ملخص
تتسع حملة "العزل الاقتصادي" الأميركية ضد إيران، من صادرات النفط والقنوات المصرفية إلى شبكات التجارة والنقل، وسط تشديد العقوبات الثانوية وتضييق منافذ الالتفاف عليها، فيما تتراجع قيمة الريال وتتفاقم أزمات الوقود والتضخم. ومع انضمام الاتحاد الأوروبي إلى الضغوط وتزايد القيود على المسارات المالية واللوجستية، يواجه الاقتصاد الإيراني اختباراً متصاعداً لقدرته على الصمود.
في الأيام التي سبقت وأعقبت بدء "عملية العزل الاقتصادي" الأميركية ضد النظام الإيراني، واصل المسؤولون في طهران خطابهم التصعيدي، مؤكدين أن لديهم القدرة على الصمود في مواجهة عقوبات أوسع نطاقاً. وكان من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي شدد مراراً، عبر رسائل نشرها على منصة "إكس"، على أن الضغط على الاقتصاد الإيراني سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأميركي، وليس اقتصاد إيران.
لكن بعد أيام قليلة فقط من انطلاق الحملة الجديدة لإدارة ترمب، بدأت المؤشرات المتاحة تعكس واقعاً مختلفاً، إذ بلغ انهيار قيمة العملة الإيرانية مستوى قياسياً غير مسبوق. ويوم السبت الخامس من سبتمبر (أيلول) الجاري، وصل سعر الدولار الواحد في السوق الحرة إلى 225 ألف تومان.
وفي الوقت ذاته، جرى تداول العملات الرئيسة الأخرى عند مستويات مرتفعة، إذ بلغ سعر اليورو الواحد 261 ألفاً و440 توماناً، والجنيه الإسترليني 305 آلاف و760 توماناً، والدرهم الإماراتي 61 ألفاً و760 توماناً، كما واصلت سبيكة "إمامي" الذهبية مسارها الصعودي يوم السبت، لتصل إلى 237 مليون تومان، أي نحو 1063 دولاراً.
وفي الوقت ذاته، وبالتزامن مع الضغوط الاقتصادية والتضخم في إيران، واجه المواطنون خلال الأيام الأخيرة صعوبات متزايدة في الحصول على البنزين، فيما تحدثت تقارير عن تشكل طوابير طويلة وإغلاق بعض محطات الوقود. كما أدى تراجع الواردات والاضطراب في توزيع الوقود إلى تصاعد المخاوف من تفاقم نقص البنزين في إيران.
وتشير هذه المؤشرات إلى أنه، خلافاً لادعاءات مسؤولي طهران بشأن الاكتفاء الذاتي والقدرة على مواجهة العقوبات، فإن حلقة العزلة الاقتصادية والعجز عن إجراء مختلف أنواع التبادلات التجارية تضيق يوماً بعد آخر حول النظام الإيراني.
تضييق الخناق على القنوات المالية الإيرانية
وفي أحدث نماذج الضغوط المفروضة على طهران، وبعد فرض عقوبات على بنك مصر دبي خلال الأيام الماضية، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة، فرض عقوبات على بنك "غولدن غلوبال" (Golden Global) الذي يتخذ من تركيا مقراً له، إلى جانب شركتين تابعتين له، في إطار "عملية العزل الاقتصادي". وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، سهل البنك معاملات بعشرات ملايين الدولارات مرتبطة بفيلق القدس، وأتاح للنظام الإيراني الوصول إلى خدمات المراسلة المصرفية لإجراء تحويلات مالية دولية.
ووفقاً لبيان وزارة الخزانة الأميركية، أسس بنك "غولدن غلوبال" بهدف نقل عائدات النفط الإيراني من الصين إلى تركيا، لتحويل هذه الأموال هناك إلى نقد وذهب. كما اتهمت الوزارة البنك بتقديم خدمات المراسلة المصرفية، عن علم، إلى مؤسسات مالية إيرانية، وتسهيل معاملات عبر حسابات يسيطر عليها فيلق القدس والقوات التابعة له.
وشملت العقوبات أيضاً شركتي "غولدن غلوبال بورتفوي يونيتيمي" و"غولدن غلوبال فارليك كيرالاما" بسبب ملكيتهما أو خضوعهما لسيطرة بنك "غولدن غلوبال". وفرضت هذه العقوبات استناداً إلى الأمر التنفيذي الأميركي رقم 13902.
وأفادت وكالة "رويترز" نقلاً عن البنك بأنه ملتزم بالقوانين المصرفية المحلية والدولية ومتطلبات الامتثال التنظيمي، وأنه سيتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن حقوقه القانونية. ومع ذلك، تمثل الخطوة الأميركية تحذيراً جدياً للقنوات المالية الإيرانية في تركيا والعراق ودبي، التي كانت طهران تعول بصورة خاصة على شركات الصرافة والمؤسسات المالية فيها للالتفاف على العقوبات، لكنها باتت الآن تواجه عقبة أساسية.
وحذرت وزارة الخزانة الأميركية هذه المؤسسات وسائر المصارف حول العالم من أن المؤسسات المالية الأجنبية التي تنفذ أو تسهل، عن علم، معاملات مهمة مرتبطة بأفراد أو كيانات خاضعة للعقوبات، قد تتعرض لعقوبات ثانوية وقيود على الوصول إلى حسابات المراسلة المصرفية في الولايات المتحدة.
وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في منشور على منصة "إكس"، أن الاتحاد الأوروبي انضم رسمياً إلى عملية "العزل الاقتصادي" ضد النظام الإيراني، في خطوة من شأنها زيادة صعوبة المعاملات المالية والتجارية للنظام الإيراني.
وكتب بيسنت أن الولايات المتحدة تعمل إلى جانب حلفائها لمنع النظام الإيراني من استخدام النظام المالي العالمي لتمويل برنامجه النووي وبرامج التسلح والقوات الوكيلة الإرهابية. وأضاف: "لن نتوقف حتى يتم قطع جميع الشرايين المالية المتبقية".
وأعلنت المفوضية الأوروبية، في بيان، أن الاتحاد الأوروبي يرحب بزيادة الضغوط الاقتصادية على إيران، بما في ذلك في إطار عملية "العزل الاقتصادي" التي تقودها الولايات المتحدة. وأضاف البيان أن الاتحاد الأوروبي سيواصل التعاون مع واشنطن وبقية أعضاء مجموعة السبع والشركاء الدوليين لمواصلة الضغط على طهران.
النفط تحت الحصار... شريان الصادرات مهدد
وفي منشور آخر أرفقه بصورة توضيحية، تحدث بيسنت عن فاعلية الحصار البحري الأميركي وإغلاق شريان الصادرات الإيرانية، مؤكداً أنه منذ إعادة الولايات المتحدة فرض الحصار البحري، لم تتمكن أي شحنة من النفط الخام الإيراني من عبور مضيق هرمز في طريقها إلى الصين.
وأشار بيسنت إلى تراكم النفط الخام على متن ناقلات عالقة في مضيق هرمز، لافتاً إلى أن إيران لا تستطيع إعادة تكوين مخزوناتها في المياه الدولية. وأكد أنه في ظل النفط العالق، وامتلاء سعات التخزين، وتراجع الإيرادات، بات الشريان الحيوي للصادرات الإيرانية على وشك الانقطاع الكامل.
وأدت هذه الظروف إلى طرح المحللين سؤالاً حول ما إذا كان الاقتصاد الإيراني قادراً، على المدى الطويل، على الصمود أمام عملية العزل الاقتصادي، وتوسيع نطاق العقوبات، والعجز عن تصدير النفط وإجراء المعاملات العالمية. والإجابة عن هذا السؤال سلبية.
ويعد الاقتصادي مهدي بازوكي أحد الخبراء الذين حذروا من تداعيات استمرار المواجهة العسكرية، وتراجع الإيرادات النفطية، والعجز الحاد في الموازنة. وقال في حديث إلى موقع "فرارو" إنه في حال عدم معالجة المشكلات الأساسية، فإن اقتصاد البلاد سيتجه نحو التضخم المفرط، وقد يتجاوز معدل التضخم السنوي 600 في المئة.
ونقل "فرارو" عن بازوكي قوله إن الاقتصاد الإيراني يواجه حالياً واحداً من أعلى معدلات التضخم المزمن في العالم، وإنه إذا اتجهت صادرات النفط نحو الصفر ولم تعالج مشكلات تمويل الموازنة، فستتهيأ الظروف للانتقال نحو التضخم المفرط.
ورفض بازوكي ادعاء رئيس البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، بأن حدوث التضخم المفرط أمر مستحيل، مؤكداً أنه في حال توقف صادرات النفط بالكامل وتعويض النفقات من خلال خلق النقود، ستنهار قيمة الريال على نحو غير مسبوق، بما قد يفضي إلى ظروف شبيهة بالأزمات الاقتصادية التي شهدتها فنزويلا والأرجنتين.
وأشارت وكالة "رويترز"، في تقرير عن تفاقم الأوضاع الاقتصادية في إيران، إلى أن متوسط الأجر الشهري يغطي أقل من ثلث النفقات الأساسية للأسرة. ويأتي ذلك في وقت حدت العقوبات الثانوية من قدرة إيران على الوصول إلى الدولار لتمويل الواردات والحصول على التمويل الخارجي. ومن جهة أخرى، أوقفت الإمارات العربية المتحدة التجارة والمعاملات المالية مع إيران، مما عطل أحد المراكز التجارية الرئيسة لإيران.
وتقول طهران إنها لا تزال تحتفظ بعشرات ملايين البراميل من النفط على متن ناقلات خارج نطاق الحصار، ويمكنها بيعها. لكن أحد المسؤولين الذين تحدثوا إلى "رويترز" قال إن العقوبات الجديدة دفعت الوسطاء إما إلى الانسحاب وإما إلى المطالبة بمبالغ أكبر مقابل تنفيذ المعاملات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار لـ"رويترز" إن الحملة الأميركية الرامية إلى الضغط على الاقتصاد الإيراني، من خلال منع صادرات النفط ومواجهة عمليات الالتفاف على العقوبات، جعلت الظروف أكثر صعوبة بالنسبة إلى طهران. وقال أحد هؤلاء المسؤولين إن مخزون إيران من البنزين يكفي لنحو شهرين فقط، وهو وقود تضطر إلى استيراده، على رغم إنتاجها المرتفع من النفط الخام، بسبب محدودية قدراتها التكريرية.
وأضافت المصادر أنه على رغم نجاح حكام إيران، على مدى عقود، في الالتفاف على العقوبات، فإن الإجراءات الأميركية الأخيرة وضعتهم في موقف بالغ الهشاشة، وقلصت بشدة السبل المتبقية للحصول على العملات الأجنبية أو شراء السلع. وقالت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى إن هذه الجهود جعلت استخدام الشبكات الإيرانية القائمة للالتفاف على العقوبات، بما في ذلك الشركات الوهمية والناقلات غير المسجلة وعمليات التهريب، أكثر كلفة من ذي قبل.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، السبت، أن عامل الوقت في حملة السيطرة على مضيق هرمز يسير في غير مصلحة طهران، ففي حين تمنع الولايات المتحدة إيران من تصدير نفطها عبر الخليج العربي، تواصل الدول العربية في المنطقة، بمساعدة واشنطن، تصدير الجزء الأكبر من نفطها.
وقال مسؤول عربي رفيع للصحيفة إن الوقت لا يصب في مصلحة أي من الطرفين، لكن ضغطه أشد على النظام الإيراني، نظراً إلى الضغوط الاقتصادية الهائلة التي يواجهها. وأضاف أن العامل الحاسم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أكثر من الضغط الاقتصادي، يتمثل في السياسة والرأي العام.
وقال سمير مدني، أحد مؤسسي شركة "تانكر تراكرز" للمعلومات البحرية، للصحيفة: "حصار إيران ليس بفاعلية الحصار الأميركي. فالنظام الإيراني لا يستطيع وقف حركة الملاحة بصورة كاملة".
وقدرت الشركة أنه خلال 28 يوماً خرج عبر مضيق هرمز نحو 5 ملايين برميل من النفط الخام يومياً، لم يكن أي منها تقريباً تابعاً للنظام الإيراني.
السكك الحديدية... العزلة تمتد إلى طرق التجارة البرية
بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت هيئة السكك الحديدية الإيرانية توقف نقل البضائع بالقطارات من الصين وروسيا إلى إيران، وعزت ذلك إلى امتثال تركمانستان وكازاخستان للعقوبات الأميركية الجديدة.
وبحسب هيئة السكك الحديدية الإيرانية، فرضت تركمانستان وكازاخستان، في أعقاب تشديد واشنطن ضغوط العقوبات، قيوداً على عبور شحنات السكك الحديدية المتجهة إلى إيران، مما أدى إلى اضطراب الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية المستخدمة لنقل البضائع من الصين وروسيا إلى إيران.
وتنبع أهمية ذلك من أن إيران سعت خلال الأعوام الأخيرة إلى تطوير ممرات السكك الحديدية لنقل جزء من تجارتها مع الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى عبر الطرق البرية. ومن بين المسارات المهمة شبكة تنطلق من الصين، مروراً بآسيا الوسطى وتركمانستان، قبل أن تدخل إيران عبر معبر سرخس الحدودي. كما تتصل مسارات أخرى من كازاخستان وتركمانستان وروسيا بشبكة السكك الحديدية الإيرانية.
وتستهدف العقوبات الأميركية الجديدة أيضاً نطاقاً واسعاً من الشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بإيران، فيما شددت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة على استخدام العقوبات الثانوية للضغط على الأطراف التجارية الأجنبية التي تتعامل مع طهران.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"