ملخص
أكثر من ثلاثة عقود أمضاها محمد هاشم الحامد بين رفوف المكتبة السلطانية في المكلا، متنقلاً من العمل الإداري إلى العناية اليومية بآلاف الكتب والمراجع والصحف والدوريات، بينما تحمل المكتبة التي تعود جذورها إلى عهد السلطنة القعيطية، جانباً مهماً من الذاكرة الثقافية والتاريخية لحضرموت، بما تضمه من مؤلفات نادرة ومصادر بلغات متعددة.
في المكلا بحضرموت، تبدو المكتبة السلطانية مبنى يضم رفوفاً من الكتب، لكن خلف أبوابها تتراكم طبقات من ذاكرة حضرموت، كتب في التاريخ والعلوم والآداب والسياسة، وصحف ودوريات ومراجع بلغات مختلفة، بعضها يعود إلى عقود بعيدة، وبعضها يوثق مراحل مهمة من تاريخ المنطقة.
بين هذه الرفوف أمضى محمد هاشم الحامد أكثر من ثلاثة عقود، بدأ خلالها موظفاً قبل أن يتولى إدارة المكتبة لأعوام طويلة، حتى أصبحت، كما يقول، "بيته الثاني".
يصل الحامد إلى المكتبة يومياً، وغالباً ما يكون من أوائل الحاضرين. ومع محدودية الطاقم الوظيفي وكبر سن بعض العاملين، لا يكتفي بمهامه الإدارية بل يشارك في ترتيب الكتب وفهرستها، واستقبال الإصدارات الجديدة وتهيئتها للباحثين والقراء.
بالنسبة إليه، العمل في المكتبة "عمل إبداعي وفكري جميل"، وعلاقته بالكتاب بدأت قبل وصوله إلى المكتبة السلطانية، حين كان يعمل في الهيئة العامة للكتاب بحضرموت ويشارك في إقامة معارض الكتب داخل المحافظة. ويقول إن تلك المعارض نمَّت لديه حب الكتاب والقراءة، قبل أن تتحول علاقته بالكتب إلى ممارسة يومية بين رفوف المكتبة.
من السلطنة القعيطية إلى المكتبة السلطانية
ترتبط قصة المكتبة السلطانية بتاريخ السلطنة القعيطية في حضرموت (1846-1967)، وبالبدايات المبكرة للحركة الثقافية الحديثة في المكلا وحضرموت. وكانت نواتها الأولى في عهد السلطان عمر بن عوض القعيطي، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مقرها فوق سقف مسجد عمر في المكلا عام 1941، خلال عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي.
وكان صالح بن غالب، الذي تولى سلطنة الشحر والمكلا عام 1936 واستمر في الحكم حتى وفاته عام 1956، مهتماً بالعلم والثقافة والتأليف. وخلال عهده شهدت المكتبة توسعاً وإثراءً لمجموعتها، إذ أضاف إليها كتباً من مكتبته الخاصة، بينها مؤلفات بالعربية والإنجليزية والأوردية.
وكان السلطان صالح بن غالب أيضاً مؤلفاً وكاتباً، وله عدد من الأعمال من بينها كتاب "مصادر الأحكام الشرعية"، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى علاقته بالمكتبة التي ارتبط اسمه بتطويرها. ولهذا، يمثل عام 1941 محطة مهمة في تاريخ المكتبة، وإن لم يكن بالضرورة تاريخ نشأتها الأولى.
كنز قوي وتاريخي لحضرموت
يصف الحامد المكتبة السلطانية بأنها "كنز قوي وتاريخي لحضرموت"، بسبب تنوع مخزونها الثقافي الذي يشمل كتباً علمية وتاريخية وسياسية وأدبية، إضافة إلى الكتب الإنجليزية والمراجع والصحف والدوريات.
ويقدر الحامد مجموع ما تحتويه المكتبة بنحو 20 ألف كتاب وصحيفة ودورية في مجالات متعددة، بينها التاريخ والأدب والعلوم والطب والفلسفة واللغات.
لكن قيمة المكتبة، في نظره، لا ترتبط بالعدد وحده، إذ تضم كتباً نادرة يصعب العثور عليها في أماكن أخرى، مما يجعلها مراجع مهمة للباحثين وطلاب الدراسات العليا.
ويضيف "كل كتاب يعد تاريخاً بحد ذاته، بسبب قدمه وندرته وصعوبة الحصول عليه". وهنا تتجاوز المكتبة وظيفتها التقليدية كمكان للقراءة، لتصبح أرشيفاً يحفظ جانباً من الذاكرة الثقافية لحضرموت.
يوميات الحامد بين الكتب
تبدأ الأعمال اليومية في المكتبة بترتيب الرفوف، ومراجعة أرقام الكتب وتسلسل عناوينها وتصنيفها بحسب موضوعاتها، ثم تسجيل الإصدارات الجديدة وفرزها وإعداد قوائم الفهرسة وترقيمها قبل وضعها في أماكنها.
ويهتم الحامد بتهيئة المراجع التي يحتاجها الباحثون وطلاب الدراسات العليا، وتعريف الزوار بتاريخ المكتبة ومراحل نشأتها وتطورها.
وبعد أعوام طويلة في هذا العمل أصبحت تفاصيل المكتبة جزءاً من يومه، فهو يتابع الكتب التي تصل إليها، ويعرف كثيراً من مجموعاتها، ويحاول المحافظة على نظامها على رغم محدودية الإمكانات.
الكتاب الورقي في زمن الرقمنة
يرى الحامد أن علاقة الجيل الجديد بالكتاب تغيرت بصورة واضحة، إذ أصبح كثير من الطلاب يعتمدون على المصادر الرقمية للحصول على المعلومات، لكنه يرى أن سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني دائماً التحقق من صحتها أو إدراك قيمة المصدر الذي جاءت منه.
ومع ذلك، لا يرى أن الحل يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في توظيفها لحماية الكتاب وإتاحة محتواه. ولهذا، بدأت المكتبة خطوات نحو الفهرسة الإلكترونية بالتعاون مع معهد العمران التابع لمؤسسة نهد، من خلال إعداد فهرسة إلكترونية لمجموعاتها.
وجرت محاولات بالتعاون مع مؤسسة حضرموت الثقافية لرقمنة جزء من الكتب، إلا أن ضعف الاعتمادات المالية حدَّ من استمرار المشروع، واقتصر العمل على مراحل من الفهرسة الداخلية.
وكان الطموح أن يتطور المشروع إلى تطبيق إلكتروني يتيح للباحثين الاطلاع على محتويات المكتبة وبيانات الكتب والمراجع، وصولاً إلى رقمنة أوسع لمجموعاتها.
كتب جديدة ومساحة محدودة
لا تتوقف المكتبة عن استقبال الكتب والإصدارات الجديدة. ففي عام 2022 تسلمت 5 آلاف كتاب مهداة من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، شملت مجالات الأدب والسياسة والقانون.
واستقبلت لاحقاً إصدارات من مؤسسات ومراكز ثقافية، بينها كتب ومجلات تسلمها الحامد بصفته أمين المكتبة.
لكن وصول الكتب الجديدة يطرح مشكلة أخرى، بحسب الحامد، إذ لا تملك المكتبة مساحة كافية لعرض الإصدارات الحديثة، مما يؤدي إلى تكدس بعضها في المستودعات بدلاً من إتاحتها أمام القراء والباحثين.
نقص الكادر وتحديات التحديث
يعد نقص الموظفين من أبرز الصعوبات التي تواجه المكتبة، فحجم مجموعاتها واتساع مهامها يحتاجان إلى كادر أكبر، بينما أصبح بعض العاملين غير قادرين على الاستمرار في الدوام بسبب تقدم العمر أو ظروف أخرى.
ويقول الحامد إن محدودية عدد العاملين تجعل جزءاً كبيراً من المسؤوليات يقع عليه، إلى جانب عمله المرتبط بالهيئة العامة للكتاب في حضرموت.
وتحتاج المكتبة إلى تحديث بنيتها وخدماتها، وتوفير مساحة أفضل للكتب، واستكمال الفهرسة الإلكترونية، بما يساعدها على مواكبة التحولات التي يشهدها قطاعا الكتاب والنشر.
ولا تتعلق هذه المطالب برفاهية مؤسسة ثقافية، بقدر ما ترتبط بحماية مجموعة من الكتب والمراجع والصحف والدوريات التي يصعب تعويض بعضها إذا فُقد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حارس الذاكرة
بعد أكثر من ثلاثة عقود بين رفوف المكتبة، تبدو علاقة محمد هاشم الحامد بالمكان أبعد من حدود الوظيفة.
فهو لا يرى في الكتب مجرد مقتنيات، وإنما ذاكرة متراكمة لمدينة ومجتمع ومرحلة تاريخية. وبينما ارتبط تأسيس المكتبة وتطورها بتاريخ السلطنة القعيطية، تواجه اليوم تحدياً مختلفاً وهو كيف يمكن نقل هذه الذاكرة إلى جيل جديد من القراء والباحثين؟
بالنسبة إلى الحامد، يبدأ الجواب بالحفاظ على الكتاب ثم فهرسته ورقمنته وإتاحته، مع توفير الإمكانات والكادر والمساحة التي تحتاج إليها المكتبة.
وفي المكلا حيث تغيرت وسائل الحصول على المعرفة، لا تزال المكتبة السلطانية تحتفظ بدور لا تستطيع الوسائل الرقمية وحدها أن تؤديه، فالكتاب القديم ليس مجرد وعاء للمعلومات بل وثيقة تحمل أثر زمنها، وتكشف شيئاً عن المجتمع الذي أنتجها والقراء الذين تناقلوها.
ولهذا تبدو المكتبة السلطانية أكثر من مجرد مكان لحفظ الكتب، فهي جزء من ذاكرة حضرموت
وبين رفوفها يواصل محمد هاشم الحامد عمله اليومي، محافظاً على ترتيب الكتب ومستقبلاً الباحثين ومتابعاً ما يصل إلى المكتبة من إصدارات، ومحاولاً إبقاء هذا الإرث حاضراً على رغم شح الإمكانات.
فالمكتبة قد تحفظ ذاكرة المدينة، لكن الذاكرة تحتاج دائماً إلى من يحرسها.