Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرواية الفلسفية تتمسك بالتخييل ولا تتخلى عن الواقع

تتحول القضية إلى مصير والمفهوم إلى تجربة والسؤال النظري إلى مأزق إنساني

فولتير الفيلسوف الروائي الفرنسي (المكتبة الوطنية الفرنسية)

ملخص

هل تستطيع الرواية أن تكون فضاء للتفكير الفلسفي من غير أن تفقد ما يميزها من سرد وخيال وجمال، وكيف يمكن الفكرة الفلسفية أن تعبر إلى عالم الحكاية من دون أن تتحول الرواية إلى منبر تعليمي أو أطروحة مقنعة؟ يفتح هذان السؤالان باباً واسعاً على علاقة شديدة التعقيد بين نمطين من الكتابة يبدوان، للوهلة الأولى، متباعدين في غاياتهما وطرائق اشتغالهما.

تنزع الفلسفة إلى بناء المفاهيم وإقامة الحجج وإخضاع الأفكار لسلطة العقل والاستدلال. أما الرواية فتتحرك في فضاء أكثر رحابة، صانعة عالمها من الشخصيات والأحداث والأصوات والمصائر، تاركة للقارئ أن يعيش التجربة قبل أن يستخلص منها معناها. لذلك قد يبدو الجمع بينهما محفوفاً بالأخطار. ذلك أن الفلسفة تطلب الوضوح والبرهان وتسعى إلى بلوغ الحقيقة عبر المفهوم، في حين أن السرد يفسح المجال أمام الالتباس والاحتمال ويسعى إلى بلوغ الحقيقة من خلال التجربة الإنسانية. وكما يذكرنا بول ريكور، فإن البعد المفاهيمي للفلسفة لا ينسجم بسهولة مع منطق السرد.

لكن هذا التباعد الظاهري لا يعني استحالة اللقاء. فحين تدخل الفلسفة عالم الرواية، لا تنتقل إليها كما هي، ولا تبقى الفكرة على صورتها التجريدية الأولى؛ إنها تتغير في طبيعتها نفسها. فتتحول القضية إلى مصير، والمفهوم إلى تجربة، والسؤال النظري إلى مأزق يعيشه شخص ما في لحظة من حياته. هكذا لا تعود الفلسفة شيئاً تقوله الرواية، بل شيئاً يحدث داخلها، مما يجعل الفكرة جزءاً من حركة الشخصيات وصراعاتها واختياراتها وإخفاقاتها، فتكتسب بذلك جسداً إنسانياً لا تستطيع الكتابة النظرية وحدها أن تمنحها إياه.

وليس هذا التفاعل ثمرة صدفة عابرة. فقد عرف الفكر الأوروبي منذ عصر الأنوار تحولاً عميقاً في طرائق إنتاج المعرفة وتداولها، حين أخذت الحدود بين الفلسفة والأدب تتراخى، فاسحة المجال أمام صور جديدة من الكتابة تستطيع إيصال الأفكار إلى القارئ عن طريق التجربة والخيال.

في هذا السياق يطرح الباحث والأكاديمي الفرنسي كولا دوفلو في كتابه "مغامرات الحكمة، الفلسفة في الرواية في القرن الـ18"، سؤال حضور الفلسفة في عالم الرواية، متوقفاً عند ما يسميه "رحلات الفلسفة العجيبة" في فضاء السرد، متسائلاً عن كيفية استطاعة خطاب يبدو، في جوهره، ميالاً إلى التجريد والاستدلال إيجاد موطئ له في عالم يقوم على التخيل والحكاية.

يكشف لنا دوفلو أن الفلسفة، حين دخلت الرواية في القرن الـ18، لم تكن مجرد مادة إضافية زينت الحكاية أو منحتها مسحة من العمق. لعلها تركت أثرها في بنيتها وأسلوبها ووظيفتها. والرواية لم تستقبل الفكر الفلسفي استقبالاً سلبياً، بل أعادت تشكيله وفق منطقها الخاص. ومن هذا التفاعل نشأت كتابة لا يمكن اختزالها في فلسفة مكتوبة داخل رواية، ولا في رواية تحمل بعض الأفكار الفلسفية.

القدرة على الشك

هنا تظهر إحدى المفارقات الجوهرية في مفهوم "الرواية الفلسفية". فالقارئ الأدبي يدخل النص وهو مستعد لتصديق عالمه والتماهي مع شخصياته. وهذا ما أشار إليه كولريدج حين تحدث عن موقف القارئ من العمل الأدبي. أما التفلسف، فيبدأ من مسافة نقدية ومن القدرة على الشك والمراجعة. وهذا ما عبر عنه ديدرو حين جعل عدم التصديق الخطوة الأولى على طريق الفلسفة. كيف، إذن، يمكن للقارئ أن يعيش عالم الرواية كما لو كان ممكناً، وأن يحتفظ في الوقت ذاته بالمسافة النقدية التي تقتضيها الفلسفة؟

 لا تمثل هذه المفارقة عائقاً أمام الرواية الفلسفية؛ لعلها مصدر قوتها. فالرواية تستطيع أن تضع القارئ في موقع لا يعود فيه قادراً على الاكتفاء بالإجابات الجاهزة. فهي تستدرجه أولاً إلى الحكاية، ثم تدفعه، من داخلها، إلى مساءلة ما يراه ويشعر به. وهكذا تتغير "وضعية القارئ"، على حد تعبير دوفلو، من متابع للأحداث إلى شريك في عملية التفكير.

في هذا السياق نفهم ما ذهب إليه المفكر والفيلسوف الفرنسي جاك بوفيريس، مستشهداً بإميل زولا، من أن الروايات الكبرى تستطيع أن تقول عن الإنسان والطبيعة أكثر مما تقوله أحياناً المؤلفات المتخصصة في الفلسفة والتاريخ والنقد. فالأدب لا يكتفي بتقديم معرفة عن الإنسان بل يجعلنا نراه في حركته وتناقضاته وضعفه ورغباته. وهذا ما يسمح له، كما تؤكد إيريس مردوك ومارثا نوسباوم، بأن يؤدي وظيفة معرفية تتصل بكشف الحقيقة عبر إظهار ما لا يمكن للمفهوم المجرد إظهاره.

ولذلك لا يبدو غريباً أن يكون حضور أسماء مثل نيتشه وكيركغارد وسارتر وكامو وغيرهم مزدوجاً في تاريخ الفلسفة وتاريخ الأدب. فقد يحمل النص الفلسفي أحياناً كثافة أدبية تجعل طريقة صياغة السؤال جزءاً من مضمونه. والرواية، من جهتها، تستطيع أن تكشف توترات فكرية وأخلاقية ووجودية من خلال بنيتها نفسها، واضعة القارئ أمام تجربة إعادة النظر في معتقداته.

تتجلى هذه الإمكانية بوضوح في بنية رواية جان جاك روسو "جولي، أو هيلويز الجديدة" الرسائلية التي تضع القارئ داخل شبكة من الأصوات والمواقف والمجادلات تدفعه إلى المشاركة في التفكير. فقد يرغب القارئ في الانغماس في الحبكة العاطفية التي تحرك الشخصيات، إلا أنه يجد نفسه مدفوعاً إلى التأمل في الحب والأخلاق والفضيلة والاختيار، مما يجعل الفكرة الفلسفية جزءاً من التجربة التي يعيشها.

الحكاية ليست درساً

لكن هذا التداخل بين الرواية والفلسفة، كما لاحظ دالامبير، قد يثقل السرد حين تطول الاستطرادات والمناقشات النظرية، فيشعر القارئ أن الحكاية تحولت إلى درس. لذلك لا تكمن الرواية الفلسفية الناجحة في إقحام الفكرة في السرد، بل في جعلها تنبثق من داخله، كاشفة الحقيقة عبر اللغة والحكاية والتجربة، على طريقة "تقديم الدواء المر في إناء حلو" بحسب ما يقول الشاعر والفيلسوف الروماني لوكريتيوس.

من هذه الزاوية نفهم ازدهار رواية المذكرات والرواية الرسائلية في القرن الـ18. فقد أتاح هذان الشكلان إمكاناً خاصاً للمزاوجة بين التأمل والسرد، من خلال ربط الأفكار بصوت الشخصية وذاكرتها ومراسلاتها وعلاقاتها ومصائرها.

تتضح هذه المسألة أكثر في روايات الأب بريڤو، لا سيما في "مذكرات لخدمة تاريخ القلب الإنساني"، حيث يتخذ الراوي موقف المراقب الذي يحاول فهم العواطف وتصنيفها، وكأنه يستطيع أن يقف خارج التجربة ليحللها بموضوعية. لكن مسار الحكاية يقلب هذه المعادلة، إذ يقع الراوي نفسه في قبضة ما كان يريد تفسيره، وتنهار المسافة بين الذات التي تراقب والموضوع الذي تتم مراقبته، مما يعني أن الرواية تكشف شيئاً لم يستطع الفكر المجرد كشفه، وهو أن الإنسان لا يملك دوماً رفاهية الوقوف خارج التجربة التي يسعى إلى فهمها.

أما في رواية "الفيلسوف الإنجليزي، أو قصة السيد كليفلاند"، فيكشف الأب بريڤو حدود الفلسفة العقلانية وعجزها عن تحقيق السعادة. فمن خلال المحن التي يمر بها البطل، يتبين لنا أن العقل وحده قد يقود إلى طريق مسدود، وأن الحساسية والإيمان قد يفتحان سبيل السكينة. وهكذا لا تكتفي الرواية بطرح السؤال الفلسفي، بل تضعه في مواجهة الحياة، مختبرة قدرة الأفكار على الصمود أمام التجربة الإنسانية.

يبلغ هذا المسار ذروته في قصة "كانديد" لفولتير، حيث لا تعرض فلسفة لايبنتز عن "أفضل العوالم الممكنة" في صورة نسق فلسفي مكتمل، بل تتجسد في شخصية بانغلوس وفي يقينه الراسخ، الذي سرعان ما تكذبه، في كل مرة، مآسي الواقع وكوارثه. ففولتير لا يفند التفاؤل الفلسفي بجدل نظري طويل بقدر ما يترك الأحداث نفسها تتولى مهمة التفنيد. فالحرب والزلزال والموت والمعاناة تتحول إلى حجج سردية، ويصبح الواقع شريكاً في المحاججة.

لهذا يمكن النظر إلى "كانديد" كرواية مناهضة للفلسفة بمعناها التقليدي، لأنها تختبر حدود الفلسفة وتشكك في قدرة النظام النظري على الإحاطة بكل تعقيدات الحياة.

أما ديدرو في "جاك القدري"، فيبدو أكثر جرأة "لزعزعته" الآلية التي يقرأ بها القارئ الرواية نفسها. فهو يخاطبه مباشرة، قاطعاً مجرى الحكاية، مغيراً مساراتها، فاتحاً أمامه احتمالات متعددة لأحداثها، محولاً إياه من متلق للأحداث، إلى شريك في اللعبة السردية والفكرية.

تجربة إيريس مردوك

وإذا كان القرن الـ18 قد جعل من الرواية مختبراً للأفكار، فإن الكاتبة والفيلسوفة والناقدة الإيرلندية آيريس مردوك تقدم، في القرن الـ20، تصوراً آخر للعلاقة بين الفلسفة والسرد، بحيث تبدو رواياتها كعوالم تتشكل فيها الأسئلة الفلسفية داخل التجربة الإنسانية. ولهذا وصف بعض النقاد أعمالها بأنها "روايات ميتافيزيقية"، علماً أن الميتافيزيقا عند مردوك ليست مذهباً مغلقاً، وإنما بحث مفتوح في الوجود والخير والجمال والقيمة والعلاقة بالآخر. فالرواية عندها تتعلق قبل كل شيء بكيفية رؤية البشر بعضهم بعضاً والتعامل بعضهم مع بعض. ومن ثم لا يمكنها أن تنفصل عن الأسئلة الأخلاقية والميتافيزيقية التي ترافق الحياة الإنسانية، كسؤال الحرية والخير والحب والعلاقة مع الآخر، إلخ.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويبرز في تصور مردوك للرواية مفهوم "الأنا العنيدة"، أي نزوع الذات إلى جعل نفسها محور العالم، فتختزل الآخرين في الصور التي تصنعها عنهم. هنا تصبح الأخلاق خروجاً من أسر الذات نحو الاعتراف باستقلال الآخر؛ ويصبح "الانتباه" الأخلاقي رؤية الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون، ويصبح الحب اعترافاً بحريته وفرادته لا امتلاكاً له.

وينطبق الأمر نفسه على الفن والأدب. فالفن يحرر الإنسان من مركزية ذاته ويدربه على رؤية العالم في تعقيده. لذلك يستطيع الأدب أن يعلم الخير من خلال "تجسيده في شخصيات بشرية معقدة"، لا من خلال تعريفه نظرياً. لكن ذلك يظل مشروطاً بألا تطغى الفلسفة على الرواية، فتتحول الشخصيات إلى مجرد أدوات لإثبات الأفكار. فالشخصيات الروائية الحقيقية تظل عصية على الاختزال: متناقضة، مخطئة، متغيرة، ولا تكشف دوماً دوافعها كاملة.

هنا بالذات تكمن قوة الرواية الفلسفية. فهي لا تكون عظيمة لأنها تحتوي على عدد كبير من الأفكار، بل لأنها تجعل فعل السرد نفسه صورة من صور التفكير. فالشخصية ليست تجسيداً لمفهوم؛ إنها كائن يختبر المفهوم في العالم. والحقيقة لا تأتي بالضرورة في صورة برهان مكتمل؛ لعلها تظهر في لحظة ضعف، أو في تجربة فشل، أو في علاقة تكشف للإنسان شيئاً لم يكن قادراً على رؤيته عن نفسه.

لذلك لا ينبغي فهم العلاقة بين الفلسفة والرواية كلقاء بين مجالين مستقلين أضيف أحدهما إلى الآخر. إنها علاقة أعمق، تقوم على سؤال مشترك: كيف يمكن أن نفهم الإنسان والعالم والحياة؟ وقد أظهر أدب القرن الـ18، من روسو إلى ديدرو وفولتير وبريڤو، أن السرد قادر على تحويل الفكرة إلى تجربة، وأن الوقائع والشخصيات قد تكون أحياناً أبلغ من البراهين العقلية في الكشف عن حدود بعض التصورات الفلسفية.

في نهاية المطاف لا تفكر الرواية بمنطق الفلسفة، ولا تستمد عمقها من محاكاة البرهان، وإنما تنسج أفكارها من خيوط الحكاية والشخصيات والمفارقات والتجارب، تاركة في أعقابها أسئلة تتجاوز كل إجابة. وحين تبلغ الرواية هذا الأفق، لا تعود الفلسفة ضيفاً ثقيلاً على الأدب، ولا يغدو الأدب مجرد أداة للفلسفة؛ بل ينفتح بينهما فضاء ثالث، تتجاور فيه الفكرة والحياة، ويتعانق فيه العقل والخيال، ويتحول المفهوم إلى تجربة حية، ويصبح السرد نفسه ضرباً من التفكير، وطريقاً آخر لاستكشاف الإنسان والعالم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة