Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتخابات روسيا تخلو من التجاذبات مع إقصاء حزب "يابلوكو" المعارض

يتحول مجلس الدوما تدريجاً من منصة للتمثيل الشعبي ومنصة للرقابة والمحاسبة إلى آلية لإضفاء الشرعية على القرارات المتخذة مسبقاً في ردهات الكرملين

ظل حزب "يابلوكو" الحزب الفيدرالي الوحيد المسجل رسمياً الذي يتبنى برنامجاً واضحاً ومعلناً مناهضاً للحرب ضد أوكرانيا (أ ف ب)

ملخص

بحلول انتخابات مجلس الدوما المقررة بعد ثلاثة أسابيع، يظل حزب "يابلوكو" الحزب الوحيد المناهض للحرب في روسيا، الذي احتفظ بتسجيله لدى وزارة العدل ومقاعده في عدد من البرلمانات الإقليمية.

الصورة التي تتكشف حول الانتخابات البرلمانية والإقليمية المقررة في روسيا خلال شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، تبدو سريالية حقاً. فبينما تعلن اللجنة المركزية للانتخابات استعدادها لإجراء "تصويت شفاف تماماً"، تعمل أجهزة الدولة بأكملها، بدءاً من المسؤولين المحليين إلى الاستراتيجيين السياسيين، وأجهزة إنفاذ القانون، وصولاً إلى المحاكم، في حالة طوارئ قصوى. وقد أطلق الكرملين العنان لموارده الإدارية بكامل طاقتها لحشد الدعم للحزب الحاكم "روسيا الموحدة" وحظر المعارضين من المشاركة، محولاً الاستعداد للانتخابات من منافسة فكرية بين برامج انتخابية، إلى حملة لتقاسم مقاعد مجلس الدوما بين الموالين.

حظر مشاركة حزب "يابلوكو"

أكبر نكسة لديمقراطية الانتخابات المقررة وأكثرها مأسوية وسوداوية، تمثلت في عملية التطهير التي سبقت الانتخابات، بإقصاء حزب "يابلوكو" المعارض الوحيد من السباق البرلماني ومنعه من المشاركة فيها، بعد قبول وثائق مرشحيه وتسجيله في القوائم الانتخابية، وحصوله على رقم في القوائم الانتخابية.

ففي الـ10 من أغسطس (آب)، ألغت المحكمة العليا في روسيا الاتحادية تسجيل هذا الحزب المعارض للحرب في أوكرانيا والداعي إلى السلام معها في القائمة الفيدرالية، وفي الـ17 من الشهر ذاته، خلصت هيئة الاستئناف، كما كان متوقعاً، إلى رفض الطعن في قرار المحكمة العليا. وكان حزب "رودينا"، الذي يعد حزباً صغيراً موالياً للكرملين، قد رفع دعوى لمنع حزب "يابلوكو" المعارض من المشاركة في الانتخابات، بحجة ارتكابه انتهاكات "خطرة للغاية"، منها ادعاءات حقوق النشر في مواد الحملة الانتخابية، واستخدام صور أشخاص آخرين، وصولاً إلى اتهامه بتلقي تمويل من "مصادر أجنبية" محتملة.

لم يتمالك المحامون والصحافيون الاستقصائيون، الذين راجعوا الدعوى القضائية أنفسهم من الشك بصحة هذه الادعاءات. ومن بين المواد التي زعم أنها "تقوض أسس قانون الانتخابات" صور مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي والشبكة العصبية ChatGPT، ولقطات من الفيلم المقتبس عن الرواية الملحمية "الحرب والسلام"، إضافة إلى صور لنائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف، وحاكم سانت بطرسبرغ ألكسندر بيغلوف، ورئيسة اللجنة المركزية للانتخابات إيلا بامفيلوفا.

لكن بغض النظر عن المبررات القانونية التي استخدمت لإقصاء الحزب الوحيد المعارض، فإن الأسس السياسية واضحة. فقد ظل حزب "يابلوكو" الحزب الفيدرالي الوحيد المسجل رسمياً، الذي يتبنى برنامجاً واضحاً ومعلناً مناهضاً للحرب ضد أوكرانيا. وكان من شأن الإبقاء على مثل هذه القائمة في ورقة الاقتراع أن يمنح المواطنين فرصة قانونية للتعبير عن معارضتهم للمسار الحالي، ولم يكن بمقدور الكرملين تحمل ذلك ببساطة.

هذه هي المرة الأولى منذ عقود، التي لا يدرج فيها حزب "يابلوكو" في أية قائمة انتخابية في انتخابات مجلس الدوما. كان الحزب قد شارك في الحملات البرلمانية منذ عام 1993، لكنه لم يكن ممثلاً في المجلس الأدنى خلال الأعوام الأخيرة. والآن، لن يشارك في انتخابات عام 2026 على الإطلاق.

حظر مرشحين فرديين

علاوة على حظر حزب بأكمله من المشاركة في الانتخابات، شنت حملات موجهة ضد مرشحين يخوضون انتخابات فردية، لكنهم لا يروقون للكرملين ولو كانوا من أحزاب النظام الرسمي. وهنا، لا حدود لخيال الجهاز البيروقراطي. وتعد ظاهرة "برنامج اللجنة الانتخابية المركزية" المعقد خير دليل على ذلك، فعلى سبيل المثال، في الـ19 من أغسطس، استبعدت محكمة موسكو الإقليمية مرشح حزب "يابلوكو"، فيكتور بيستروف، من الانتخابات، بسبب أخطاء في وثائق تسجيله. والجزء الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القصة هو أن الوثائق أنشئت باستخدام برنامج خاص طورته اللجنة الانتخابية المركزية نفسها. بعبارة أخرى، النظام نفسه هو الذي أحدث الأخطاء، ليتمكن النظام من استخدامها لاستبعاد المرشح.

لا تقل دلالة عن ذلك قضية ما يمكن تسميته "شبح الشبكات الاجتماعية المحظورة"، فقد جرى استبعاد مرشح من الحزب الشيوعي بسبب روابط قديمة له على "فيسبوك" و"إنستغرام"، وكلاهما يعدان متطرفين في روسيا. ليس بسبب أنشطته الحالية، ولا بسبب مخالفات الحملة الانتخابية، بل بسبب آثار رقمية قديمة تركت حتى قبل أي حظر قانوني على هذه الشبكات الاجتماعية. الآلية بسيطة للغاية: يرسل محامون لملاحقة المرشحين غير المرغوب فيهم من الكرملين، ويبحثون بدقة عن أية فاصلة لإزالتهم من ورقة الاقتراع قبل بدء التصويت.

أما بالنسبة إلى من تمكنوا من تجاوز عقبات التسجيل، فتهيأ لهم ظروف تنافي مفهوم "المنافسة العادلة" إلى أبعد الحدود، ففي مدينة بايكالسك شن رئيس بلدية حزب روسيا الموحدة فاسيلي تيمجينيفسكي، حملة شخصية لإزالة لافتة مرشح حزب "يابلوكو"، بافيل خاريتونينكو. حملت اللافتة، التي دفع ثمنها رسمياً من أموال الحملة، شعاراً "خطراً" بالنسبة إلى الحزب الحاكم "من أجل السلام والحرية". وقد تكبد رئيس البلدية عناء الاتصال بالشركات المحلية، مطالباً إياها بإزالة اللافتة فوراً.

لكن عندما يتبين عدم كفاية الضغط الإداري، تتدخل أجهزة إنفاذ القانون. فعلى سبيل المثال، في الـ21 من أغسطس، ألقي القبض على نيكولاي بوندارينكو، المرشح البارز لمجلس الدوما عن الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي. رسمياً، كان ذلك بتهمة إدارية أخرى، لكن في الواقع، كان ذلك في خضم حملة انتخابية. في الوقت نفسه، يتزايد الضغط على مؤيدي مرشحي المعارضة: ففي الـ14 من أغسطس، أصدرت الشرطة "تحذيرات" للمواطنين الذين تجمعوا أمام مبنى المحكمة العليا، وفي الـ17 من أغسطس، خلال النظر بحظر حزب "يابلوكو"، اعتقلت قوات الأمن أكثر من 50 شخصاً. كان الناس يقفون ببساطة خارج المحكمة، لكن في النظام الروسي الحالي، يعد هذا احتجاجاً غير مرخص.

حزب "رودينا"، الذي رفع دعوى قضائية لاستبعاد حزب "يابلوكو" من الانتخابات، يترأسه النائب أليكسي جورافليف في مجلس الدوما. وقد ادعى هذا الحزب أن برنامج "يابلوكو" ومنشوراته تتضمن عناصر "تطرف"، بما في ذلك دعوات إلى انتهاك وحدة أراضي روسيا، ومواد تهدف إلى "إثارة الفتنة الاجتماعية أو العرقية أو القومية أو الدينية"، و"المساس بالكرامة الوطنية".

وحاول رودينا أيضاً البحث عن دلائل على "التطرف" في البرنامج الانتخابي لحزب "يابلوكو"، الذي يتألف من 43 كلمة فقط: يدعو الحزب إلى وقف إطلاق النار، والدبلوماسية، ومنع الحرب النووية، والتحرر من الخوف والقمع السياسي، و"روسيا ديمقراطية مزدهرة". ورأى ممثلو رودينا، على وجه الخصوص، أن الدعوة إلى وقف إطلاق النار تعد هجوماً على وحدة أراضي روسيا.

أسباب حظر المعارضين

يعزو سياسيون معارضون وعلماء سياسيون قرار المحكمة إلى الصراع بين مختلف الجماعات داخل النخبة الحاكمة في الكرملين، وخوفهم من أن حملة انتخابية قانونية ستسمح لمعارضي الحرب برؤية مدى دعمهم المتبادل.

في الوقت نفسه، أظهرت بيانات استطلاعات الرأي أن قاعدة الناخبين المحتملين للحزب كانت أعلى من تصنيفه المعتاد. ووفقاً لبيانات مؤسسة "قيتسيوم" لاستطلاعات الرأي أبدى 18 في المئة من المستطلعة آراؤهم باحتمال التصويت لحزب "يابلوكو" (وكان هذا تحديداً سؤالاً حول إمكان هذا الخيار، وليس نية التصويت للحزب).

وأوضح رئيس حزب "يابلوكو" نيكولاي ريباكوف، أمام المحكمة العليا، سبب الرغبة في استبعاد الحزب من الانتخابات، قائلاً "جوهر خلافنا هو أننا ندعم السلام، وهم يدعمون سفك الدماء، لكنهم يدركون أن الناس يريدون التصويت للسلام، وهم يخشون ذلك، ولهذا السبب يريدون استبعادنا من الانتخابات".

وأضاف "يحاول المدعي تحميلنا المسؤولية لمجرد اختلاف برنامجنا عن برامج الأحزاب الأخرى، وانتقادنا لنهجهم السياسي، وإعلاننا الصريح عن ضرورة التغيير السلمي. وقد ذهب المدعي إلى حد الادعاء السخيف بأن شعار ’من أجل السلام والتغيير‘ يهين كرامة من يصوتون للأحزاب الأخرى".

سياسة حظر المعارضين

حظر حزب "يابلوكو" المعارض من المشاركة في الانتخابات النيابية ليس سابقة في روسيا، بل إن اللجنة المركزية للانتخابات كانت استبعدت المرشح الرئاسي المعارض بوريس ناديجدين، من منافسة فلاديمير بوتين عام 2024، بعدما قرر ناديجدين، السياسي المتمرس والحذر والملتزم التزاماً تاماً بقواعد اللعبة، الترشح للرئاسة. كان النظام يأمل في الحصول على خصم ضعيف ومناسب لإظهار "تنوعه".

لكن حدث خلل بنيوي، فقد اصطف آلاف الأشخاص في أنحاء البلاد وخارجها في طوابير طويلة للتوقيع على ترشيحه. ورأى المواطنون فيه الأداة الوحيدة المتاحة للتعبير عن مطالبهم بالتغيير. وعلى الفور، تراجعت لجنة الانتخابات المركزية عن موقفها ورفضت التوقيعات، معللة ذلك بأنها توقيعات "أرواح ميتة".

وعندما أعلن ناديجدين نيته الترشح لانتخابات مجلس الدوما هذا العام، لم يكتف النظام برفض تسجيله، بل قرر اعتماد نهج سياسي أشد. ففي البداية، وصم بأنه "عميل أجنبي". ثم توالت عليه سلسلة من الغرامات الإدارية، مما أدى تلقائياً إلى استبعاده من الترشح لمدة عام. وفي أغسطس، فتحت ضده قضية لانتمائه إلى "منظمة غير مرغوب فيها"، وكانت النتيجة ترحيله قسراً تحت وطأة التهديد بالسجن.

إن هذه الحملة الواسعة النطاق والمحمومة من المضايقات ضد هذا السياسي الذي يفترض أنه معتدل، لا تثبت إلا أن السلطات تحرص حتى من خصم حذر للغاية مثل ناديجدين. فهو في نهاية المطاف لا يحظى بدعمه وحده، بل بدعم شريحة واسعة من المجتمع تتوق إلى الحياة الطبيعية.

التضييق على المعارضة وخطط تصفية أحزابها

من الصعب التكهن الآن بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه حملة التضييق على المعارضين ومنعهم من المشاركة في الانتخابات، إذ إن منع حزب "يابلوكو" من المشاركة في انتخابات مجلس الدوما يعرض وجوده كحزب للخطر. لأن القانون الفيدرالي الروسي ينص على وجوب مشاركة الأحزاب في الانتخابات الفيدرالية مرة كل سبع سنوات، وإلا ستواجه التصفية.

بالنسبة إلى حزب يابلوكو، ينتهي هذا الموعد النهائي في عام 2028. ويمكن استيفاء الحصة المطلوبة من خلال المشاركة في الانتخابات الإقليمية، ولكن من المحتمل أن تكون الزيادة في الدعم خلال حملة مجلس الدوما الحالية هي الحلقة الأخيرة المهمة في تاريخ حزب "يابلوكو"، وهو حزب حاول، على رغم معارضته للكرملين، الالتزام بقواعده.

في عام 2014، لم يؤيد الحزب ضم شبه جزيرة القرم. وفي صيف ذلك العام، قدم ليف شلوسبرغ، الذي كان آنذاك نائباً عن حزب "يابلوكو" في الجمعية الإقليمية لبسكوف وناشر صحيفة "بسكوفسكايا غوبيرنيا"، أحد أكثر الأدلة إثارة على تورط الجيش الروسي في الحرب بشرق أوكرانيا: إذ أبلغ عن جنازات "مغلقة" لجنود من الفرقة 76 المحمولة جواً في بسكوف ممن شاركوا في القتال. وبعد ذلك بوقت قصير، تعرض شلوسبرغ للضرب، ولم يعثر على مهاجميه قط.

في عام 2023، كشف الحزب عن عقد اجتماع غير متوقع، إذ توجه زعيمه آنذاك غريغوري يافلينسكي إلى الكرملين للقاء فلاديمير بوتين لمناقشة وقف محتمل لإطلاق النار. استقبل الرئيس الروسي "صديقه" القديم، لكنه لم يوقف إطلاق النار.

بحلول انتخابات مجلس الدوما المقررة بعد ثلاثة أسابيع، يظل حزب "يابلوكو" الحزب الوحيد المناهض للحرب في روسيا الذي احتفظ بتسجيله لدى وزارة العدل ومقاعده في عدد من البرلمانات الإقليمية.

لكن أعضاء هذا الحزب أنفسهم تعرضوا لقمع غير مسبوق خلال سنوات الحرب الأربع. فقد منع 14 عضواً، بمن فيهم الزعيم نيكولاي ريباكوف، من الترشح في انتخابات مجلس الدوما هذه بتهمة توزيع "رموز متطرفة". ومن المفارقات أن هذه القضايا رفعت في المقام الأول بسبب صور للمعارض الشهير الراحل، أليكسي نافالني، عثر عليها في حسابات أعضاء الحزب على مواقع التواصل الاجتماعي. ووجهت التهمة إلى ريباكوف، لأنه نشر رسالة تعزية لعائلته في يوم اغتيال نافالني في سجنه قرب القطب الشمالي في الـ16 من فبراير (شباط) عام 2024.

تم تصنيف 12 عضواً من حزب "يابلوكو"، بمن فيهم نائبا الرئيس ليف شلوسبرغ وبوريس فيشنفسكي، على أنهم "عملاء أجانب". ويقبع شلوسبرغ، أحد أبرز معارضي الحرب المتبقين في روسيا، رهن الحبس الاحتياط منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي بتهمة "تزييف الحرب". كما حكم على عضو آخر في حزب "يابلوكو"، مكسيم كروغلوف، بالسجن سبع سنوات بتهمة مماثلة.

ونتيجة لذلك، لم يتمكن سوى أعضاء حزب "يابلوكو" غير المعروفين من الوصول إلى قائمة الحزب الانتخابية.

على رغم الصراعات السابقة وحرص الحزب على عدم انتقاد الهجوم على أوكرانيا، دعت المعارضة الروسية في المنفى إلى دعم حزب "يابلوكو". لكن هذا الحزب نأى بنفسه عن دعم المنفيين، ومع ذلك حال النظام السياسي بأمر من محكمة تابعة له دون استمراره في حملته.

مرآة القلق

في ظل هذا العدمية القانونية للديموقراطية على الطريقة الروسية، تبدو التصريحات الرسمية سريالية بصورة خاصة، وهي تبدي قلقها من التدخلات الأجنبية. فقد أعلن فاسيلي بيسكاريف، رئيس لجنة مجلس الدوما التي تحقق في التدخل الأجنبي، بأنه يجري تدريب "مراقبين مزيفين" في الخارج، وتتمثل مهمتهم في "تشويه سمعة الانتخابات الروسية".

لكن النائب بيسكاريف وزملاءه في الحزب الحاكم لم يتذكروا أنه لا يوجد مركز أجنبي قادر على تشويه سمعة الانتخابات الروسية أفضل من الحكومة نفسها، لأن إقصاء الحزب الوحيد المناهض للحرب إثر دعوى قضائية تتعلق بصور الشبكات العصبية، وطرد المرشحين من البلاد، وحظر كلمة "سلام" من الملصقات، والاعتقالات أمام أبواب المحكمة العليا، هذه هي "الإنجازات" الحقيقية التي تستعد بها روسيا لانتخابات سبتمبر.

فستجرى انتخابات مجلس الدوما من دون مشاركة حزب "يابلوكو"، مما يحرم الناخبين تماماً من الفرصة القانونية للتصويت للمعارضة الديمقراطية المسجلة على المستوى الاتحادي، بعدما ألغت المحكمة العليا نهائياً تسجيل الحزب في القائمة الاتحادية.

النظام يعيد إنتاج نفسه

تبشر الانتخابات البرلمانية الروسية لعام 2026 بأن تكون خالية من التجاذبات السياسية الحادة، ولكنها تحمل في طياتها أهمية مؤسسية بالغة. فخلال ثلاثة أيام من الـ18 إلى الـ20 من سبتمبر، سيختار الناخبون مجلس الدوما التاسع، ومعه سيعاد تشكيل جزء كبير من المشهد السياسي الإقليمي في المقاطعات والمناطق، إذ ستجرى حملات انتخابية متزامنة في ثلث الأقاليم، تشمل انتخابات 39 مجلساً تشريعياً وعدداً من المحافظين.

يبقى هيكل الانتخابات ونظامها وعدد النواب على حاله، إذ يختار الروس 450 نائباً لدخول الندوة البرلمانية، ينتخب نصفهم من قوائم الأحزاب الفيدرالية، والنصف الآخر من دوائر انتخابية ذات مقعد واحد. وقد ترسخ هذا النظام المختلط كحل وسط بين السيطرة المركزية والحاجة إلى الحفاظ على مظهر التمثيل الإقليمي الشخصي. رسمياً، يسمح هذا النظام بمزيج من التنافس الحزبي ونضال "الشخصيات المحلية" من أجل تمثيل الدوائر الانتخابية. أما في الواقع، فغالباً ما تستخدم الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد كقناة لترشيح مرشحين موالين للحزب الحاكم، ولكن لأسباب مختلفة، لا يترشحون على قائمته.

ويحتفظ حزب "روسيا الموحدة" الحاكم بالموارد المؤسسية والإدارية التي تمكنه من الاعتماد على غالبية في مجلس الدوما، حتى مع انخفاض طفيف في حصته من الأصوات. ومن غير المرجح أن تختفي المعارضة النظامية، الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي، والحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، وحزب روسيا العادلة، لكن نفوذها سيعتمد بصورة أقل على برنامجها السياسي، وأكثر على قدرتها على حشد قاعدتها الشعبية وسط حالة من الإرهاق وتراجع الثقة في المؤسسات. قد تعزز أحزاب "الشعب الجديد" والأحزاب الصغيرة مواقعها في المدن الكبرى وبين الناخبين الشباب، لكن دورها في توزيع السلطة سيظل محدوداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توقعات الخبراء

عقدت مؤسسة تنمية المجتمع المدني جلسة نقاش بعنوان "انتخابات مجلس الدوما لعام 2026: الاستراتيجيات والوجوه والاتجاهات". وخلص الخبراء إلى أن التهديدات العسكرية والمشكلات الاقتصادية، ولا سيما سوق الوقود، تقلق الناخبين، لكنها لم ولن تؤثر بعد في خياراتهم، ويتوقع علماء السياسة أن يتغير تشكيل مجلس النواب بصورة طفيفة فقط بعد الانتخابات.

ورداً على سؤال "اندبندنت عربية"، أشار رئيس مؤسسة تنمية المجتمع المدني الخبير السياسي كونستانتين كوستين إلى أنه من غير المرجح ظهور حزب جديد في مجلس الدوما الجديد، وأن البرلمان سيمثل بالأحزاب الحالية، وهو رأي أيده المشاركون الآخرون في الاجتماع. وأكد المحلل ديمتري أورلوف ذلك قائلاً "على عكس عام 2021، لا توجد اليوم أحزاب غير برلمانية قادرة على تجاوز عتبة خمسة في المئة الضرورية لدخول قبة البرلمان".

واستذكر كوستين كلمات رئيس حزب "روسيا الموحدة" الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، الذي صرح بأن انتخابات مجلس الدوما تجرى في ظل ظروف حرب للمرة الأولى في تاريخ روسيا. وأضاف الخبير السياسي أن هذا الأمر يحدد مسار الحملة الانتخابية بأكملها، إذ يتعين على المشاركين مراعاة مستوى القلق المرتفع في المجتمع، في حين تهمش قضايا مألوفة كالصحة والخدمات العامة، لتفسح المجال أمام هجمات الطائرات المسيرة والوضع في سوق الوقود، وأشار إلى أن جميع الأحزاب البرلمانية تضم في قوائمها أسماء قدامى المحاربين في العملية العسكرية الخاصة بأوكرانيا.

وخلص كوستين إلى توقع دخول خمسة أحزاب إلى البرلمان مجدداً، لكن حزب الشعب الجديد سيتقدم من المركز الخامس إلى الرابع. ورجح أن الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي سيبقى في المركز الثاني، قائلاً "لا يزال هناك سياسيون يجيدون استغلال السخط الشعبي".

وأشار إلى أن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العامة تؤثر حتى في المواطنين الذين كانوا محايدين سياسياً في السابق، وذكر أن تزايد مستوى القلق العام عامل مهم في الحملة. وفي الوقت نفسه، أوضح سيرغي بيرمينوف، عضو المجلس العام لحزب "روسيا الموحدة" الحاكم، أن هدف الانتخابات هو تأمين غالبية برلمانية من خلال منافسة شرعية.

وأكد ديمتري أورلوف، الرئيس التنفيذي لوكالة الاتصالات السياسية والاقتصادية، أن التحديات التي واجهها المواطنون أخيراً "لا تحد من هيمنة حزب روسيا الموحدة" و"لا تغير جوهرياً من دعم الحزب". ووصف بداية حملة هذا الحزب الحاكم بأنها نشطة، مشيراً إلى أن قائمته تظهر "توطيداً للنخب الموالية على المستويات كافة".

انتخابات بلا مفاجآت ونتائجها معروفة سلفاً

تتضح عيوب النموذج الحالي للديمقراطية على الطريقة الروسية في فقدان الدولة للمؤسسات الدستورية الفاعلة، وفي تحول البرلمان إلى سلطة تابعة للرئاسة في الكرملين، مما يفقد مبدأ فصل السلطات وتوازنها أي معنى أو جدوى. فمع قلة المنافسة الحقيقية، ودور البرلمان المحدود في صنع السياسات، والقيود الصارمة على أهلية الترشح للانتخابات، يتحول مجلس الدوما تدريجاً من منصة للتمثيل الشعبي ومنصة للرقابة والمحاسبة، إلى آلية لإضفاء الشرعية على القرارات المتخذة مسبقاً في ردهات الكرملين. وهذا يقلل من حوافز تجديد النخب، ويضعف الصلة بين الرأي العام وتكوين البرلمان، ويزيد في نهاية المطاف من خطر ظهور التناقضات المتراكمة يوماً ما خارج الإطار المؤسسي.

من المرجح ألا تشكل حملة انتخابات 2026 نقطة تحول حاسمة، لكنها تكتسب أهمية ضمن سياق أوسع. فروسيا تدخل مرحلة من القيود المتزامنة يتشابك فيها تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع أسعار الفائدة، والعزلة الخارجية، وإرهاق الرأي العام من أجندة التعبئة المستمرة. في ظل هذه الظروف، كان يمكن للبرلمان أن يشكل صمام أمان، يسمح بدخول أفكار جديدة وشخصيات جديدة إلى النظام، إلا أن الهيكل الانتخابي الحالي وقواعد اللعبة تجعل هذا السيناريو مستبعداً.

يمكن وصف انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 بأنها حملة انتخابية لم ولن تشهد مفاجآت لا في بداياتها ولا في نهاياتها ولا في نتائجها المتوقعة سلفاً. ومع ذلك، من المنطقي مراقبة التفاصيل عن كثب، لمعرفة كيفية تشكيل اللجنة المركزية الجديدة للانتخابات بعد إجرائها، والأحزاب التي ستصل فعلياً إلى الاقتراع، وثقل التصويت الاحتجاجي، وحجم الإعراض عن التصويت والتوجه إلى الصناديق في المدن الكبرى. لأنه في الأنظمة السياسية التي تندر فيها التحولات الكبرى، فإن هذه الحملات المنظمة والمتوقعة لحظر ومنع المعارضين هي التي تشكل تدريجاً ملامح المستقبل، أحياناً على عكس النوايا الأصلية لمنظميها.

المزيد من تقارير