Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرائق الجزائر تعيد الإعدام إلى الواجهة بعد عقود من التجميد

الرئيس تبون يأمر وزير العدل بتعديل القانون الجنائي ليتضمن تشديد الجزاءات على المتورطين عمداً في إشعال النيران بالغابات

حرائق الجزائر تحيي عقوبة الإعدام المجمدة منذ عام 1993 (أ ف ب)

ملخص

عقوبة الإعدام تعد أقصى العقوبات في القوانين الوضعية، ولا تطبق إلا في الجرائم شديدة الخطورة التي تخل بأمن المجتمع والنظام العام، أو تُلحق أضراراً جسيمة بحياة الأشخاص أو الاقتصاد الوطني أو الصحة العامة.

أحيت الحرائق المدمرة التي شهدتها الجزائر عقوبة الإعدام المجمدة منذ عام 1993، إذ أعلن الرئيس تبون عن قرار العودة إلى تنفيذها ضد كل من يثبت تورطه في إضرام النيران، مع توجيه وزير العدل لإعداد تعديل لقانون العقوبات قبل منتصف سبتمبر (أيلول) الجاري.

إحياء عقوبة "مجمدة"

وجاء إعلان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، في سياق الإجراءات التي أقرتها السلطات للتعامل مع تداعيات الحرائق التي مست البلاد وخلفت خسائر بشرية ومادية وبيئية كبيرة، وقال في رسالة، إنه "لا يوجد من يستطيع تركيع الجزائر"، مؤكداً قدرة الدولة على تجاوز آثار الحرائق وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.

وأمر تبون وزير العدل بتعديل القانون الجنائي وتشديد العقوبات على المتورطين عمداً في إشعال حرائق الغابات، وصولاً إلى تطبيق عقوبة الإعدام مع التنفيذ، مما يعني الانتقال من مرحلة إصدار أحكام الإعدام من دون تنفيذها إلى إعادة تفعيل العقوبة بتنفيذها.

لا مانع دولياً

وبين الترحيب الشعبي والتوجس الحقوقي والرؤية القانونية، فتح القرار نقاشات واسعة تبحث في مجملها عن تحقيق العدالة، إذ يرى أستاذ القانون الدولي علي قاري، أن هذه العقوبة ستحقق أحد أهم الأهداف والمقاصد وهي الردع، واللافت أن الدول التي ألغتها أو أوقفت تنفيذها لم تعرف انخفاضاً في ارتكاب الجرائم، فتنفيذ الإعدام وإن كان ينهي حياة المجرم، إلا أنه سيمنع ارتكاب جرائم أخرى، ومن ثم ستزداد فرص الحياة بقلة الجرائم، مضيفاً أنه من الناحية العملية لا يوجد تطبيق للإجراءات القانونية التي تسمح بتنفيذ العقوبة، ومن أهمها طلب العفو الذي ينبغي على المحكوم عليه بعقوبة الإعدام أن يقدمه لرئيس الجمهورية، حيث ينص القانون على أنه لا يمكن تنفيذ العقوبة إلا بعد رفض طلب العفو، وهذا الطلب يقدم عن طريق المؤسسة العقابية التي يوجد بها المحكوم عليه بعقوبة الإعدام. ولأن العقوبة لا تنفذ حالياً، فالمؤسسات العقابية لا تطلب من المحكوم عليهم بالإعدام تقديم هذا الطلب مما يجعل التنفيذ مؤجلاً إلى وقت غير معلوم. وأبرز أن "الأمر يتطلب شجاعة سياسية، إذ لن يتأتى هذا إلا بقرار سياسي شجاع صادر من أعلى هيئة في البلاد، والجزائر كغيرها من الدول، تحتفظ بحقها في اتخاذ ما تراه مناسباً لحماية أمنها القومي".

وتابع قاري أن هناك بروتوكولاً ملحقاً بالاتفاقية الدولية المسماة بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية صدر عام 1983، وقد نص هذا البروتوكول الأخير على وجوب إلغاء عقوبة الإعدام وعدم الحكم بها مهما كانت طبيعة الجريمة المقترفة، وجسامتها، والكيفية التي نفذت فيها وغاياتها، وقال إن الجزائر من الدول المصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي لا يلغي عقوبة الإعدام، ولكن ينص على أن يحكم بها فقط في حالات أشد الجرائم خطورة، وذلك في البلدان التي لم تلغها، ويقضي أيضاً بضرورة وجود ضمانات قانونية لضمان إجراء محاكمة عادلة في حالة الحكم بالإعدام. وقال: "إن الجزائر لم تصادق على البروتوكول السابق ذكره الذي ينص على إلغاء عقوبة الإعدام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا مانع قانونياً

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، أشار وزير العدل لطفي بوجمعة، إلى أنه لا يوجد أي مانع قانوني يحول دون دراسة مسألة تطبيق عقوبة الإعدام في الجزائر، مشدداً على أن هذه العقوبة لا تزال منصوصاً عليها ومفعلة قانونياً في التشريع الجزائري، على رغم تجميد تنفيذها منذ سنة 1993، وأوضح أن عقوبة الإعدام تعد أقصى العقوبات في القوانين الوضعية، ولا تطبق إلا في الجرائم شديدة الخطورة التي تخل بأمن المجتمع والنظام العام، أو تُلحق أضراراً جسيمة بحياة الأشخاص أو الاقتصاد الوطني أو الصحة العامة، مضيفاً أن هذه الجرائم تشمل على وجه الخصوص القتل العمد والاختطاف والأفعال الإرهابية والتخريبية الخطرة، إضافة إلى جرائم المخدرات في حالات محددة قانوناً، وقال إن فلسفة العقوبة في القانون الجزائري تقوم أساساً على الردع العام وحماية النظام العام.

وفي مقاربة تجمع بين القانون الوضعي والمرجعية الدينية، أوضح بوجمعة أن "عقوبة القصاص في الشريعة الإسلامية، التي يقابلها الإعدام في القانون الوضعي تقوم على وازع إيماني وأخلاقي يهدف إلى حماية النفس وتحقيق العدالة، بخلاف الفلسفات القانونية الوضعية التي قد تتغير تبعاً للزمن والظروف"، مضيفاً أن "الأخذ بمقاصد الشريعة الإسلامية في مجال العدالة يظل محل نقاش فقهي وقانوني، وبخاصة في ما يتعلق بالتوازن بين تطبيق العقوبة القصوى من جهة، وقيم الرحمة والعفو من جهة أخرى، كونها أدوات قد تحقق عدالة أوسع في بعض الحالات".

الجرائم المعاقب عليها بالإعدام

وأوقفت الجزائر تنفيذ عقوبة الإعدام منذ عام 1993، على رغم أنها مقررة في التشريع لبعض الجرائم الخطرة مثل الجنايات المرتبطة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، وجناية قتل الأصول، والجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية، وهناك قضايا أخرى يعاقب عليها التشريع الجزائري بالإعدام مثل المساهمة في أي مشروع يهدف إلى إضعاف الروح المعنوية للجيش أو الأمة بغرض الإضرار بالدفاع الوطني مع علمه بذلك، وأيضاً القيام بالتخابر من دولة أجنبية لدفعها لمباشرة العدوان ضد الوطن وإفشاء أسرار الدفاع وإتلافها.

إضافة إلى الجرائم الواقعة على نظام الحكم والدستور، وجرائم عصيان الأوامر الحكومية، وتنظيم حركة تمرد والقيام بأفعال إرهابية وحيازة الأسلحة، إلى جانب الجرائم التخريبية والجرائم المتعلقة بالغش في بيع السلع والتدليس في المواد الغذائية والطبية، وجرائم التخريب العشوائي للمنشآت القاعدية.

وأقرت أيضاً هذه العقوبة في جرائم الاعتداء على حق الإنسان في الحياة والقتل العمدي وقتل الأصول والقتل بالسم واقتران القتل بجناية والقتل باستعمال وسائل وحشية والخطف المؤدي إلى وفاة المخطوف، وهي العقوبة التي جرى تثبيتها في القانون الجديد للوقاية من الاختطاف الذي تمت المصادقة عليه في الـ26 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، في حين أعيد تفعيل الإعدام في قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في الفترة الأخيرة.

نقاش دولي

وفي السياق، يرى المحامي عبدالغني بادي أن بيان رئيس الجمهورية تضمن إشارة واضحة إلى إعادة بعث تنفيذ العقوبة في جرائم الحرق العمدي تحديداً، لكنه يتوقع في الوقت ذاته أن تتجاوز تداعيات القرار هذا النوع من الجرائم، وأن الفكرة ستوسع الدائرة، مبرزاً أن المطالب بتطبيق عقوبة الإعدام في جرائم الاختطاف والاغتصاب والقتل موجودة منذ أعوام، وأنها صدرت عن قطاعات من المجتمع المدني، بالتوازي مع طرح جمعيات وفعاليات حقوقية لمسألة الإعدام من زوايا مختلفة. وقال إن تنفيذ الإعدام في قضايا الحرائق قد يفتح الباب أمام إعادة طرحه في جرائم أخرى، وهو ما من شأنه توسيع النقاش حول العقوبة إلى ملفات ظلت محل جدل اجتماعي وحقوقي.

وواصل بادي أن إعادة تنفيذ الإعدام يتعدى القرار الداخلي بالنظر إلى ما يراه من وجود التزامات وارتباطات حقوقية وإنسانية للجزائر، مضيفاً أن الجدل لا يقتصر على الجزائر بل هو نقاش دولي لاعتبارات إنسانية وإجرامية ودينية وبمدى فعالية الإعدام في الحد من الجريمة، مشيراً إلى المساعي الحقوقية الدولية التي تهدف إلى إلغاء هذه العقوبة واستبدالها بعقوبات أخرى، وعلى رأسها السجن المؤبد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير