ملخص
بينما يتيح "إنستغرام" للمستخدمين استعراض الكتب التي يقرؤونها، تطرح الكاتبة سؤالاً أعمق: هل تحولت القراءة إلى وسيلة للترويج للهوية الشخصية بدلاً من متعة المعرفة؟ وعلى رغم أخطار "الاستعراض الثقافي"، يبقى الإقبال على التباهي بالكتب دليلاً على أن القراءة ما زالت تحتفظ ببريقها وقيمتها الاجتماعية.
في الإمبراطورية الرومانية، كان امتلاك مكتبة ضخمة وفاخرة يرمز إلى المكانة الاجتماعية الرفيعة. وكانت علية القوم تجمع أكواماً من المخطوطات والكتب، ليس لغرض قراءتها فحسب، بل للتباهي بها، باعتبارها دليلاً على الثروة والثراء الفكري. وقد شبه لوقيانوس السميساطي، الكاتب الساخر الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، من يفعلون ذلك بـ"الحمار الذي يستمع إلى القيثارة" في مقالته "أدفيرسوس إندوكتوم" Adversus Indoctum أو "جامع الكتب الجاهل". يا ترى، ماذا كان لوقيانوس ليقول عن "إنستغرام" اليوم؟
كثيراً ما شكلت منصة التواصل الاجتماعي مساحة لتسويق الهوية الشخصية، إذ أصبح ما تقرؤه جزءاً من صورتك العامة، أو من الصورة التي ترغب في أن يراك الآخرون من خلالها. وفي الأسابيع الأخيرة، طرح "إنستغرام" خاصية جديدة جعلت هذا الأمر أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، إذ بات بإمكان المستخدمين إضافة عنوان كتاب في لافتة تظهر أعلى ملفاتهم الشخصية (وإن كان ذلك ضمن حد أقصى يبلغ 20 حرفاً فقط)، وهكذا أصبح إخبار الآخرين بأنك تقرأ رواية "عوليس" أسهل من أي وقت مضى.
وليس التباهي بالقراءة ظاهرة جديدة، ويكفي أن نتذكر الرومان القدماء. لكن نسختها المعاصرة تعود للعقد الماضي، وتحديداً إلى العقد الثاني من القرن الـ21، حين تحولت الحقائب القماشية ذات الطابع الأدبي إلى إكسسوار شبه إلزامي لكل من قرأ رواية "الحارس في حقل الشوفان"، وخرج بانطباع مفاده بأن هولدن كولفيلد شخصية جديرة بالإعجاب.
وعلى خلاف عرض عنوان كتاب بعينه، كانت تلك الحقائب الأدبية تبعث برسالة أوسع نطاقاً. فهي لم تكن تخبر المارة بما يقرأه صاحبها قبل النوم، بقدر ما كانت توحي بأنه يتسوق من مكتبات مستقلة مثل "دونت بوكس" Daunt Books، ويشترك في مجلة "ذا نيويوركر"، وينتمي إلى شريحة ثقافية بعينها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما تحولت الكتب نفسها إلى سلع تحمل قيمة رمزية تتجاوز محتواها، ويظهر ذلك بوضوح مع الإصدارات التي تحظى بضجة إعلامية واسعة، مثل روايتي "يستريير" Yesteryear و"فيم سيك" Famesick، إذ إن مجرد قراءتهما يبعث برسالة إلى من حولك، في مترو الأنفاق مثلاً، مفادها بأنك أيضاً جزء من الدائرة الثقافية المواكبة لأحدث الصيحات الفكرية.
غير أن هذه الظاهرة ربما تتجلى بأوضح صورها في حالة دار النشر الحائزة جوائز "فيتزكارالدو إديشنز" Fitzcarraldo Editions، التي تتميز كتبها بأغلفتها البيضاء والزرقاء الداكنة ذات التصميم البسيط واللافت. فهذه الأغلفة يمكن تمييزها من مسافة بعيدة، بما يكفي لأن يدرك كل من في الجوار أنك قارئ جاد لكتب جادة، من النوع الذي يحصد جوائز نوبل.
ولا يقتصر الأمر على القراءة بوصفها مؤشراً ثقافياً، بل امتد إلى استخدام الكتب كعناصر جمالية للعرض والزينة. فقد اجتاح وسم #BookshelfWealth منصة "تيك توك"، مروجاً لفكرة أن رفوف الكتب الأنيقة تعكس الذائقة والمكانة الاجتماعية، فيما برزت مهنة "منسق المكتبات المنزلية"، إلى جانب الانتشار المتزايد لنوادي الكتب التي يرعاها المشاهير.
وقد واكب عالم الموضة بدوره هذه الصيحة، بدءاً من الحلي التي تعلق على الحقائب وتتخذ شكل كتب مصغرة، وهي ثمرة تعاون بين دار الأزياء "كوتش" ودار النشر "بنغوين راندوم هاوس"، وقد طرحت في وقت سابق من هذا العام - فإذا كانت رواية "البيت الكئيب" Bleak House أكبر من أن توضع في حقيبتك الصغيرة، فها هي نسخة مصغرة مستوحاة من "العقل والعاطفة" Sense and Sensibility، وصولاً إلى الفعاليات ذات الطابع الأدبي التي نظمتها علامتا "برادا" و"ميو ميو" خلال السنوات الأخيرة.
ولو كان لوسيان السميساطي حياً اليوم، لربما وجد في كل ذلك مادة لا تنضب لسخريته.
وهذا كله يعني أن إضافة "إنستغرام" لشريط "ماذا تقرأ" إلى صفحات المستخدمين أمر لا يثير الدهشة على الإطلاق، ولكن بينما يبدو الأمر امتداداً طبيعياً لكل ما سبق، فإنه يبدو أيضاً مريباً بطبيعته. ففي حين أن الوسائل الأخرى للتباهي بقراءة الكتب تخدم بالتأكيد المنصات الرقمية، هل يمكن أن نصدق حقاً أنك قرأت كتاب "الألبوم الأبيض" The White Album لجوان ديديون إن لم تكتب منشوراً عنه على "إنستغرام"؟ - إلا أنها، في الواقع، ذات طبيعة مادية ملموسة.
فلكي تحمل حقيبة قماشية تحمل شعار مكتبة "دونت بوكس"، لا بد أولاً أن تكون قد زرت هذه المكتبة وتعاملت معها. وبالمثل، إذا أردت الاستفادة من الوجاهة الثقافية التي يمنحها اقتناء كتاب صادر عن دار "فيتسكارالدو إديشنز"، فعليك أن تشتري الكتاب بالفعل، حتى وإن لم تقرأه، مما يعني في نهاية المطاف دعم دار نشر مستقلة.
وإذا كنت، مثلاً، ترغب في أن تبدو كشخصية مثقفة اجتماعية من النوع الذي يحضر الأمسيات الأنيقة لقراءة الكتب التي انتشرت أخيراً، فعليك أن تحضرها فعلياً.
في المقابل، تبدو الميزة الجديدة التي أطلقها "إنستغرام" انعكاساً صارخاً لثقافة الحياة الرقمية، فهي تطلب منا تسجيل الدخول إلى المنصة لإثبات أننا نقوم بنشاط يستلزم بطبيعته الابتعاد منها. وربما تغفل أيضاً حقيقة أن أحد أسباب اكتساب القراءة كل هذه الجاذبية والطابع الطموح هو أن التمتع بحياة غنية خارج العالم الرقمي، أصبح بدوره أمراً يتطلع إليه كثيرون.
أليست هذه مجرد طريقة أخرى لتحويل القراءة إلى منافسة؟ وتحويل التركيز من الاستمتاع بالكتب إلى الظهور كقارئ لدواعي الاستعراض؟
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الرغبة في الظهور بصورة المثقف ترتكز إلى اعتقاد متفائل بصراحة: أن الكتب مهمة وأن القراءة أمر رائع. ففي زمن تخلى فيه أكثر من ثلث البالغين في المملكة المتحدة عن القراءة لمجرد المتعة، أعتقد أن هذا أمر لا يمكن الاستهانة به.
وعلى هذه الملاحظة، أختم هنا، مع الإشارة التي يتيحها "إنستغرام" اليوم: أقرأ حالياً: "حياة إم" The Life of M للكاتبة رايتشل كاسك".
© The Independent