ملخص
إن الأمل هنا ليس خطاباً عاطفياً لتخفيف الألم، وإنما موقف أخلاقي وسياسي في مواجهة تحويل القهر إلى حقيقة نهائية. وما يحتاج إليه اليمني اليوم ليس وعداً ساذجاً بانتهاء المعاناة غداً، بل يقيناً عقلانياً بأن التاريخ لا يمنح الاستبداد حق الخلود، وأن المجتمعات قادرة على استعادة إرادتها مهما طال زمن الخوف.
أعتقد أن المأساة اليمنية لم تعد مجرد نتيجة مباشرة لحرب طال أمدها، ولا يمكن اختزالها في خطوط تماس عسكرية أو في خلاف سياسي حول من يحكم ومن يغادر السلطة، فقد تجاوزت الأزمة هذا المستوى لتكشف عن بنية سلطوية - نتجت من انقلاب مسلح على الدولة - جعلت من "الألم" جزءاً من آليات السيطرة، ومن "إفقار المجتمع" وسيلة لإضعاف قدرته على الاعتراض، ومن "إخضاع الناس" شرطاً لاستمرار النفوذ.
ومنذ هذا الانقلاب المسلح على الدولة، جرى التعامل مع مؤسساتها ومواردها ووظائفها لا باعتبارها ملكاً عاماً يخدم اليمنيين، بل باعتبارها أدوات يمكن الاستحواذ عليها وتطويعها لمصلحة مشروع جماعة بعينها.
ومن ثم يصبح السؤال هنا في هذه المقالة التحليلية أكثر عمقاً من مجرد إنهاء حرب أو تغيير سلطة، إذ يتعلق بالمعنى الذي نريده للدولة نفسها، وبما إذا كانت الدولة إطاراً مشتركاً يحمي المواطنين، أم غنيمة تستولي عليها جماعة حين تمتلك القوة؟
من هذا المنطلق، المشار إليه بعاليه، فإن جوهر الصراع اليمني في تصوري لا يكمن فقط في التنافس على السلطة، وإنما في التباين الجذري بين مفهومين للدولة والمجتمع: الأول يرى الدولة فضاء وطنياً يتساوى داخله المواطنون في الحقوق والواجبات، وتستمد مؤسساتها مشروعيتها من القانون والإرادة العامة، بينما ينظر المشروع السلالي إلى السلطة، الذي تمثله الميليشيات الحوثية، من خلال امتياز متخيل يمنح جماعة محددة حقاً استثنائياً في الحكم والهيمنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لذلك فإن الخلاف ليس خلافاً عادياً أو عابراً على توزيع المناصب ومن يحكم، بل صراع على القاعدة التي ينبغي أن يقوم عليها الاجتماع السياسي اليمني. فحين يصبح الأصل هو المواطنة، تتراجع العصبيات أمام القانون، وحين تصبح السلالة معياراً للامتياز، يتحول الوطن إلى درجات متفاوتة من الحقوق.
من هنا تحديداً تكتسب استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح معناها الإنساني، لأنها تعني إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس الكرامة والمساواة لا على أساس النسب والقوة.
ولأن اختلال مفهوم الدولة ينتج بالضرورة اختلالاً في حياة الناس، فقد أصبحت معاناة اليمنيين واحدة من أكثر الشواهد وضوحاً على خطر تحويل سلطة الأمر الواقع إلى منظومة لـ"إدارة الخوف".
لاحظوا معي من فضلكم أن المواطن حين يخاف من التعبير، ويخشى الموظف فقدان مصدر رزقه، ويعيش الأب قلقاً على مستقبل أبنائه، يصبح "الخوف" بديلاً عن القانون، ويغدو "الفقر" قابلاً للتوظيف السياسي، ويتحول "الانقسام الاجتماعي" إلى وسيلة لإبقاء المجتمع عاجزاً عن استعادة توازنه.
وليس أخطر على الإنسان من أن يفقد شعوره بقدرته على تغيير واقعه، لأن الاستبداد لا ينتصر بالقوة وحدها، بل يحاول إقناع ضحاياه بأن القوة قدر دائم. ولذلك فإن تحرير المجتمع يبدأ قبل استعادة الجغرافيا، من استعادة الإنسان لثقته بأنه مواطن كامل الحقوق، وأن الدولة التي يستحقها ليست امتيازاً يمنحه الحاكم، وإنما حق أصيل لا يجوز مصادرته.
من هنا أيضاً تصبح حتمية انتصار الشعب اليمني نتيجة مرتبطة بطبيعة القضية ذاتها، لا بمجرد حسابات القوة العسكرية في لحظة معينة. فالمشاريع التي تقوم على القسر تستطيع أن تؤجل سقوطها، وقد تتمكن زمناً من فرض الصمت، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تنتج قبولاً تاريخياً مستداماً.
أما المشروع الوطني، مهما تعثر أو تباطأ، فإنه يمتلك أساساً أكثر رسوخاً لأنه يستند إلى حاجة المجتمع إلى دولة تحمي الجميع ولا تميز بينهم. واليمنيون الذين عرفوا الدولة والجمهورية والمواطنة، وعاشوا تحولات سياسية واجتماعية متعاقبة، لا يمكن اختزال إرادتهم في اللحظة التي فرض فيها السلاح واقعاً موقتاً.
في الواقع إن التاريخ لا يقاس فقط بما تستطيع القوة أن تفعله في يومها، بل بما تستطيع المجتمعات أن تحتفظ به من وعي بحقوقها حتى يأتي الزمن الذي تستعيد فيه قدرتها على الفعل.
وفي هذا السياق الموضح أعلاه، تبدو حقيقة أكثر رسوخاً من كل مظاهر القوة الطارئة: اليمن أكبر من السلالة، وأعرق من أي مشروع دخيل، وأوسع من أن تختصر هويته في جماعة أو شعار أو تفسير واحد للتاريخ. فالأوطان لا تبنى على الامتياز السلالي كما تحاول فعله الميليشيات الحوثية، ولا تستمر المجتمعات حين يطلب من أبنائها أن يقبلوا تفاوتاً دائماً في القيمة والحقوق.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: اليمن، بما يحمله من تراكم حضاري واجتماعي وتاريخي، لا يمكن أن يكون رهينة لمشروع يضع الجماعة فوق المجتمع، أو يطالب المواطن بالتنازل عن حريته في مقابل الأمن، وعن حقه في الدولة في مقابل الخضوع.
ولهذا فإن مقاومة هذا المشروع ليست رفضاً لمكون اجتماعي، ولا خصومة مع جماعة بشرية، بل رفض لمبدأ سياسي يجعل الأصل السلالي مصدراً للسلطة. وهذه التفرقة ضرورية في تصوري، لأنها تحفظ المعركة في إطارها الوطني والأخلاقي وتمنع تحويلها إلى صراع هويات.
وإذا كانت القضية بهذه الطبيعة، فإن القوة الحقيقية القادرة على تغيير موازين المشهد لا تختزل في السلاح وحده، وإنما تبدأ من تلاحم الصف الوطني وتكاتف القوى السياسية والاجتماعية حول هدف واضح يتقدم على الحسابات الضيقة. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الانقسامات الداخلية تمنح المشاريع السلطوية عمراً إضافياً، بينما يؤدي توحيد الرؤية والقرار إلى تقليص مساحة المناورة أمامها.
وعليه، وفق ما هو موضح بعاليه، تبرز أهمية الالتفاف حول مشروع استعادة الدولة، لا بوصفه شعاراً سياسياً قابلاً للاستهلاك، وإنما باعتباره عقداً وطنياً يتسع لكل اليمنيين. وما يسطره أبطال القوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات يكتسب معناه الكامل حين يتصل بمشروع سياسي واجتماعي جامع، لأن المعركة العسكرية لا تستطيع وحدها بناء الدولة، كما أن الخطاب السياسي لا يستطيع وحده تحرير الأرض، وبين الاثنين تتشكل القدرة الفعلية على استعادة الوطن.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو استعادة العاصمة صنعاء حلماً بعيد المنال بقدر ما تبدو مساراً يرتبط بقدرة اليمنيين على تحويل تضحياتهم إلى وحدة، والوحدة إلى قرار، والقرار إلى "فعل وطني جامع". فالعواصم لا تستعاد بالأمنيات، وإنما بتراكم عوامل القوة السياسية والعسكرية والاجتماعية، وبامتلاك إرادة واضحة لا تسمح للانقسام بأن يبدد ثمن التضحيات.
وكلما اتسعت ممارسات القمع والتمييز، انكشفت بصورة أكبر حدود قدرة مشروع الحوثية على صناعة مستقبل قابل للحياة، إذ إن سلطة الأمر الواقع التي تحتاج باستمرار إلى الخوف كي تستمر تكشف، في العمق، عن أزمة ثقة بينها وبين المجتمع.
وسيأتي اليوم الذي يستعيد فيه اليمنيون عاصمتهم، لا باعتبارها غنيمة لطرف منتصر، بل باعتبارها عاصمة لكل اليمنيين، يعود لها القانون والمؤسسات والرمز الوطني، ويصدح النشيد الوطني منها إلى مختلف أرجاء البلاد، بوصفه تعبيراً عن استعادة الدولة لا عن انتصار جماعة على جماعة.
في هذه المعادلة، وفق ما هو موضح بعاليه، يظل الإسناد الأخوي من الأشقاء في التحالف العربي بقيادة السعودية عاملاً مهماً في دعم مسار استعادة الدولة والاستقرار، لأن ما يجري في اليمن لم يعد منفصلاً عن أمن المنطقة ومصالحها ومصيرها المشترك. فالجغرافيا لا تسمح بأن يبقى أثر الصراع اليمني محصوراً داخل الحدود، كما أن تهديد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي يجعل المسؤولية متشابكة بين اليمن وأشقائه، وقد اختلطت الجهود والدماء في ميادين المواجهة على نحو جعل مفهوم الأخوة العربية يتجاوز الخطاب إلى موقف عملي في لحظات لا شك صعبة.
بيد أن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية، إذ تبقى مسؤولية اليمنيين في تقديري هي الأساس في بناء دولتهم، وتظل المساندة الأخوية جسراً يعين على العبور، بينما يظل الوصول إلى البر الآمن مسؤولية وطنية تتطلب وحدة القرار وتماسك المجتمع.
ولهذا فإن الرسالة الأكثر إنسانية ينبغي أن تصل إلى كل أم وأب وشاب يعيشون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية: "لا تفقدوا الأمل". فالخوف الذي يزرع في النفوس ليس دليلاً دائماً على قوة من يفرضه، بل قد يكون انعكاساً لخوف سلطة الأمر الواقع نفسها من اليوم الذي يستعيد فيه المجتمع وعيه وثقته بذاته.
والإنسان الذي يراد له أن يعتقد أن واقعه أبدي يستطيع، حين يستعيد إحساسه بقدرته على الفعل، أن يكسر كثيراً من القيود التي بدت زمناً عصية على الكسر.
إن الأمل هنا ليس خطاباً عاطفياً لتخفيف الألم، وإنما موقف أخلاقي وسياسي في مواجهة تحويل القهر إلى حقيقة نهائية. وما يحتاج إليه اليمني اليوم ليس وعداً ساذجاً بانتهاء المعاناة غداً، بل يقيناً عقلانياً بأن التاريخ لا يمنح الاستبداد حق الخلود، وأن المجتمعات قادرة على استعادة إرادتها مهما طال زمن الخوف.
في نهاية المطاف، فإن اليمن الذي قاوم عبر تاريخه محاولات إخضاعه لا يمكن أن يستسلم لمشروع سلالي يريد إعادة تعريف الوطن وفق امتياز ضيق يتعارض مع جوهر الدولة الحديثة.
وستبقى استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح قضية تتجاوز السياسة والعسكر إلى حق الإنسان اليمني في أن يعيش آمناً، وأن يعمل من دون ابتزاز، وأن يربي أبناءه من دون خوف، وأن يرى وطنه باعتباره ملكاً مشتركاً لا مساحة نفوذ لجماعة.
وحين يستعيد اليمنيون دولتهم، فإن الغاية الحقيقية لن تكون الانتقام من الماضي، بل بناء مستقبل مختلف؛ مستقبل ترمم فيه المدن، وتعاد فيه المؤسسات، ويفتح فيه الطريق أمام التعليم والعمل والإعمار والمصالحة الوطنية. عندها فقط تعود الراية الوطنية خفاقة بكرامة، لا بوصفها راية منتصر على آخر، وإنما رمزاً لوطن استعاد دولته، واستعاد معها حق أبنائه في الحياة والحرية والمستقبل.