ملخص
تاريخياً، شكل ملف الحدود مصدراً لإرباك دولة "لبنان الكبير"، على مستوى الحدود البرية يشكل التداخل بين لبنان وسوريا سبباً لتأجيل البت بلبنانية مزارع شبعا وقرية الغجر، كما يفتح الباب أمام ازدهار المعابر غير النظامية. أما الحدود البحرية، فشكلت منذ عام 2011 ولغاية 2022، مصدراً لتصعيد النزاع اللبناني - الإسرائيلي.
قبل 100 عام من الآن، استهل المشرع اللبناني نص الدستور في عام 1926 بمادة تشير بوضوح إلى حدود البلاد الجغرافية التي تعد واحدة من البدهيات الدستورية. فقد اعتمدت المادة الأولى على التضاريس الجغرافية في معرض عملية ترسيم الحدود التي جرت في عام 1923 برعاية سلطة الانتداب، أي فرنسا وبريطانيا.
ففي الشمال، تمضي الحدود من مصب النهر الكبير الفاصل الطبيعي مع سوريا على خط يرافق مجرى النهر إلى نقطة اجتماعه بوادي خالد الصاب على علو جسر قمار. أما شرقاً، فيشكل خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي، وهو خط تابع حدود أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا الشرقية، وهي كانت ضمت إلى "متصرفية جبل لبنان" أو ما يعرف بـ"لبنان الصغير".
أما الحدود الجنوبية فقد تشكلت من حدود قضائي صور ومرجعيون، وغرباً البحر المتوسط. قامت تلك الحدود نتيجة مفاوضات بين السلطات الفرنسية والبريطانية التي وضعت يدها على بلدان المشرق العربي بموجب اتفاق باريس في الـ23 من ديسمبر (كانون الأول) 1920، مركزة على تحديد ركن الإقليم لكل دولة من الدول المتجاورة من دون التطرق إلى الإقليم البحري أو الجوي وهي مسائل تحكمها المعاهدات الدولية، وكان لا بد من انتظار استكشاف الثروات الضخمة في البحر لاكتشاف أهمية تحديد المياه الاقتصادية الخالصة.
حدود نهائية
في نهاية أغسطس (آب) 1920، أصدر المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو القرار رقم 318 لتشكيل "دولة لبنان الكبير"، التي باتت تشتمل على منطقة جبل لبنان الإدارية المعروفة تاريخياً بنظام المتصرفية التي كانت تتمتع بحكم ذاتي في ظل الدولة العثمانية ويحكمها متصرف مسيحي غير لبناني وتعيش فيها غالبية من الدروز والمسيحيين الموارنة، إنما ضمت إليها أقضية بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا. إضافة إلى أراضي ولاية بيروت، أي سنجق صيدا وسنجق بيروت، وقسم من سنجق طرابلس يشتمل على أراضي قضائي عكار وطرابلس (مع مديريتي الضنية والمنية) وقسم من قضاء حصن الأكراد.
وفي اليوم التالي، أي في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، أصدر الجنرال غورو القرار رقم 336، وفيه حدد موقتاً التنظيمات الإدارية لدولة لبنان الكبير.
ويشير المرجع الدستوري أدمون رباط في كتابه الوسيط في القانون الدستوري اللبناني أن "الحدود المرسومة لدولة لبنان الكبير هي ذات الحدود التي تحيط بلبنان الحالي"، وقد أعلنها غورو في حفلة رسمية تناثرت فيها الذكريات حول الفينيقيين والإغريق والرومان من دون أي إلماح إلى العرب اللذين تبعوهم، بحسب رباط.
فيما يشير الكاتب كمال صليبي، في كتابه تاريخ لبنان الحديث، إلى انتظار عام 1926 من أجل قيام الجمهورية اللبنانية نتيجة التطور السياسي والإداري في البلاد بالتعاون مع سلطة الانتداب الفرنسي، وهو ما توج بموافقة الجمعية التأسيسية اللبنانية على نص دستوري حول لبنان من "دولة لبنان الكبير" إلى "الجمهورية اللبنانية" التي يشكل "الإقليم" أبرز عناصرها والحدود أحد محددات سلطتها وسيادتها.
مضت الأيام وعاد السؤال حول "نهائية حدود لبنان الكبير" طوراً على شكل إشكالات سياسية وتنازع السيادة حول مزارع شبعا والغجر (في الجنوب)، وطوراً في معرض حل مشكلة التهريب عبر الحدود الشرقية والشمالية بين لبنان وسوريا، في ظل القرى المتداخلة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً، أي بفعل عوامل لا تعترف بحدود الخرائط السياسية.
ناهيك بنزاعات حدودية داخلية على الملكية بين سكان مناطق المتصرفية والأقضية المنضمة إلى الدولة الناشئة بفعل اختلاف أنظمة الملكية العقارية، إضافة إلى نزاعات ناشئة عن الحدود البحرية بين لبنان والدول المشاطئة عبر البحر الأبيض المتوسط.
أبعد من حدود المتصرفية
بين الفينة والأخرى تتصاعد أصوات داخلية في لبنان للعودة لحدود "لبنان الصغير" مدفوعة بحنين إلى أيام المتصرفية، وفي محاولة لهرب مفترض من اصطفافات وحروب وغلبة ديمغرافية. وتشكل تلك الدعوات إنكاراً لتجربة لبنان الكبير التي تنقلت بين أعوام من الاستقرار والتعايش والتبادل الثقافي والحضاري والاقتصادي، وفترات من الصدام الأهلي بسبب الخلافات حول نهائية الكيان أو هوية البلاد التعددية أو حتى العلاقة مع المحيط والقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا.
يقارب الدكتور مروان أبي فاضل رئيس الجمعية التاريخية اللبنانية إشكالية حدود لبنان الكبير، انطلاقاً من الوقائع التاريخية التي شابت تجربة متصرفية جبل لبنان التي قامت بموجب بروتوكول 1860، محدداً "المجاعة التي ضربت لبنان إبان الحرب العالمية الأولى في 1914 بوصفها عاملاً مؤثراً في رسم الحدود المتخيلة لدولة لبنان الكبير حتى قبل قيامها". واعتبر فاضل أن "المجاعة عصفت بمناطق جبل لبنان بفعل ضيق المساحة والحصار البري العثماني والبحري من الحلفاء، وبلغت نسبة الوفيات أكثر من 50 في المئة في قرى البترون وجبيل وبعض قرى كسروان، وقد أصبحت هذه القرى فارغة ليس بفعل الهجرة كما يشاع وإنما بفعل الموت من الجوع، وهو ما دفع البطريرك الماروني إلياس الحويك ومجلس الإدارة إلى البحث عن صيغة جديدة للبلاد".
قاد هذا الواقع في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 إلى إعادة النظر بحدود الدولة، بحيث تصبح ذات متسع للزراعة في السهول، وواجهة بحرية ومرفأ للتبادل والتصدير.
وفي السياق يشير أبي فاضل إلى مسوغات اقتصادية وسياسية ومسوغات ثقافية حضارية، فقد "برزت مطالبات مستمرة داخل المتصرفية في حينه من أجل إقامة مرفأ في مدينة جونية الساحلية شمال بيروت أو ضم بيروت إلى المتصرفية"، وبالتالي فإن "لبنان الكبير كان وليد حاجة وضرورة لأبناء جبل لبنان، ومعالجة آثار النكبتين الديمغرافيتين الناجمتين عن الهجرة والمجاعة".
كما يربط أبي فاضل بين نشأة لبنان الكبير بحدوده الحالية وعودة الحديث عن "حدود الحضارات القديمة"، وظهر تيار ينادي بعودة لبنان وفق "حدود فينيقيا" في أعقاب دراسات عديدة عن تاريخ تلك الحضارة التي قامت على ساحل المتوسط. وجاءت المطالبات بدولة لبنان التي تعبر عن تاريخ فينيقيا، وتكون نواتها الجبل، إضافة إلى المدن الساحلية العريقة في طرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وصور، التي تتوج بمدينة بعلبك العريقة تاريخياً.
حدود على رمال متحركة
اليوم، وعلى رغم مرور 106 سنوات على نشأة لبنان الكبير في عام 1920، و100 عام على دستور لبنان في 1926، ما زالت الإشكالات تحيط "حدود لبنان"، وهو ما يمكن إرجاعه في كثير من الأحيان إلى لحظة التأسيس، إذ لم تهتم الدولة المنتدبة بالإشارة إلى دقائق الأمور، إذ تطفو خلافات بفعل ثغرات تحيط الترسيم النهائي لحدود البلاد، وهو ما عايشه لبنان في مسألة مزارع شبعا والغجر اللبنانية، وعدم اعتراف دولة سوريا بسيادة لبنان على تلك الأراضي.
يميز الدكتور مروان أبي فاضل بين الحدود اللبنانية - الفلسطينية التي ضبطت حدود سلطة الانتداب والدائرة البريطانية في مقابل الفرنسية، وقد وضعت أسسها وفق مرجعية اتفاق بوليه - نيوكامب عام 1923، إذ يمكن الركون إليها لتحديد الحدود نهائياً.
في المقابل، بقيت الأمور متداخلة بين لبنان وسوريا بفعل خضوع الدولتين لسلطة الانتداب الفرنسية، إذ لم تهتم فرنسا كثيراً بوضع دقائق الحدود بين البلدين الجارين، "علماً أنه كان هناك تيار سياسي داخل فرنسا يدعو إلى عدم الخوض في تقسيم لبنان وسوريا إلى دول، والتعامل معها كدولة واحدة لتسهيل مهمة الانتداب والإدارة". كما يرى أبي فاضل أن "عدم وجود مصارحة بين البلدين عقب الاستقلال اللبناني عام 1943 فاقم من المشكلة الحدودية، وحال دون الوصول إلى علاقة سوية، وهناك فرصة سانحة حالياً بسبب وجود حكومة سورية تتحدث عن علاقات سوية بهدف إنهاء إشكال مزارع شبعا التي احتلتها إسرائيل، ومن ثم رفضت الانسحاب منها بعد عام 2000، وتذرعت أنها أرض سورية وامتداد للجولان السوري المحتل للبقاء فيها".
يجزم أبي فاضل أن "لبنان الكبير يجب أن يبقى كبيراً، وألا تنتقص منه أية قطعة أو منطقة وتكريس سيادة لبنان على كامل أراضيه، وحدوده البحرية والسيادة الجوية، من أجل الحفاظ على الهوية اللبنانية ونهائية الكيان، وإلا سيصبح الوجود مهدداً بفعل دعوات من يجهلون التاريخ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حدود الثروة
قاد اكتشاف ثروات هائلة في البحر المتوسط إلى إعادة تعريف الحدود في منطقتنا، ويشير خبير الطاقة الدكتور غازي محمود إلى تصاعد الاهتمام بترسيم الحدود البحرية، بعد أن اكتشفت الدول المشاطئة ثروات كبيرة في قاع البحر، وهو ترافق مع استغلال الدول الكبرى لأعالي البحار من أجل استثمار الموارد البحرية المختلفة، مما دفع سائر الدول إلى البحث عن مصالحها الاقتصادية، والأمر عينه ينطبق على لبنان الذي يأمل بالاستفادة من مندرجات اتفاق قانون البحار لعام 1982، الذي منح الدول الحق باستثمار الثروات على سطح البحر وفي قاعه.
يلفت محمود إلى محطة مهمة في عمليات ترسيم الحدود البحرية، مع تأكيدات العالم اللبناني غسان قانصو بوجود كميات كبيرة من النفط قبالة الساحل اللبناني، ومن ثم جاءت إشارة هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بين عام 2010-2012 إلى وجود كميات هائلة من الغاز والنفط على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وظهرت بوادره مع اكتشاف إسرائيل لموارد كبيرة عبر بئرين صغيرين.
في الموازاة، باشرت الحكومات اللبنانية بمفاوضات ترسيم الحدود مع الدول المجاورة، بدءاً بقبرص في عام 2007، إذ جرت مفاوضات لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين المتقابلتين وفق القانون الدولي، وتقاسم الحدود المائية وفق "خط الوسط"، وحصل لبنان على النقاط من رقم 1 جنوباً إلى رقم 6 شمالاً (في مقابل سوريا).
ويوضح غازي محمود أنه "في عام 2025، وقع لبنان وقبرص اتفاقاً جديداً لترسيم الحدود على ضوء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل برعاية أميركية في أواخر عام 2022، على رغم الملاحظات الكثيرة على الخط 23 وحرمانه لبنان لأكثر من 1400 كيلومتر مربع تنازل عنها من وقع اتفاق هوكستين".
مفاوضات حدودية صعبة
في عام 2020، بدأت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين الدولة اللبنانية والجانب الإسرائيلي برعاية أميركية، ويشدد عضو الوفد المفاوض اللبناني في هذه المفاوضات العميد المتقاعد بسام ياسين أن "الهدف من ترسيم الحدود البحرية هو إتاحة الاستفادة من الثروات الطبيعية الموجودة في البحر، وحل الخلافات الناجمة بسبب الصراع على الحدود ومن ثم فتح الباب أمام الشركات المستثمرة لاستكشاف واستغلال النفط والغاز، إذ انطلق لبنان واسرائيل من خطين مختلفين"، موضحاً أن "لبنان انطلق من حقه القانوني والسيادي انطلاقاً من الخط 29، وقد تسلح بدراسة قانونية محكمة أعدها نجيب مسيحي ومازن بصبوص، إلا أن المفاجأة بموقف السلطة السياسية التي أرادت مراعاة الجانب الأميركي وتراجعت إلى الخط 23"، على حد تعبيره.
كما يعرب ياسين عن تحفظاته في شأن الاتفاق النهائي برعاية أميركية، لأنه "حرم لبنان جزءاً من حدوده البحرية، لأنه عندما تتدخل السياسة بالعمل التقني يتم إفساده، ومن ثم حرمان لبنان من 1430 كيلومتر مربع من حقوقه البحرية المحفوظة قانوناً".
ورداً على سؤال "حول المفاضلة بين اتفاق يحفظ الحد الأدنى من الحقوق، واستمرار الصراع بصورة تحرم البلاد من كامل فرصها بالاستثمارات"، يجيب بسام ياسين "لا مشكلة في حال استفادة لبنان بثرواته، ولكن نشعر وكأنه هناك خديعة، فقد بدأت إسرائيل باستثمار حقولها فيما لبنان بقي في زاوية الانتظار".
مفاوضات مؤجلة مع سوريا
من جهته، يعقب الخبير غازي محمود على ما يصفه "الترسيم على عجل"، ومن ثم "خطأ اعتماد الخط 23 والنقاط الارتكازية البحرية لترسيم الحدود، فهو انطلق من نتوء بحري في تخليت، وهي نقطة غير مأهولة وتبقى مغمورة بالمياه في غالب أيام السنة، فيما يعتمد وفق القانون الدولي والأصول العلمية للتحديد انطلاقاً من مناطق قابلة للحياة - التي تشكل يابسة حيوية"، إذ "تقدمت الاعتبارات السياسية والمفاوضات مع الموفد الأميركي هوكستين على حساب المعايير العلمية والقانونية".
أما على مستوى الحدود البحرية مع سوريا، فيستمر "الملف العالق بين البلدين الشقيقين والخلاف حول 750 كيلومتر بينهما"، بحسب محمود، الذي يلفت إلى أن "الترسيم السوري اعتمد نظرية خاصة، واتباع خط أفقي ينطلق من نهاية الحدود البرية للدولة عند النقطة الوسط للنهر الشمالي الكبير من دون الأخذ في الاعتبار للجزر الموجودة ولا خط وسط بين المياه الاقتصادية الخالصة للدولتين"، مذكراً أنه "في عهد الرئيس السابق ميشال عون قررت الدولة إرسال وفد للتفاوض مع سوريا لترسيم الحدود، إلا أن السلطة السورية رفضت استقبال الوفد اللبناني، وهو ما يعبر عن رفضهم للتفاوض، كما أن الإدارة الجديدة في سوريا غير مستعجلة على الترسيم كما يبدو بانتظار إمساكهم على تفاصيل الملف المختلفة".
يخلص غازي محمود إلى أن "لبنان تمكن من التوصل إلى اتفاقات ترسيم مع قبرص وإسرائيل على رغم التحفظات، فيما تبقى الحدود الشمالية عالقة"، معتبراً أن "قرار استخراج النفط والغاز اللبناني مؤجل إلى إشعار آخر وبعيد المنال، بسبب عدم حسم الوضع السياسي في لبنان وتحديد موقعه على خط الصراع الإقليمي".