ملخص
كان اقتراح رئيس الوزراء الأرميني بإنشاء "بديل لكومنولث الدول المستقلة" في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي من دون مشاركة روسيا، بمثابة إعلان سياسي عن نيته تقليص العلاقات مع موسكو، ومقدمة مناسبة لما أعلنه الرئيس الأوكراني من تهديدات لروسيا وعزمه على إفساد احتفالاتها بالذكرى الـ81 للنصر على ألمانيا الهتلرية.
في احتفال بدا وكأنه عرس على الطريقة الشرقية، وقف نيكول باشينيان رئيس وزراء أرمينيا يرحب بضيوفه من رؤساء وقيادات البلدان الأوروبية ومديري بعض الوكالات والهيئات الدولية ممن تقاطروا على العاصمة يريفان للمشاركة في أول قمة تعقدها للمجتمع السياسي الأوروبي.
ولم يكن غريباً ما أظهره باشينيان من فرحة غامرة تلبسته لدى معانقته وتقبيله للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأكثر من مرة، وهو ما عاد ليختص به الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي الذي بدا وكأنه "ضيف شرف الاحتفالات" مع آخرين من الضيوف الأوروبيين.
وفي مثل هذا "العرس" الذي لم يكن ينقصه سوى بعض الخيول، وقليل من "الطبل والزمر ورقص الغازيات" لاستكمال احتفالات يريفان، كشفت أرمينيا عن حقيقة مواقفها من روسيا، فيما أزاح نيكول باشينيان النقاب عما وراء مخططاته حول إنهاء التحالف مع موسكو، والتحول نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وذلك فضلاً عن إعلانه حول اقتراحه بشأن "إنشاء بديل لكومنولث الدول السوفياتية المستقلة" من دون روسيا، وهو ما يستهدف به ضمنا اللعب على مشاعر الناخبين من أنصاره قبيل الانتخابات البرلمانية المرتقبة في أرمينيا في يونيو (حزيران) المقبل. وذلك ما أعرب عن الترحيب به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مُؤكداً استعداده لدعمه بكل السبل الممكنة.
وها هو باشينيان وبعد زياراته لبروكسل في صيف العام الماضي، التي أعقبها بزيارة إلى "البيت الأبيض" مع خصمه التاريخي الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، يعلن عما وراء دعوته لقيادات بلدان الاتحاد الاوروبي ومعها كندا إلى المشاركة في أول قمة لـ"المجموعة السياسية الأوروبية" تعقد في منطقة القوقاز، والتي أعقبها بقمة "الاتحاد الأوروبي – أرمينيا".
زيلينسكي يهدد ضيوف موسكو في عيد النصر
لم يكن ما أعلن عنه نيكول باشينيان رئيس وزراء أرمينيا حول اقتراحه بشأن إنشاء بديل لكومنولث الدول المستقلة، أكثر من كونه تعبيراً عن حقيقة مواقفه تجاه روسيا للمرة الأولى منذ تبوأ منصبه في عام 2018، وهو الذي لطالما بالغ في محاولات خداعه للعاصمة الروسية التي لم تكن لتغفل حقيقة هذه المحاولات. وقد جاء ذلك في أعقاب انعقاد أول قمة بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي في يريفان في 5 مايو (أيار)، وفي وقت مواكب مع الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليريفان، وما عداها من اجتماعات جاءت استكمالاً لفعاليات "أوروبا الكبرى" في يريفان.
وكان اقتراح رئيس الوزراء الأرميني بإنشاء "بديل لكومنولث الدول المستقلة" في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي من دون مشاركة روسيا، بمثابة إعلان سياسي عن نيته تقليص العلاقات مع موسكو، ومقدمة مناسبة لما أعلنه الرئيس الأوكراني من تهديدات لروسيا وعزمه على إفساد احتفالاتها بالذكرى الـ81 للنصر على ألمانيا الهتلرية. وذلك ما ردت عليه موسكو في بيانها الذي أصدرته وزارة الدفاع الروسية، وقالت فيه إنه "إذا حاول نظام كييف تنفيذ مخططاته الإجرامية لعرقلة الاحتفال (...) فإن القوات المسلحة الروسية ستشن هجوماً صاروخياً انتقامياً واسع النطاق ضد قلب كييف". وناشد البيان كذلك المدنيين والدبلوماسيين الأجانب سرعة مغادرة العاصمة الأوكرانية تحسباً لحمايتهم من جراء القصف المكثف لقلب العاصمة الأوكرانية كييف.
وتناقلت وكالات الأنباء المحلية والعالمية ما صدر عن زيلينسكي من تهديدات قال فيها أيضاً إنه لا يستطيع "ضمان سلامة قادة الدول الأخرى الذين قدموا إلى موسكو، للمشاركة في احتفالاتها بعيد النصر"، وهو ما اعتبره الكرملين "مظهراً من مظاهر "الإرهاب الدولي" يقترب من حد الجنون. وأضاف زيلينسكي قوله "الطائرات الأوكرانية المسيرة، يمكنها أيضاً ضرب هذا العرض"، في إشارة من جانبه إلى روسيا وكأنها لم تعد قادرة على إظهار قوتها كما في السابق.
كذلك تندر الرئيس الاوكراني بما أعلنه بوتين حول هدنة موقتة خلال يومي الـ8 والـ9 من مايو الجاري بمناسبة احتفالات موسكو بعيد النصر على الفاشية، والتي وصفها زيلينسكي بأنها "أداء مسرحي يهدف إلى كسر العزلة الدولية المفروضة حول روسيا".
وكانت أوكرانيا كثفت في الأيام القليلة الماضية، هجماتها بالمسيرات كرسالة تحدٍ واضحة يحاول من خلالها إظهار فشل القوة الروسية في العرض.
أول قمة بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي
في القمة الأولى التي تستضيفها العاصمة الأرمينية يريفان مع الاتحاد الأوروبي ثمة من وصفها بأنها "حدث تاريخي"، أعرب نيكول باشينيان رئيس وزراء أرمينيا عن رغبته في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال باعتقاده حول أن ما أقره البرلمان الأرميني في مارس (آذار) من العام الماضي من قانون حول انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي يعد "حافزاً إضافياً وجيهاً لنا لإعطاء دفعةٍ جديدةٍ للإصلاحات الديمقراطية والمؤسسية عموماً، حتى تتمكن أرمينيا من بلوغ مكانة دولةٍ تستوفي المعايير الأوروبية في أقرب وقتٍ ممكن". ومضى ليقول أن هذا هو هدفنا الرئيس الموقت، وذلك نظراً لأنه لا يمكن لأي دولةٍ أن تصبح عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي من دون استيفاء هذه المعايير، وأنه "إذا قُبلنا كعضوٍ كاملٍ في الاتحاد الأوروبي، فسنسعد بذلك كثيراً. وإن لم نُقبل، فسنكون في وضعٍ رابحٍ على أي حال، لأن جمهورية أرمينيا ستكون دولةً تستوفي المعايير الأوروبية"، على حد تعبيره.
وتحسباً لاحتمالات عدم قبول طلب بلاده حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، سارع باشينيان ليقول إن "مسألة قبول دولةٍ معينةٍ في الاتحاد الأوروبي هي قرارٌ سياسي، وأن بروكسل قد تُعلن في أي لحظةٍ أنها لم تعد ترغب في التوسع". وأشار باشينيان إلى أن هذا لن يُفعّل تلقائياً عملية انضمام يريفان، إذ يتطلب الأمر استفتاءً شعبياً.
وكان البرلمان الأرميني تعجل في مارس (آذار) من العام الماضي مناقشة مشروع قانون الانضمام الى الاتحاد الأوروبي بإقراره في القراءة الثانية والأخيرة لبدء إجراءات انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي. وتقول المصادر بتوصل الطرفين الى اتفاق يقضي بإبرام شراكة بين الجانبين تتضمن حزمة تمويل قدرها 2.5 مليار يورو، تستهدف دعم روابط النقل والطاقة والاتصالات الرقمية، وتحسين العلاقة مع تركيا الخصم التاريخي لأرمينيا. كذلك اتفق الجانبان حول تعزيز التعاون الأمني بما في ذلك ارسال بعثة مدنية جديدة لتقديم المشورة بشأن التصدي للهجمات السيبرانية ومحاولات التضليل الإعلامي قبيل الانتخابات البرلمانية المرتقبة في أرمينيا في السابع من يونيو المقبل.
ومن اللافت في هذا الشأن ما ذكرته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حول أن انعقاد مثل هذه القمة يأتي في توقيت أكثر أهمية من ذي قبل، بما يخدم رفع العلاقات بين الجانبين في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وهو ما يشير إلى ما يشهده شرق القارة الأوروبية من متغيرات، إلى جانب تأكيدها حول أن أرمينيا أصبحت جزءاً من العائلة الأوروبية، ولا سيما بعد ما وصفته بثورة 2018 التي أسفرت عن تقلد باشينيان لمنصبه كرئيس للوزراء، وما تلاها من تحركات سبق وأشارت إليها "اندبندنت عربية" في تقارير سابقة لها من موسكو، وكانت تلك "الثورة" شكلاً من أشكال الثورات الملونة التي دبرها الغرب في الفضاء السوفياتي السابق، ومنها ثورة الورود في جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية في موجتها الأولى عام 2004، وموجتها الثانية عام 2014 التي لا تزال أوكرانيا تعيش تبعاتها حتى اليوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعليقاً حول ما يجري في يريفان من تحركات في هذا الشأن ذكر نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفيرتشوك، أن روسيا تعتبر هذه الإجراءات بداية انسحاب أرمينيا من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وأوضح المسؤول الروسي أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يتعارض مع عضويتها.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبق وقال خلال محادثاته في موسكو مع باشينيان والوفد المرافق له في مطلع أبريل (نيسان) الماضي باستحالة الجمع بين عضوية الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. وضرب له مثالاً بأسعار الغاز وأن أرمينيا تحصل عليه بسعر يناهز زهاء 170 دولاراً للألف متر مكعب في الوقت الذي يبلغ فيه السعر الحقيقي لهذا الغاز في أوروبا زهاء 600 دولار. وذلك ما أشارت إليه "اندبندنت عربية" في تقرير سابق لها من موسكو.
قمة المجتمع السياسي الأوروبي
وكان نيكول باشينيان استهل "فعاليات" يريفان ودعوتها لما يقرب من 50 من رؤساء الدول الأوروبية ومعها كندا ومديرو عدد من المنظمات الدولية والإقليمية بلقاء ناقشوا فيه القضايا الملحة التي تواجه القارة الأوروبية ومنها ما وصفتها المصادر بالقدرات الديمقراطية على الصمود وأمن الطاقة.
وإذا كان رئيس الوزراء الأرميني وجد تفهماً من جانب القيادات الأوروبية لما تواجهه أرمينيا من مشكلات وتحديات ثمة من اعتبرها مقدمة مناسبة لما طرحه من اقتراح حول إنشاء بديل لكومنولث الدول المستقلة (السوفياتية السابقة) بغير روسيا التي لم يشر إليها بالاسم، فإنه وزملاءه من ضيوف يريفان ظهروا في حالة أقرب إلى الارتباك على وقع غياب الولايات المتحدة وما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من قرارات حول موقفه من حلف "الناتو" الذي اعترف دونالد توسك رئيس وزراء بولندا بأنه يواجه خطر التفكك الكارثي وبما ينذر بانفراط عقده. فضلاً عن تداعيات ما اتخذه ترمب من قرارات حول سحب ما يقرب من خمسة آلاف من الجنود الأميركيين الموجودين في ألمانيا نتيجة تجاهل طلباته حول المساعدة في حربه مع إيران. إلى جانب رفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات الآتية إلى بلاده من أوروبا.
وتشير المصادر إلى أن العديد من القيادات الأوروبية يعيدون تقييم علاقاتهم مع الولايات المتحدة، فضلاً عما قيل بشأن أن المجموعة الأوروبية تبقي الخيارات كافة مفتوحة لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي، في حال اتخذت الولايات المتحدة إجراءات لا تتماشى مع مصالح بلدانه.