Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خطوات لحماية موقع الغاز الجزائري في السوق الأوروبية

لم تعد المسألة تدور فقط حول خفض الانبعاثات أو الاستجابة للضغوط المناخية الدولية بل أصبحت مرتبطة بسؤال اقتصادي أكثر إلحاحاً

المنافسة المستقبلية ستكون بين الغاز الأكثر كفاءة والأقل انبعاثاً (أ ف ب)

ملخص

هل يتحول خفض البصمة الكربونية إلى شرط لحماية موقع الغاز الجزائري في السوق الأوروبية، وفي الوقت ذاته إلى فرصة لاستعادة قيمة غاز كان يهدر بدل تحويله إلى صادرات وعائدات؟

مع اقتراب الأول من يناير (كانون الثاني) 2027، تدخل تجارة النفط والغاز مع الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة، إذ سيصبح على مستوردي الطاقة إثبات أن الإمدادات القادمة من خارج التكتل تخضع لأنظمة قياس ومراقبة وإبلاغ وتحقق من انبعاثات الميثان تعادل المعايير الأوروبية. وفي هذا السياق، تكتسب الخطوات الجزائرية لخفض الانبعاثات أهمية تتجاوز الالتزام البيئي، لتلامس مباشرة مستقبل صادرات الغاز وقدرتها على المنافسة في أحد أهم أسواق الطاقة بالنسبة إلى الجزائر.

ويبدو أن معركة الجزائر ضد حرق الغاز وتسربات الميثان لم تعد تدور فقط حول خفض الانبعاثات أو الاستجابة للضغوط المناخية الدولية، بل أصبحت مرتبطة بسؤال اقتصادي أكثر إلحاحاً: هل يتحول خفض البصمة الكربونية إلى شرط لحماية موقع الغاز الجزائري في السوق الأوروبية، وفي الوقت ذاته إلى فرصة لاستعادة قيمة غاز كان يهدر بدل تحويله إلى صادرات وعائدات؟

شراكة جديدة

وتأتي في هذا التوقيت خطوة جديدة بين شركة المحروقات الجزائرية "سوناطراك" و"إيني" الإيطالية، عبر بروتوكول نوايا يستهدف تحديد مشاريع ملموسة لخفض غازات الاحتباس الحراري، وفي مقدمها الميثان. وعلى رغم أن الاتفاق، في صيغته الحالية، لا يتضمن قيمة مالية للمشاريع أو آجالاً محددة لتنفيذها، فإنه يوسع مساراً تقنياً بدأ بين الشركتين منذ عام 2023، من رصد التسربات وتقليص حرق الغاز، إلى جعل خفض الانبعاثات أحد المكونات المتنامية للشراكة الطاقوية الجزائرية - الإيطالية.

وبحسب بيان شركة "سوناطراك"، فإن هذا الاتفاق "يهدف إلى تحديد وتعزيز الفرص والمبادرات الملموسة الرامية إلى إزالة الكربون من قطاع النفط والغاز، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بما في ذلك غاز الميثان في الجزائر".

ويندرج هذا البروتوكول، يضيف البيان "في إطار مواصلة الأعمال والإجراءات التي جرى القيام بها في إطار مذكرة النوايا الموقعة في عام 2023 بين سوناطراك وشركة إيني، والمتعلقة بالتعاون التكنولوجي من أجل خفض وتثمين الغاز المحروق، فضلاً عن تطوير تكنولوجي خفض الانبعاثات.

وذكرت الشركة أنه جرى تنفيذ برنامج مهيكل للأنشطة المشتركة، شمل تحليلات تقنية، ومبادرات لتعزيز القدرات، وزيارات ميدانية تهدف إلى تحديد إمكانات خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والميثان، كذلك مكنت دورات تدريبية موجهة من التنفيذ "الفوري والدقيق" للتدابير اللازمة على مستوى المواقع. وقد أسفرت هذه الأنشطة عن تحديد مبادرات في مجالات عدة، لا سيما خفض الانبعاثات المتسربة وعمليات التنفيس، وتحسين الفعالية الطاقوية، وخفض حرق الغاز، وتقييم إمكانات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.

شروط دولية

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن حجم الغاز المحروق في الجزائر ظل كبيراً بين 2018 و2022 مع ذروة نحو 9.4 مليار م³ في عام 2020، ثم تراجع إلى نحو 8.6 مليار م³ عام 2022. بعد ذلك، انخفض مجدداً بنحو أربعة في المئة عام 2024 (أي نحو 0.3 مليار م³ أقل) بالتزامن مع انخفاض إنتاج النفط بنسبة خمسة في المئة. على رغم ذلك، بقيت كثافة الحرق مرتفعة، تجاوزت 19 م³/ برميل نفط عام 2024 (وهي ضمن الأعلى عالمياً). وفي التصنيفات الدولية، ارتقت الجزائر خلال هذه الفترة من المرتبة الرابعة دولياً في حجم الحرق عام 2022 إلى المرتبة السابعة عام 2025.

ويتجه الجزء الأكبر من الغاز الجزائري إلى السوق الأوروبية، التي تتحول تدريجاً نحو ربط شروط النفاذ إلى السوق بقدرة منتجي الطاقة على "قياس انبعاثات الميثان والإبلاغ عنها والتحقق منها"، وفق معايير محددة. وبموجب اللائحة الأوروبية رقم "2024/1787"، تبدأ متطلبات التكافؤ في أنظمة القياس والإبلاغ والتحقق اعتباراً من الأول من يناير 2027 بالنسبة إلى العقود المبرمة أو المجددة منذ الرابع من أغسطس (آب) 2024، على أن تدخل مرحلة الإفصاح عن كثافة الميثان حيز التطبيق ابتداء من الخامس من أغسطس 2028. وتصل هذه المتطلبات إلى مرحلة أكثر صرامة بعد الخامس من أغسطس 2030، مع تطبيق حدود قصوى لكثافة الميثان على العقود الجديدة أو المجددة.

وفي خطوة لتسهيل الانتقال إلى هذه القواعد، نشرت المفوضية الأوروبية في الـ20 من يوليو (تموز) 2026 توصيات جديدة موجهة إلى الموردين والمستوردين، في شأن كيفية تطبيق المتطلبات المتعلقة بانبعاثات الميثان.

رقابة مشددة

وبحسب مراقبين، يتطلب خفض حرق الغاز وتسربات الميثان في الجزائر مقاربة تجمع بين "تشديد الرقابة وتحفيز الاستثمار، وتسريع إدخال التقنيات الحديثة". وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة قائمة إلى التطبيق الصارم للتشريعات القائمة، ولا سيما قانون 2019 والمرسوم الصادر عام 2020، على مواقع الإنتاج، إلى جانب مراجعة العقوبات والغرامات المرتبطة بالحرق المتعمد، وإرساء نظام مستمر لرصد الانبعاثات. كذلك يبرز استكمال البنية التحتية الخاصة بقياس ومراقبة الغاز والانبعاثات، على أنه شرط أساس للانتقال من الرقابة التقليدية إلى إدارة دقيقة وقابلة للتحقق.

أما على المستوى التقني فتحتاج الحقول النفطية والغازية، خصوصاً في جنوب البلاد، إلى تسريع إنجاز محطات المعالجة وتوسعة شبكات وخطوط نقل الغاز القادرة على استيعاب الكميات التي يجري استرجاعها. ويشمل ذلك توسيع برامج "الكشف عن التسربات وإصلاحها"، بما يسمح برصد مصادر انبعاث الميثان والتدخل لمعالجتها بصورة منتظمة. كذلك يمكن التوسع في استخدام الطاقة الشمسية لكهربة بعض المنشآت والمعدات العاملة في قطاع المحروقات، بما يقلل استهلاك الغاز والوقود ويخفض البصمة الكربونية للعمليات الإنتاجية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الشأن، يرى فؤاد صديقي مستشار دولي في الطاقة، أن أسواق الطاقة العالمية ولا سيما الأوروبية، تتجه نحو تحول لم تعد فيه المنافسة محصورة في الاحتياطات أو استقرار الإمدادات والأسعار، بل تعتمد بصورة متزايدة على الكثافة الكربونية لكل وحدة غاز يجري تسليمها إلى السوق، وبعبارة أخرى لم يعد غاز الأمس هو غاز الغد، فالمنافسة المستقبلية ستكون بين الغاز الأكثر كفاءة والأقل انبعاثاً.

ويقول صديقي لـ"اندبندنت عربية" إن بيانات الوكالة الدولية للطاقة تعكس حجم التحدي، فقد بلغت انبعاثات الميثان المرتبطة بصناعة الوقود الأحفوري عالمياً نحو 124 مليون طن في 2025 منها نحو 36 مليون طن من قطاع الغاز الطبيعي. والأهم أن نحو 80 في المئة من انبعاثات الميثان في قطاع النفط والغاز تأتي من أنشطة المنبع، أي الاستخراج والتجميع والمعالجة.

وبالنسبة إلى الجزائر، يوضح المتحدث، فإن الحفاظ على موقعها كمورد موثوق لأوروبا يتطلب الانتقال من مجرد خفض الانبعاثات إلى إدارة وقياس البصمة الكربونية للغاز كمنتج تجاري، ويبدأ ذلك بتطبيق برامج Leak Detection and Repair (LDAR) والمراقبة المستمرة للميثان واستخدام معدات منخفضة الانبعاثات، إلى جانب منظومة MRV – Measurement, Reporting and Verification تجمع بين القياس الميداني والاستشعار بالأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة.

وأضاف أن "حرق الغاز Flaring يمثل فرصة اقتصادية وبيئية في آن واحد، فخفض الحرق واسترجاع الغاز يمكن أن يحولا كميات مهدرة إلى غاز قابل للتسويق مع تقليل الانبعاثات في الوقت ذاته، وقد بلغ الحرق العالمي نحو 151 مليار متر مكعب في 2024، إذ كانت الجزائر ضمن أكبر تسع دول من حيث كميات الغاز المحروقة، ومن هنا تأتي أهمية مذكرة التفاهم التي وقعتها "سوناطراك" و"إيني" في الـ17 من أغسطس 2026 لتوسيع التعاون في إزالة الكربون وخفض الانبعاثات في الجزائر".

وأشار إلى أن الجزائر تمتلك فرصة لتحويل هذا التحدي إلى ميزة تنافسية، ومع تشدد المتطلبات الأوروبية، بما فيها الإبلاغ عن كثافة الميثان اعتباراً من 2028 ومتطلبات كثافة الميثان على الواردات في 2030، ستصبح القدرة على قياس الانبعاثات والتحقق منها وإثبات انخفاض كثافة الكربون عنصراً أساسياً في تنافسية الغاز الجزائري.

ويقول صديقي إن مستقبل الغاز الجزائري يرتبط بقدرته على أن يصبح أكثر كفاءة وأكثر شفافية وقابلية للقياس وأقل كثافة في الانبعاثات، وهذا ليس التزاماً بيئياً فحسب بل استثماراً مباشراً في القدرة التنافسية للغاز الجزائري وأمن الطاقة الأوروبي.

إمكانات وتحديات

وفي مواجهة التحولات التي يشهدها سوق الطاقة الأوروبية، يمكن للجزائر أيضاً العمل على تطوير مفهوم "الغاز منخفض الانبعاثات" كميزة تنافسية للمنتج الوطني، من خلال التفاوض مع المشترين الأوروبيين حول آليات وشهادات تثبت انخفاض كثافة الانبعاثات، وتعزيز الالتزام بمعايير دولية، وقد يساعد ذلك في تمييز الغاز الجزائري في سوق يتجه تدريجاً إلى إعطاء أهمية أكبر للبصمة الكربونية، بدل الاكتفاء بالسعر والحجم على أنهما معياران رئيسان للمنافسة.

وبذلك، فإن دمج الاعتبارات المناخية في سياسة الغاز الجزائرية لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه عبء إضافي على قطاع المحروقات، بل كجزء من "استراتيجية لحماية القيمة الاقتصادية للغاز وتعزيز قدرته التنافسية". فخفض الحرق وتسربات الميثان يعني من جهة الحفاظ على مورد يمكن تحويله إلى إنتاج وصادرات، ومن جهة أخرى تحسين موقع الغاز الجزائري في الأسواق الدولية التي تتجه نحو تشديد المعايير البيئية، بما يفتح المجال أمام قيمة اقتصادية أكثر استدامة على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الجزائرية في السياسات البيئية منال سخري إن الجزائر تملك قدرة حقيقية على تحويل تعهداتها المناخية إلى نتائج ملموسة في قطاع النفط والغاز، خصوصاً مع إدراج خفض انبعاثات الميثان، والحد من حرق الغاز ضمن مساهمتها المناخية الجديدة، وهو ما تقوم به شركة "سوناطراك" من برامج لاسترجاع الغاز والكشف عن التسربات وخفض الحرق الروتيني، إذ تراجع معدل حرق الغاز لديها من 5.43 في المئة عام 2020 إلى 3.19 في المئة عام 2023، وهو مؤشر على وجود تقدم فعلي، وإن كان المسار يحتاج إلى مزيد من التسريع والاستمرارية.

وأوضحت سخري قائلة "في تقديري، فإن التحدي الأساس اليوم ليس في إعلان الالتزامات، وإنما في تحويلها إلى خفض مستدام وقابل للقياس والتحقق، خصوصاً بالنسبة إلى الميثان، لأن النجاح هنا سيحقق مكسباً بيئياً واقتصادياً في الوقت ذاته، من خلال تقليص الانبعاثات واسترجاع غاز يمثل مورداً طاقوياً بدل فقده بالحرق أو التسرب".

وبخصوص تأثير انبعاث الغازات على البيئة في الجزائر، أوضحت المتحدثة أن انبعاثات الميثان وحرق الغاز تترك أثرها البيئي أساساً في جودة الهواء والبيئة المحيطة بمنشآت النفط والغاز. فحرق الغاز يطلق ثاني أكسيد الكربون والكربون الأسود وملوثات هوائية أخرى، بينما تشير الانبعاثات غير المحترقة من الميثان إلى خلل في كفاءة عمليات الإنتاج. لذلك فإن الحد منها مهم، خصوصاً في المناطق القريبة من المنشآت النفطية والغازية، إذ يجمع خفضها بين تقليل التلوث وتحسين الأداء البيئي للقطاع".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات