السوداء. رجل الأمن ترك خلفه ضحايا ما عاد يعرف عددها، يقترب من نهايته وهو مضطر إلى النظر، للمرة الأولى ربما، في ما خلفه وراءه. المفارقة أن ماكدونا لا يحول هذه المادة إلى محاضرة سياسية، ولكنه يجعلها جزءاً من شخصية رجل يحتضر، فيصبح التاريخ حملاً شخصياً. بدأ المشروع، كما روى أمس، كقصة عن أب وابن، قبل أن يجد طريقه الحقيقي عندما ربطه بانقلاب أليندي.
عندها "أصبح الفيلم عن رجل يشعر بالذنب والندم تجاه الأشياء التي فعلها"، وهو التحول الذي أنقذ الحكاية، في رأيه، من شيء "مبتذل" إلى مكان "أكثر حزناً". والكوميديا هنا غالباً ما تتولد من الاصطدام بين فظاعة الأفعال وبرودة اللغة التي تروى بها. مالكوفيتش، بوجهه الجامد وحضوره الساخر، يمنح الشخصية قدرة غريبة على تحويل الاعترافات الأكثر رعباً إلى لحظات ضحك. خلف النكات، يبقى السؤال قائماً حول غياب المحاسبة عن هذه الأفعال.
ولعل أكثر ما يربط الفيلم بلحظته الراهنة تعليق ماكدونا على السياسة الأميركية الحالية، في إشارة إلى ما وصفه بالتدخلات الأميركية الأخيرة، خصوصاً قضية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات العسكرية الأميركية في مطلع هذا العام. قال إن الأمر المخيف هو أن هذه الأفعال ما عادت سرية اليوم، أولئك الذين كانوا يديرون مثل هذه العمليات في السبعينيات كانوا، في الأقل، يملكون الذكاء لإبقائها مخفية، بينما يبدو العالم اليوم، في رأيه، "أكثر غباءً فأكثر غباءً فأكثر غباءً".
بين جزيرة بعيدة، ورجل يحتضر، وتاريخ أميركي محمل بالانقلابات والاغتيالات، يأتي ماكدونا بأحد أكثر الأفلام إمعاناً في السياسة الدولية، من دون أن يتخلى عن وسيلته المفضلة: الدعابة التي تأتي من مكان شديد السواد.