ملخص
يتمثل الهدف الجيوسياسي الأميركي الطويل الأمد داخل المنطقة في استبدال الوجود العسكري الروسي بمؤسسات أمنية غربية أو وحدات أميركية، تستطيع من خلالها استكمال تطويق إيران عسكرياً، وتقليص النفوذ الروسي في جنوب القوقاز.
تراقب موسكو بقلق مساعي الولايات المتحدة وتركيا وأذربيجان السرية لتقليص النفوذ الروسي في جنوب القوقاز، بما في ذلك احتمال فرض سحب القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 من غيومري بأرمينيا، على رغم استبعاد يريفان رسمياً حالياً إغلاق هذه القاعدة، التي يسري عقد إيجارها حتى عام 2044.
فواشنطن تعمل بنشاط وبعيداً من الأضواء على تطوير علاقات استراتيجية مع أرمينيا وأذربيجان بوساطة تركيا. لأن الهدف الجيوسياسي الأميركي الطويل الأمد في المنطقة، يتمثل في استبدال الوجود العسكري الروسي بمؤسسات أمنية غربية أو وحدات أميركية، تستطيع من خلالها استكمال تطويق إيران عسكرياً، وتقليص النفوذ الروسي في جنوب القوقاز.
وعلاوة على ذلك، ترى تركيا الطامحة إلى تعزيز صداقتها مع الولايات المتحدة، بهدف الحصول على قاذفات "أف-35"، وكذلك أذربيجان الحليف الأقرب لأنقرة، أن القاعدة الروسية العسكرية في أرمينيا تشكل عقبة أمام التكامل الكامل لممرات النقل والطاقة (مثل ممر زانغزور) والتوطيد النهائي لنفوذهما في المنطقة.
الأهمية الاستراتيجية لقاعدة 102 في أرمينيا
نشرت صحيفة "موسكو تايمز" الروسية تقريراً مطولاً عن القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 داخل أرمينيا، وعنونته بعبارة "عندما أنشأت موسكو قاعدتها العسكرية للمرة الأولى على التلال المتربة قرب غيومري، كانت تحدد حدود الإمبراطورية الروسية".
كما كانت الحال آنذاك، لا تزال قاعدة غيومري تشكل رصيداً استراتيجياً مهماً لموسكو. فهي من جهة تطل على سهول شاسعة، ومن جهة أخرى تقع على بعد كيلومترات قليلة فقط من الحدود التركية.
خلال النزاع التاريخي المسلح مع الإمبراطورية العثمانية في ثلاثينيات القرن الـ18، شيدت روسيا حصناً منيعاً على التلال غرب مدينة غيومري. وعندما أنشأت أرمينيا وروسيا القاعدة العسكرية رقم 102 في تسعينيات القرن الـ20، اختارتا الموقع نفسه.
لعقود طويلة، اعتقد الأرمن أن هذه القاعدة تحميهم من تركيا، ورحبوا بصدق بالوجود العسكري الروسي، إلا أن الوضع تغير اليوم، ولم يعد الأرمن يعتقدون أن القاعدة قادرة على "حمايتهم من تركيا وأذربيجان"، بعد تلكؤ روسيا عن التدخل لصد هجوم الجيش الأذري المدعوم من تركيا لاستعادة إقليم ناغورنو قره باغ الذي استولت عليه أرمينيا منذ التسعينيات.
وبصورة عامة، غيرت الحكومة الأرمينية مسارها الجيوسياسي كثيراً في الأعوام الأخيرة، أولاً غادر حرس الحدود الروس مطار يريفان، ثم تركوا مواقعهم على حدود أرمينيا مع إيران وتركيا، وفي الوقت ذاته علق رئيس الوزراء نيكول باشينيان مشاركة أرمينيا في التحالف العسكري لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي.
ونتيجة لذلك، أصبحت القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 فعلياً آخر معقل رئيس للنفوذ العسكري لموسكو داخل أرمينيا، ومع ذلك يبدو مستقبلها اليوم غامضاً أيضاً. ويتحجج خبراء أتراك وأرمن بأن وجود القاعدة الروسية يشكل عائقاً أمام تطبيع العلاقات بين أرمينيا وتركيا وأذربيجان، كذلك فإن تحكم روسيا في هذا الموقع الاستراتيجي يهدد "معبر ترمب" المقرر فتحه ضمن الأراضي الأرمينية، لتأمين طريق بري مع الجيب الأذري المنفصل عن الوطن الأم، بما يسهل التواصل بين أنقرة وباكو.
حوادث غريبة ضد القاعدة الروسية
أثارت سلسلة من الجرائم الغامضة، بينها القتل والاغتصاب والسرقة، زُعم ارتباطها بالقاعدة الروسية في أرمينيا، ردود فعل متباينة بين السكان المحليين، وقال الناشط الحقوقي الأرمني أرتور ساكونتس "في الواقع، القاعدة رقم 102 لا تلتزم بالقوانين الأرمينية، والسلطات الروسية تصمت عن جرائم جنودها". ويشير تقرير لصحيفة "موسكو تايمز" إلى أن تاريخ انتشار القوات العسكرية الروسية في أرمينيا مرتبط بفضائح مستمرة في العلاقات الأرمينية - الروسية، ناجمة عن جرائم ارتكبها جنود روس. وأدى ذلك إلى توترات متكررة بين السكان المحليين والقاعدة العسكرية.
غير أن روسيا عدت هذه الحوادث محاولات من بعض القوى السياسية والمنظمات غير الحكومية الموالية للغرب في أرمينيا لتشويه سمعة الوجود العسكري الروسي داخل الجمهورية. وقال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل غالوزين خلال الـ29 من يونيو (حزيران) الماضي، "نرى للأسف أن بعض القوى السياسية وبعض المنظمات غير الحكومية الأرمينية الموالية للغرب تحاول تشويه الوجود العسكري الروسي في أرمينيا"، مضيفاً أن هذه المحاولات "تُحبط بفضل الموقف الودود للسكان المحليين".
وبحسب الدبلوماسي الروسي، فإن قاعدة غيومري ليست مجرد منشأة عسكرية، بل أيضاً عامل جذب وتشغيل للسكان المحليين. وأفاد أيضاً بأنه لم ترد أي إشارات من الجانب الأرميني في شأن مراجعة وضع هذه القاعدة العسكرية الروسية، مؤكداً أن روسيا تفي بالتزاماتها بموجب الاتفاق، وتتوقع من أرمينيا أن تحذو حذوها.
تأليب الرأي العام
يرى خبراء محليون في أرمينيا، أنه مع تغير الوضع الأمني في أرمينيا وروسيا بصورة كبيرة، فقدت هذه القاعدة أهميتها. وقال رئيس مركز أبحاث الأمن في يريفان أريج كوتشينيان، "هذه القاعدة أداة سياسية أكثر منها أداة عسكرية حقيقية. وبسبب الحرب في أوكرانيا، أعيد جزء كبير من الأفراد العسكريين الروس من قاعدة غيومري إلى روسيا".
وتنقل الصحافة الروسية عن مسؤولين في يريفان قولهم منذ بداية هذا العام، إن إغلاق القاعدة العسكرية الروسية "ليس مطروحاً على جدول الأعمال حالياً". ومع ذلك، قد يتغير الوضع في الأعوام المقبلة.
قبل الانتخابات العامة التي جرت داخل أرمينيا في يونيو الماضي، صرح رئيس حزب "من أجل الجمهورية" الأرميني المؤيد لأوروبا أرمان باباجانيان، لإحدى المطبوعات الروسية، بأنه إذا فاز حزبه بعدد كافٍ من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، فسيبدأ عملية تفكيك القاعدة الروسية داخل بلاده.
وأكد باباجانيان "هذه الخطوة لن ترمز فقط إلى قطع الصلة بهذه التبعية، بل ستفتح أيضاً طريقاً حقيقياً أمام أرمينيا لتأكيد سيادتها في الدبلوماسية الإقليمية. إن الوجود المادي والرمزي لقاعدة عسكرية روسية عند المدخل الغربي لأرمينيا إلى تركيا يشكل عقبة خطرة أمام تطبيع علاقاتنا مع أنقرة وتنويع العلاقات الدبلوماسية لبلادي".
وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل حقيقة أن أرمينيا وروسيا مددتا في عام 2010 اتفاق استئجار القاعدة في غيومري حتى عام 2044. وعلى رغم تدهور العلاقات بين يريفان وموسكو، يتوقع المتخصص أريج كوتشينيان أنه بما أن القاعدة لا تزال واحدة من آخر عناصر التعاون الأمني الروسي - الأرميني، فإن مسألة تصفيتها المحتملة تبدو إشكالية إلى حد كبير.
ويعتقد كوتشينيان أن "هذا على الأرجح سيكون الشرارة الأخطر للسلطات الروسية".
الموقف المتذبذب
صرح رئيس الوزراء نيكول باشينيان ووزارة الخارجية رسمياً بأن يريفان لا تملك أي خطط أو برامج لتفكيك القاعدة الروسية الموجودة على أراضيها. وحتى الآن لا ترى السلطات الأرمينية حالياً أن وجود القوات الروسية يشكل عائقاً أمام تعميق العلاقات بين يريفان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولكن هذا الموقف الدبلوماسي الذي يحاول تدوير الزوايا قابل للتغيير في أي لحظة.
لا سيما بعدما صرح باشينيان نفسه في إحاطة صحافية عقب اجتماع حكومي، رداً على سؤال حول إمكانية سحب القاعدة العسكرية الروسية؟ بأن أرمينيا اعتمدت قانوناً لبدء عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفي هذا السياق تحدثت عن "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي". وقال "لحسن الحظ أو لسوء الحظ، لسنا في وضع يسمح لقاعدة عسكرية روسية بحجب رؤيتنا. عندما نرى أن قاعدة عسكرية روسية تحجب خط رؤيتنا، حينها سنفكر في كيفية المضي قدماً لتجنب مشكلات الرؤية".
وأضاف "بصورة عامة، سبق لي أن قلت ’لم يكن لدينا، ولن يكون لدينا، أي هدف لتدهور العلاقات مع روسيا. لم يكن لدينا، ولن يكون لدينا، أي هدف للإضرار بمصالح روسيا. هدفنا كان، ولا يزال، وسيظل دائماً هو أن نسترشد فقط بالمصالح الوطنية لجمهورية أرمينيا‘".
وعلى رغم عدم وجود خطط معلنة لإغلاق قاعدة غيومري الروسية، فإن أرمينيا تعمل بطريقة منهجية على تقليل صور أخرى من الوجود العسكري الروسي. على سبيل المثال، غادر حرس الحدود الروسي بالفعل مطار زفارتنوتس في يريفان والمناطق الحدودية مع أذربيجان.
ووفقاً لبعض التقارير، تتضمن مسودة معاهدة السلام بين أرمينيا وأذربيجان، التي رعتها الولايات المتحدة، بنداً ينص على أنه "لا يمكن إنشاء أي قاعدة عسكرية لأي دولة أخرى على أراضي أرمينيا". وهذا يعني أنه بعد توقيع الاتفاق بين الدولتين، فإنه يجب تفكيك القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 ضمن مهلة زمنية غير معلنة"، بحسب ما أفادت صحيفة "هراباراك".
لا يزال من غير الواضح كيف سيُطبق ذلك عملياً، نظراً إلى أن قاعدة غيومري أُنشئت عام 1995 بناءً على اتفاق حكومي دولي. وقد وُقع اتفاق التعاون العسكري بين أرمينيا وروسيا في البداية لمدة 25 عاماً. وفي عام 2010، مُدد الاتفاق لمدة 49 عاماً أخرى، أي حتى عام 2044.
مع ذلك، فإن مجرد إدراج مثل هذا البند في مسودة المعاهدة، وفقاً للمعلومات المتاحة، أثار استياءً بالغاً لدى السلطات الروسية. وهذا ما يفسر على الأرجح النفور المتنامي بين بوتين ورئيس الوزراء باشينيان.
ويروج الخبراء في الولايات المتحدة ودول "الناتو" بنشاط لفكرة أن أرمينيا لن تتمكن من ضمان سيادتها إلا بعد الانسحاب الكامل للقوات الروسية وإعادة التوجه نحو عقود الدفاع الغربية.
القاعدة العسكرية والعلاقات الجيوسياسية
من جهتها، تؤكد روسيا وقيادة منظمة معاهدة الأمن الجماعي (تضم حالياً بيلاروس وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان)، أن القاعدة الروسية تضمن أمن أرمينيا نفسها، ولا توجد شروط مسبقة لتفكيكها. لكن في أرمينيا التي استنكفت عن حضور اجتماعات هذه المنظمة تدور منذ أشهر نقاشات حادة، حول مستقبل القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 في غيومري. وتصاعدت أخيراً حدة النقاشات بين الخبراء المحليين والدوائر السياسية المقربة من الحكومة الأرمينية حول القيود الاقتصادية التي فرضتها موسكو على يريفان، وتشير التقارير إلى ضرورة حساب الأضرار المادية التي لحقت بأرمينيا جراء التحركات الاقتصادية الروسية الأخيرة بدقة. وفي هذا السياق، جرى تحديد القاعدة العسكرية رقم 102 في غيومري كهدف رئيس.
وأبرز ما يتعرض للانتقاد أن الاتفاق الحالي لاستمرار القاعدة 102 لا ينص على وجوب دفع روسيا أي إيجار لأرمينيا مقابل هذه الأرض الاستراتيجية. واليوم، تصرح قيادة يريفان علناً بأن هذا البند يتعارض مع سيادة البلاد ومصالحها الاقتصادية.
كذلك تدور أشد النقاشات حدة حول كلف صيانة القاعدة، وبموجب الاتفاقات القائمة تتحمل أرمينيا 50 في المئة من إجمال العبء المالي اللازم لتشغيل القاعدة. بعبارة أخرى، تدير أرمينيا فعلياً وحدة عسكرية أجنبية متمركزة على أراضيها، مستخدمة موازنتها الخاصة. وبدأ يتبلور إجماع بين النخبة السياسية في يريفان على أن الوقت حان لإنهاء هذه "التضحية المالية".
بحسب أحدث التقديرات، تنفق يريفان الرسمية ما يقارب 60 مليون دولار سنوياً على صيانة القاعدة العسكرية رقم 102 في غيومري، وذلك في كلف مباشرة وغير مباشرة، ويعد هذا مبلغاً ضخماً بالنسبة إلى بلد يعاني صعوبات اقتصادية. وتطالب الأوساط السياسية بتوجيه هذه الأموال نحو تعزيز الجيش الوطني الأرميني، بدلاً من دعم المصالح العسكرية الروسية.
وبدأت تتبلور في أوساط الحكومة والمجتمع الأرمينيين فكرة التخلي عن هذه النفقات، ويقول متخصصون مقربون من الحكومة إن أرمينيا تستعد رسمياً للتخلي عن هذا الالتزام المالي الذي يبلغ 50 في المئة.
وبحسب الخبراء، فإن مطالبة أرمينيا بتعويض أو إيجار للقاعدة، فضلاً عن رفضها دفع النفقات الجارية، قد يشكل ضربة قوية للموقف العسكري الروسي داخل المنطقة. ولا يقتصر هذا التحرك على كونه مسألة اقتصادية فحسب، بل يعد أول وأهم إشارة سياسية من يريفان لإعادة النظر في الوجود العسكري الروسي جنوب القوقاز.
الجنوح نحو الغرب
يوجه ممثلو حزب "العقد المدني" الحاكم بقيادة رئيس الوزراء باشينيان، ومحللون منتسبون إليه، مراراً وتكراراً انتقادات لدور روسيا في المجال الأمني خلال الأعوام الأخيرة، معتقدين أن روسيا لم تفِ بالتزاماتها التحالفية تجاه أرمينيا حين تعرض إقليم ناغورنو قره باغ لهجوم من أذربيجان بدعم من تركيا. ولذلك، يعد إثارة القضية المالية المتعلقة بالقاعدة جزءاً ضرورياً من استراتيجية يريفان الجديدة، التي تسعى إلى إعادة هيكلة العلاقات مع موسكو بالكامل.
غير أن المسألة تتجاوز مجرد طلب المال، فالهدف النهائي الرئيس الذي يناقش سراً في يريفان هو الانسحاب الكامل للقاعدة العسكرية رقم 102 من الأراضي الأرمينية، وتعتقد القيادة السياسية أن هذه القاعدة لم تعد تخدم أمن أرمينيا بل تعزل البلاد عن المشاريع الغربية وتحد من سيادتها.
وترغب الحكومة الأرمينية في تعديل الاتفاق العسكري الموقع عام 2010، والذي يسري حتى عام 2044، بصورة أحادية أو ثنائية، وتعمل يريفان على تطوير آليات قانونية لإضافة بنود جديدة إلى الاتفاق تتعلق بوقف تمويل القاعدة العسكرية وخفضه تدريجاً.
كذلك فإن الدعم اللوجيستي وممرات النقل التي توفرها أرمينيا لعمليات القاعدة مهددة، وتعتزم يريفان خفض هذه الكلف اللوجيستية للحد من قدرة القاعدة على الحركة والإمداد، مما يعني فعلياً شلها عسكرياً.
لكن أرمينيا لم تتخذ حتى الآن خطوات قانونية حاسمة لتنفيذ هذه الإجراءات رسمياً، بسبب الجدول الزمني الاستراتيجي ليريفان، فالقيادة الأرمينية تنتظر ببساطة توقيع معاهدة سلام نهائية مع أذربيجان. وبمجرد توقيع معاهدة السلام، لن يكون هناك أي مبرر "أمني" مشروع لوجود قاعدة عسكرية روسية داخل أرمينيا.
وفي وقت تسعى يريفان إلى النأي بنفسها عن موسكو والتقرب من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، باتت القاعدة 102 أكبر عقبة أمام ذلك. وتدرك الحكومة الأرمينية أنه طالما بقيت روسيا في البلاد، فسيكون من المستحيل الحصول على ضمانات أمنية جدية من الغرب. لذا، يعد خفض التمويل أيضاً دليلاً على الولاء للغرب.
لم يُعلن بعد القرار النهائي والرسمي للحكومة الأرمينية في شأن هذه المسألة، إلا أن بروز هذا الموضوع على الأجندة السياسية للبلاد تزايد بصورة ملحوظة في الفترة الأخيرة، سواء داخل اللجان البرلمانية أو عبر وسائل الإعلام، مما يشير إلى قرب اتخاذ خطوة رسمية. وتقوم الحكومة حالياً بوضع إطار قانوني لمواجهة أي ردود فعل سلبية قد تصدر من موسكو.
القواعد الروسية في العالم
تنتشر المنشآت العسكرية الروسية بصورة رئيسة داخل دول رابطة الدول المستقلة (بيلاروس وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأرمينيا)، والجمهوريات المعترف بها جزئياً (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية) وترانسنيستريا وسوريا، إضافة إلى الفيلق الأفريقي المنتشر في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وأفريقيا الوسطى، بعدما أغلقت روسيا كل القواعد العسكرية التي ورثتها عن الاتحاد السوفياتي في كوبا وفيتنام وأنغولا وغيرها. ويتمثل دور هذه القواعد في توفير الردع الاستراتيجي والسيطرة على المجال الجوي واختبار الأسلحة وحماية الحلفاء، وبسط النفوذ خارج نطاق الفضاء ما بعد السوفياتي.
في ما يلي هيكل مفصل يوضح مواقع ووظائف هذه القواعد العسكرية الاستراتيجية في رابطة الدول المستقلة والدول المعترف بها جزئياً...
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
طاجيكستان، القاعدة العسكرية رقم 201 (دوشانبه، بوختار)، والتي تعد أكبر قاعدة برية روسية في الخارج، وتتولى الدفاع عن الحدود الجنوبية لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والسيطرة على الحدود الطاجيكية - الأفغانية، ومكافحة التهديدات الإرهابية المقبلة من أفغانستان، كذلك يقع مركز أوكنو للمراقبة الفضائية البصرية والإلكترونية داخل نوريك.
أرمينيا، حيث توجد القاعدة العسكرية رقم 102 (غيومري) والتي توفر غطاءً للجناح الجنوبي لرابطة الدول المستقلة والدفاع الجوي للمنطقة، كجزء من نظام أمني مشترك.
بيلاروس، وبها محطة رادار فولغا في غانتسيفيتشي، والمكلفة الإنذار بالهجوم الصاروخي ومركز الاتصالات البحرية الـ43 (في فيليكا، والمخصص للاتصالات مع الغواصات النووية).
كازاخستان، وتحوي ميدان اختبار ساري شاغان (لاختبار أنظمة الدفاع الصاروخي) ومرافق مركز اختبار الطيران الحكومي رقم 929. ويستخدم مطار بايكونور الفضائي لأغراض مدنية وعسكرية.
قيرغيزستان، وتضم قاعدة كانت الجوية رقم 999 (التي توفر الدعم الجوي لقوات الانتشار السريع الجماعية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي)، وقاعدة كوي ساري لاختبار الأسلحة المضادة للغواصات في إيسيك كول.
أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، حيث تتمركز القواعد العسكرية للحراسة السابعة (غوداوتا، أوتشامشيري) والرابعة (تسخينفالي، جاوة)، ويقتصر دورها على حماية سيادة هذه الجمهوريات غير المعترف بها وضمان الاستقرار الإقليمي من جانب القوقاز.
ترانسنيستريا (مولدوفا)، وبها المجموعة العملياتية للقوات الروسية المكلفة حراسة أكبر مستودعات الذخيرة في كوباسنا وتنفيذ مهمة حفظ السلام.
في الخارج البعيد
سوريا، وتقع بها قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية اللوجيستية، اللتان تعدان موقعين استراتيجيين رئيسين لبسط النفوذ في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، وبموجب اتفاقات دبلوماسية بين الطرفين تخضع هاتان القاعدتان لإعادة تنظيم، مع التركيز على توسيع مراكز التدريب المشتركة.
وفي أفريقيا تعزز روسيا نفوذها عبر فيلق أفريقيا (وهو هيكل تابع لوزارة الدفاع) في دول مثل مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا والنيجر، وتوفر الحماية للحكومات وتكافح الجماعات المتطرفة. ويخضع مشروع إنشاء قاعدة بحرية في السودان (بورتسودان) على البحر الأحمر لمرحلة الموافقة المطولة.
الدور الأميركي والأوروبي
طبعاً لا يمكن مقارنة انتشار القواعد العسكرية الروسية بتلك التي تنشرها الولايات المتحدة في شتى بقاع الأرض، لا من حيث الحجم ولا العدد ولا الكم، ومع هذا تسعى الولايات المتحدة جاهدة لتحجيم دور ووظيفة وقدرات القواعد الروسية في الخارج، لا سيما داخل سوريا وأفريقيا والقوقاز. فواشنطن ومن دون ضجة تعمل بدأب على تعزيز وجودها في جنوب القوقاز من خلال آليات النقل وحفظ السلام. ويتمثل الهدف الاستراتيجي الرئيس في إنشاء موطئ قدم جيوسياسي لواشنطن طويل الأمد يحد من نفوذ روسيا وإيران، وإلى حد ما الصين. وهنا تحديداً تكمن المصلحة الأميركية طويلة الأمد في المنطقة.
ومع ذلك ثمة شرط مهم، فلن تتمكن الولايات المتحدة من تنفيذ هذه الاستراتيجية إلا بتحقيق سلام نهائي بين أرمينيا وأذربيجان، إذ إن السلام وحده كفيل بتحويل جنوب القوقاز إلى ساحة لتحقيق المصالح الجيواقتصادية طويلة الأمد للولايات المتحدة، وتمرير هذه المصالح يقتضي تصفية القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا بضغط من تركيا وأذربيجان والحزب الحاكم في يريفان.
هل يمكن القول إن السلام هو الهدف الأساس لواشنطن؟ "على الأرجح لا"، تقول الخبيرة كارين ميرزويان "السلام ليس الغاية النهائية للسياسة الأميركية، بل يعد شرطاً ضرورياً لتنفيذ استراتيجية أميركية أوسع في المنطقة".
ومن بين الدول غير المتجاورة، تعد الولايات المتحدة والدول الأوروبية القوى الأكثر نفوذاً في جنوب القوقاز من حيث المساعدات والتجارة والتبادلات والروابط الأخرى. وتتوافق أهداف الولايات المتحدة وأوروبا داخل المنطقة عامة، بما في ذلك دمج المنطقة مع الغرب ومنع التوجهات المعادية للغرب وفتحها للتجارة والنقل وتأمين موارد الطاقة، ومساعدة المنطقة على التحول للدوران في فلكها وبعيداً من النفوذ الروسي. ويشهد على ذلك اضطلاع الاتحاد الأوروبي بدور قيادي دولي في الوساطة إزاء النزاع الروسي - الجورجي في أغسطس (آب) 2008، وفي نشر مراقبين داخل المنطقة بعد وقف إطلاق النار. وفي عام 2009، أطلق الاتحاد الأوروبي برنامج الشراكة الشرقية لتعميق العلاقات مع دول جنوب القوقاز. وبموجب هذا البرنامج، خطط الاتحاد الأوروبي لإبرام "اتفاقات تجارة حرة معمقة وشاملة مع الدول الراغبة والقادرة على تحمل التزامات أعمق، والاندماج تدريجاً في اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وتسهيل السفر إلى الاتحاد الأوروبي من خلال تحرير تدريجي لتأشيرات الدخول".
يقول عالم السياسة، هاكوب باداليان، إن الصعوبات الحالية في العلاقات الأرمينية - الروسية التي يمكن أن تفضي إلى إغلاق القاعدة 102، لا يمكن النظر إليها فقط على أنها قضية ثنائية، بل لها سياق أوسع يتعلق بتحول النظام العالمي. ففي حين يشكل الخيار الاستراتيجي بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والاتحاد الأوروبي حالياً قضية ملحة لأرمينيا، فإن معضلة مماثلة تلوح في الأفق أيضاً بالنسبة إلى أعضاء آخرين في الاتحاد، ولا سيما كازاخستان، التي تعمل معها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنشاط. وبينما تثير موسكو مسألة استمرار صداقتها مع يريفان وعضويتها في المنظمات الدولية التي تقودها، فإنها في الوقت ذاته تحاول فهم آفاق التموضع لدى شركاء آخرين، يحاولون بهدوء وبسرية الابتعاد منها وإدارة ظهورهم لها.