Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الإفقار الممنهج"... اقتصاد غزة يعيش على حافة البقاء

بعد أشهر من وقف إطلاق النار لم يتوقف استنزاف ما تبقى من قدرة القطاع على الصمود

أكثر من 80% من المواطنين يعتمدون كلياً على المعونات والخدمات الإغاثية الدولية الموقتة لتأمين قوت يومهم الأساس (أ ف ب)

ملخص

أسواق عامرة بالسلع وجيوب خاوية من السيولة... كيف تحولت التهدئة في غزة إلى مرحلة جديدة من "الإفقار الممنهج" وتفكيك القدرة الشرائية؟

تفوح من أزقة سوق خان يونس المركزية رائحة تابل "الدقة" الغزية المخلوطة برطوبة أغسطس (آب) الخانقة، للوهلة الأولى تبدو الصورة نابضة بحركة صاخبة تعج بالألوان، البسطات الخشبية الموقتة والممتدة على طول الأرصفة المحاذية للأنقاض غاصت بتلال من المعلبات المنظمة، ومساحيق الغسيل وصفوف متباعدة من الخضراوات الكاحلة التي شقت طريقها أخيراً عبر الشاحنات التجارية.

الأصوات في السوق مرتفعة، تختلط فيها نداءات الباعة المتنافسين لتسويق بضائعهم مع جلبة المارة الذين يملأون الممرات الضيقة، لكن هذا الضجيج يحمل في أحشائه حياة اقتصادية مشلولة، فالسوق المزدحمة بالمواطنين والسلع تعيش ركوداً تجارياً تتماثل فيه الوفرة مع العدم.

تتحرك الأجساد في الممرات بدافع الرغبة في الخروج من ضيق الخيام، غير أن حركة الأيدي تكشف حقيقة الأزمة، إذ يقف الباعة بصدورهم المندفعة نحو المارة يلوحون بالبضائع، وتتحرك الشفاه بأسعار تبدو في ظاهرها مستقرة مقارنة بأيام الحرب المستعرة، إلا أنها لا تزال تحلق بعيداً من متناول جيوب نفدت مدخراتها.

تصطف عائلات في حلقات صامتة أمام واجهات العرض الموقتة، عيون الآباء والأمهات تشخص نحو السلع بنظرات فاحصة، من دون أن تمتد يد واحدة لملامسة البضاعة أو طلب الشراء.

تظهر الأيدي معلقة، إما متشابكة خلف الظهر في حركة تعكس العجز، أو ممسكة بقوة بأيدي الأطفال الذين يجذبهم بريق علب الحلوى الشحيحة من دون جدوى. المشهد يبدو أشبه بمعرض فني عام، يتأمل فيه الزوار المعروضات بتقدير صامت لكنهم يعلمون أنهم لا يملكون ثمن اقتنائها.

تتقدم عائلة مكونة من أب وثلاثة أطفال نحو بسطة لبيع المنظفات، يقترب الأب، يسأل عن السعر بصوت منخفض، يحرك رأسه إيجاباً كمن يسجل ملحوظة، ثم يتراجع ببطء إلى الخلف مفسحاً المجال لعائلة أخرى تكرر الطقس ذاته.

هذا الشلل في حركة الشراء لا يعود اليوم لنقص البضائع، وإنما للمصيدة المالية الجافة التي أحكمت حلقاتها حول القطاع عقب التهدئة التي توصلت إليها "حماس" وإسرائيل في اتفاق خطة السلام والازدهار الأميركية.

ففي حين تكتظ الأرصفة بالمعروضات، تختفي من أيدي الناس الأوراق النقدية، إذ تسببت التصفية المنهجية للبنية المصرفية في حرمان مئات الآلاف من الوصول إلى رواتبهم.

يكشف مشهد سوق خان يونس بورصة بضائع عامرة بلا مشترين، وعائلات تحاصرها الوفرة لتواجه جوع القدرة الشرائية المسحوقة في نظام اقتصادي جرى تفكيكه وإعادة صياغته ليعيش على حافة البقاء.

يحرك السبعيني فرج كفه وهي ترتجف خفة بينما تقلب ثلاث قطع نقدية من فئة الشيكل، تآكلت حوافها المعدنية وتحول لونها إلى سواد داكن بفعل الرطوبة وكثرة التداول، يمرر إبهامه الخشن فوق وجه العملة التالفة، ثم يرفع عينيه نحو المعلبات المكدسة خلف البائع ويقول "البضاعة موجودة في الشوارع والناس هيمانة تمشي وتتفرج، لكن الجيب ناشف لا يوجد به أي قرش، صرنا نعيش عذاباً يومياً حقيقياً".

تختزل كلمات السبعيني فرج الفجوة بين النص السياسي النظري لـ"خطة السلام والازدهار الأميركية" والواقع المعيشي المعقد، إذ يتضح مع مرور الوقت أن توقف العمليات العسكرية لم يفتح بوابة التعافي للقطاع، وإنما دشن مرحلة جديدة من الإفقار والهندسة الاجتماعية الصامتة، حين تتكامل القيود المعبرية المشددة مع التجفيف المنظم للسيولة المصرفية، لتنتج مجتمعاً منزوع السيادة الاقتصادية، يعيش رهنية الإغاثة والمساعدات المتقطعة.

من الحصار الذكي إلى السحق الشامل

في الواقع، لم تكن الحركة الاقتصادية المشلولة في أسواق خان يونس وليدة اللحظة، وإنما الذروة المأسوية لمسار تاريخي تعود جذوره إلى عام 2007، حين بدأت سياسة الإفقار الممنهج تأخذ طابعاً مؤسسياً ومدروساً مع فرض الحصار الشامل على قطاع غزة.

على مدى قرابة عقدين من الزمن، مر هذا الإفقار بمراحل عدة، كان أبرزها ما عرف بمرحلة "الحصار الذكي"، حيث أدارت السلطات الإسرائيلية المعابر وفق معادلات رياضية دقيقة حددت من خلالها قائمة بالمواد الغذائية المسموح بها والممنوعة.

ووصل الأمر إلى حد إعداد وثائق رسمية من وزارة الدفاع تعنى بحساب الحد الأدنى من "السعرات الحرارية" اللازمة لمنع سوء التغذية الحاد لدى سكان القطاع، من دون السماح للاقتصاد بتجاوز عتبة البقاء الإنساني.

 

عاشت غزة منذ 19 عاماً على حافة الاختناق، كان خلالها المجتمع لا يموت جوعاً ولا يمتلك في الوقت ذاته أي فرصة للنمو أو الإنتاج والتصدير، وانعكست هذه السياسة الطويلة في مؤشرات كارثية واكبت القطاع بين عامي 2007 و2023.

تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن غزة دخلت عشية أحداث عام 2023 وهي تعاني ركوداً اقتصادياً مزمناً، إذ استقرت معدلات الفقر عند حاجز 65 في المئة، وتجاوزت نسبة البطالة العامة 45 في المئة لتصل إلى مستويات قياسية بين فئات الشباب والخريجين.

وبحسب "أونكتاد" فإن التدمير البطيء للقاعدة الإنتاجية حول المجتمع بالتدريج إلى هيكل ريعي، بات فيه أكثر من 80 في المئة من المواطنين يعتمدون كلياً على المعونات والخدمات الإغاثية الدولية الموقتة لتأمين قوت يومهم الأساس.

درست الأكاديمية الأميركية بجامعة هارفارد سارة روي واقع غزة الاقتصادي، وصاغت له نظرية "التنمية العكسية الممنهجة"، وتوضح في أطروحتها أن غزة لا تمر بدورة ركود اقتصادي اعتيادية يمكن علاجها بضخ أموال موقتة، بل تتعرض لعملية "تفكيك وإفراغ هيكلي متعمد" لجميع أصولها التحتية والإنتاجية، بما يضمن تجريد المجتمع من قدرته على الاعتماد على الذات وتحويله قسراً إلى كيان مستهلك بالكامل يرتهن بقاؤه بالقرار الخارجي المعبري والإغاثي.

مع حلول عام 2026 انتقل القطاع من مرحلة "الحصار الذكي" والتحكم بحساب السعرات إلى مرحلة "السحق الشامل" للأصول الرأسمالية والإنتاجية، حيث أجهزت الحرب على ما تبقى من ورش ومصانع وأراضٍ زراعية.

ويبدو أن "خطة السلام والازدهار الأميركية" لا تفتح أبواب التعافي، بل تعيد مأسسة وتكريس ملامح هذا الإفقار، بحسب مراقبين، إذ تظل خطوط الإنتاج معطلة والمعابر مقننة والسيولة النقدية مجففة، مما يحول التهدئة من بوابة لإعادة البناء إلى حرب استنزاف اقتصادية صامتة مستمرة في قضم مقومات الحياة.

ويؤكد الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني مسيف مسيف أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يتضمن رفعاً فورياً وشاملاً للحظر المفروض على حركة الأموال والسيولة النقدية، وإلغاءً كاملاً لقيود الاستيراد على المواد الخام والآلات تحت ذريعة الاستخدام المزدوج، سيبقى عاجزاً عن كسر حلقة التراجع التنموي.

ويقول "الإبقاء على هذه القيود المعقدة في ظل غياب خطة إعمار سيادية يحول الأسواق المحلية إلى مجرد بورصات استهلاكية شحيحة تلتهم ما تبقى من مدخرات المواطنين، ويحكم على قطاع غزة بالبقاء داخل مربع الإغاثة الطارئة والتبعية الاقتصادية المطلقة لإسرائيل ولأموال المانحين المتقطعة".

تجريف أصول الحياة

يعود الشلل المالي الذي يفتك بأسواق خان يونس بسبب التجريف المنظم للبنية التحتية والإنتاجية للقطاع الخاص، يعقب الباحث الاقتصادي مازن العجلة "لم تهدف إسرائيل إلى تعطيل الأنشطة التجارية موقتاً، بل سعت بنحو مباشر إلى تحويل قطاع غزة من مجتمع كان يمتلك حداً أدنى من الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية، إلى مستهلك مطلق يرتهن بقاؤه الكلي بالخارج وبما يمر عبر المعابر من طرود تموينية".

تاريخياً، كانت السلة الغذائية لقطاع غزة تعتمد على المساحات الزراعية الممتدة في الأطراف الشرقية والشمالية، إلى جانب المنطقة الساحلية التي تغذي الأسواق بالثروة السمكية، غير أن المعطيات الميدانية وتوثيقات المنظمات الدولية تكشف اليوم عن محو شبه كامل لهذا القطاع الحيوي.

بحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" فإنه خلال الحرب جرى تدمير وتجريف نحو 85 في المئة من إجمال الأراضي الزراعية في القطاع، وتجاوز التدمير مسح المحاصيل إلى اقتلاع الدفيئات الزراعية وهدم الآبار الارتوازية وتحطيم محطات ضخ المياه وشبكات الري البيني، مما جعل التربة غير قابلة للاستصلاح السريع من دون مدخلات هيكلية محظورة.

وتتكامل هذه المأساة مع شلل تام أصاب قطاع الصيد البحري، إذ يواصل الجيش الإسرائيلي حظر الوصول إلى البحر وتدمير قوارب الصيادين وشباكهم على طول الشاطئ الغزي. هذا السحق أدى إلى تحويل القطاع الزراعي والسمكي من مشغل رئيس يستوعب نحو 15 في المئة من إجمال العمالة المحلية ويوفر الأمن الغذائي الخضري والبروتيني للأسواق، إلى قطاع مشلول بالكامل عاجز عن إنتاج ليتر واحد من الحليب أو حبة خضار واحدة بصورة مستدامة.

يقول رئيس اتحاد جمعيات الصيادين في غزة نزار عياش "ما تعرض له قطاع الصيد والزراعة ليست أضراراً جانبية يمكن ترميمها، بل تصفية كاملة لأدوات الإنتاج، لقد تحول آلاف الصيادين والمزارعين الذين كانوا يطعمون القطاع ويصدرون الفائض إلى الضفة الغربية، إلى عاطلين عن العمل ينتظرون في طوابير المساعدات للحصول على علبة سردين معلبة مستوردة، هذا هو المعنى الحقيقي لمحو الاكتفاء الذاتي".

في الحرب تركزت العمليات العسكرية على استهداف المدن الصناعية الرئيسة، وطاول هذا التدمير المنشآت التحويلية والغذائية ومصانع الملابس والنسيج وورش الإنشاءات والصناعات المعدنية والخشبية، مما أخرج القاعدة الإنتاجية للقطاع الخاص عن الخدمة بنسبة تجاوزت 90 في المئة.

وعقب التهدئة، ترجم هذا التدمير المادي إلى جدار إداري عسكري عبر إحكام السيطرة على المعابر وفرض سياسة منع إدخال المواد الخام، وقطع الغيار والآلات بذريعة تصنيفها ضمن قوائم المواد "ذات الاستخدام المزدوج".

يقول رئيس الغرفة التجارية الصناعية في محافظات غزة عائد أبو رمضان "التوسع في قوائم الاستخدام المزدوج لتشمل المواد الخام ومستلزمات الإنشاءات والورش البسيطة هو غطاء لسياسة إفقار وتدمير بنيوي شامل للاقتصاد الوطني".

ويضيف "إسرائيل تمنعنا من استيراد الآلات لكي نبقى عاجزين عن التوظيف والإنتاج، وتجبرنا على تحويل مصانعنا إلى ركام دائم، ليبقى المجتمع رهينة السلع الجاهزة الواردة عبر معابرها التي تلتهم السيولة النقدية الشحيحة".

أدت هذه الدورة المتكاملة من سحق الأصول الزراعية والصناعية وتجفيف المال إلى إحداث زلزال في البنية الديموغرافية والاجتماعية لقطاع غزة، تكلل في تصفية الطبقة الوسطى، فالتجار وأصحاب المصانع والأكاديميون والمهندسون والأطباء الذين كانوا يشكلون صمام أمان التوازن الاقتصادي والقوة الشرائية في المجتمع، فقدوا أصولهم الاستثمارية والوظيفية بالكامل.

يقول الباحث في الشؤون التنموية أحمد أبو قمر "تحول أرباب العمل وصغار المستثمرين، اللذان كانا يولدان الوظائف ويديران الدورة الاقتصادية، إلى صفوف متلقي المساعدات الإغاثية المباشرة والطرود الغذائية اللامتناهية للبقاء على قيد الحياة، هذا التحول أفقد المجتمع طاقته البشرية الماهرة، وحيّد قدرة العائلات على التعليم أو الاستثمار المستقبلي، ليصبح المجتمع بأكمله متساوياً في مربع الفقر المدقع والارتهان المعيشي"، ويضيف "ما نلاحظه في غزة اليوم ليس مجرد بطالة قياسية وإنما انهيار بنيوي كامل ألغى العلاقة الحيوية بين الإنسان والاقتصاد، فالأرقام الصادمة التي تظهر تراجع ناتج قطاع الإنشاءات بنسبة 99 في المئة والصناعة بنسبة 94 في المئة، تعني أن الطبقة الوسطى المنتجة قد جرى مسحها من الخارطة الاقتصادية قسراً".

ويوضح أبو قمر أن أصحاب الثروات والأصول تحولوا فجأة إلى مستهلكين عاجزين يعتمدون على الكابونة التموينية، مما أعدم أي إمكان داخلي لتوليد الدخل أو قيام تعافٍ ذاتي، ليصبح المجتمع بكل طبقاته السابقة محاصراً في اقتصاد بقاء بدائي يدور فقط حول تدبير السعرات الحرارية اليومية.

مزارع بلا أرض ومصانع بلا ركام

كان المزارع سعيد أبو ريدة يمتلك عشية أحداث الحرب نحو 20 دونماً من الأراضي المشجرة بالحمضيات واللوزيات شرق خان يونس، يقف فوق تربة جرفت بالكامل وتحولت إلى مساحات ترابية قاحلة غابت عنها شبكات الري وآباره الارتوازية.

ويقول "الأرض أمام عيني، والشمس عامرة، لكننا ممنوعون من الحياة، حاولت استصلاح بضعة أمتار لنصب دفيئة زراعية صغيرة، غير أن المعابر تحظر دخول أجهزة الضخ والأنابيب البلاستيكية وحتى الأسمدة الكيماوية العادية بذريعة أنها مواد ذات استخدام مزدوج، والحصار المعبري يفرض علينا ترك أراضينا بوراً، لنشتري الخضراوات المستوردة بأسعار خيالية بدلاً من زراعتها".

ولا تقتصر معركة الإنتاج المخنوق على المساحات الخضراء، بل تمتد لتضرب عصب الحرف والورش التي كانت تشكل صمام أمان للتشغيل المحلي، في المنطقة الصناعية المدمرة، يتأمل يوسف العرعير بقايا مشغله الخاص بصناعة الملابس الجاهزة، الذي كان يوفر مصدر رزق لنحو 30 عاملاً ماهراً قبل أن تسحقه النيران.

عقب التهدئة وتوقيع "خطة السلام والازدهار الأميركية"، حاول العرعير إعادة بناء جدار واحد وتشغيل ماكينة خياطة بمعدات بدائية، لكنه اصطدم بالفشل، يشرح "الورش والمصانع باتت مجرد هياكل ميتة، ليس لأن أصحابها يفتقرون إلى الإرادة، وإنما لأن سياسة تقنين دخول البضائع تمنعنا من استيراد الآلات الحديثة أو قطع الغيار الأساسية للمحركات، هذا الخنق المنظم حول عمالي المهرة الذين كانوا يقضون ساعات النهار في الإنتاج والابتكار إلى صفوف متلقي المساعدات الطارئة يجلسون في الخيام بانتظار طرد تمويني يحتوي على ملابس بعدما كانوا هم من يصنعون الكساء للقطاع".

وفقاً لتحليل اقتصادي أصدره معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، فإن هذا التدمير المنهجي يتجاوز الآثار المادية المباشرة، ويمثل قطعاً مقصوداً لشريان الاكتفاء الذاتي للمجتمع، وتهدف هذه السياسة إلى جعل غزة سوقاً استهلاكياً تابعة بالكامل، مجردة من أي قدرة على توليد الوظائف أو الدخل، مما يضمن بقاء المجتمع تحت السيطرة وعاجزاً عن التفكير في أي أفق تنموي مستقبلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بورصة المعابر وتجارة الندرة

يمتد إفقار قطاع غزة ليتخذ شكلاً أكثر تعقيداً يدار عبر المعابر التجارية، حيث تحولت لقمة عيش الغزيين وأدويتهم اليومية إلى رهينة لمعدات شحن معقدة وأسواق تحكمها ندرة مفتعلة، إذ عقب التهدئة نشأت بورصة غير رسمية للسلع الأساسية، يتحكم فيها تقنين التدفقات مع الكلف اللوجستية الخفية، لتنتج تضخماً مصطنعاً يلتهم ما تبقى من مدخرات الغزيين المنهارة.

يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "على رغم التفاهمات السياسية لخطة السلام والازدهار الأميركية التي بشرت بتدفق السلع، تكشف الأرقام الميدانية عن فجوة هائلة بين حاجة السوق الفعلي وما يسمح بدخوله، إذ لا يتجاوز معدل الشاحنات اليومية المارة عبر معبر كرم أبو سالم ثلث الاحتياج الأدنى لتلبية متطلبات السكان".

ويضيف "العجز القسري المستمر في العرض فجر قفزات جنونية في أسعار المواد الحيوية، فتحول كيس الطحين أو علبة حليب الأطفال أو الدواء الأساس من سلعة اعتيادية إلى مادة نادرة تخضع للمضاربة، وتحلق أسعارها في مستويات فلكية تعادل أضعاف ثمنها الحقيقي".

يقول رئيس جمعية حماية المستهلك في قطاع غزة صلاح هنية "لا نواجه تضخماً طبيعياً ناتجاً من حركة الأسواق، بل نواجه تضخماً قسرياً تقوده هندسة الندرة على المعابر، عندما تمنع السلطات الإسرائيلية دخول شاحنات الأدوية والمواد الغذائية بانتظام، تفتح الباب تلقائياً لبروز أسواق موازية ترتفع فيها الأسعار بنسب تتجاوز 400 في المئة، المستهلك البسيط في غزة يدفع اليوم ثمناً باهظاً ليس لقيمة السلعة، وإنما لندرتها المصطنعة".

في الواقع، خلف الواجهات المكدسة ببضع سلع في سوق خان يونس تكمن حلقة مفرغة من الجباية والرسوم الخفية التي تطارد سلاسل الإمداد من بلد المنشأ حتى رصيف البيع، إذ تبدأ رحلة الشحن بمسارات ملتفة ومعقدة تفرضها بروتوكولات التفتيش الإسرائيلية، وتمر عبر ساحات تفريغ وتحميل عدة تضاعف من كلفة النقل اليدوي، ترافقها شروط قاسية لشركات التأمين الدولية التي تصنف القطاع كمنطقة أخطار قصوى مما يرفع بوليصة التأمين إلى أرقام غير مسبوقة.

تضاف إلى هذه الدورة اللوجستية أعباء مالية غير رسمية يفرضها وسطاء وشركات تنسيق تتجاهل حقوق النقل والعبور، وتتقاضى عمولات كبيرة لتسهيل مرور الشاحنة الواحدة، هذه الكلف التراكمية المرتفعة تضع التجار أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الامتناع عن الاستيراد وإغلاق منشآتهم، وإما إدراج هذه المصاريف بالكامل على السعر النهائي للمستهلك، ليصبح المواطن المنهك الصدر هو الحلقة الأضعف التي تتحمل فاتورة الحصار المالي والإداري.

يقول مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية بغزة ماهر الطباع "كلفة شحن الحاوية التجارية الواحدة إلى غزة باتت تزيد على خمسة أضعاف كلفتها إلى أي بقعة أخرى في العالم، التاجر يجبر على دفع آلاف الدولارات كرسوم تنسيق وتأمين وأرضيات في الموانئ والمعابر نتيجة التعطيل المتعمد. هذا الاستنزاف اللوجستي يفرغ رأس المال الوطني من قيمته، ويجعل الاستيراد عملية انتحارية يقع عبؤها المالي مباشرة على كاهل عائلات نفدت سيولتها النقدية ولم تعد تقوى على تأمين ثمن ربطة الخبز".

وهو يمسك بدفتر ديونه المتخم بالأسماء أمام بسطته لبيع الزيوت والمعلبات في خان يونس، يقول التاجر خليل الحواجري "البضاعة متوفرة على الرفوف لأن الناس لا تملك دافعاً ولا مالاً للشراء، الزبون يقف طويلاً يتأمل السلعة، يسأل عن السعر، ثم ينصرف بقلب مكسور".

ويضيف "لم نعد نبيع بالصندوق أو بالكيلو، بل أصبحنا نجزئ العبوات الصغيرة لتناسب بضع العملات المهترئة المتبقية في جيوب الزبائن، الأسواق فيها بضائع إسرائيلية ومستوردة مرتفعة الثمن، ومفرغة تماماً من المشترين".

من جانبه يقول الموظف الحكومي عبدالله مقداد "كنا نعيش بكرامتنا، واليوم تحولنا إلى متسولين عاجزين عن تدبير الأساسات، ثمن علبة دواء الضغط التي أحتاج إليها تضاعف مرات عدة، بينما راتبي مجرد أرقام محبوسة في التطبيقات بلا كاش، أوازن كل يوم بين شراء الدواء أو شراء الطحين للأولاد، الحصار لم يعد قصفاً بالطائرات، بل بات هندسة يومية تجبرنا على الموت البطيء وسط ركام من البضائع التي لا نطاول ثمنها".

يتجاوز جدار الإفقار حدود السلع المفقودة وأصول الإنتاج المدمرة، ليتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وخفاءً يدير حركة المال في قطاع غزة، حيث تحولت الأوراق النقدية الشحيحة إلى عملة نادرة تخضع للمضاربة والابتكار التجاري الأسود.

تقول المعلمة الحكومية سناء البريم "الراتب نزل في الحساب منذ أيام، لكنه مجرد حبر على ورق، أو بالأحرى مجرد بكسل على شاشة الهاتف، نقف هنا منذ الصباح الباكر نترجى الصرافين لتوفير بضع مئات من الشيكلات، تحول الحصول على تعبنا وعرقنا اليومي إلى رحلة ذل ممتدة، ننافس فيها على أوراق نقدية تالفة ومهترئة لا تكاد تقبلها بسطات الخضار".

الموقف الإسرائيلي

في المقابل، ترفض إسرائيل الاتهامات الموجهة لتل أبيب بممارسة "إفقار ممنهج" ضد غزة، وتؤكد أن جميع الإجراءات المتبعة على المعابر وفي المنظومة المالية تأتي في إطار ضوابط أمنية مشددة تهدف بالأساس إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل المسلحة وضمان استقرار التهدئة المعقودة ضمن "خطة السلام والازدهار".

ويوضح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي أن "إسرائيل تعمل بالتنسيق مع الأطراف الدولية على تسهيل دخول المساعدات الإنسانية والسلع التجارية الأساسية لقطاع غزة، لكن التفتيش الدقيق والدائم على المعابر التجارية، وعلى رأسها معبر كرم أبو سالم، هو ضرورة أمنية لا تنازل عنها لمنع تهريب المواد المزدوجة الاستخدام التي قد تُستغل في إعادة تصنيع الوسائل القتالية أو ترميم البنية التحتية للمسلحين".

ومن جانبه، يشير منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي إلى أن القيود المالية والتدقيق في حركة التدفقات النقدية يسيران وفق معايير دولية لحظر غسل الأموال وتجفيف منابع التمويل غير المشروعة.

ويقول هليفي "هدف المنظومة الأمنية ليس تقييد حياة المدنيين، بل ضمان ألا تتحول التدفقات المالية أو السلع المفتوحة إلى شريان تغذية للمجموعات المسلحة، نحن نتيح دخول السلع والتنسيق لآلاف الشاحنات أسبوعياً، لكن المسائل المالية والتحويلات النقدية تخضع لآليات تحقق صارمة بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية لضمان وصول الدعم والمشاريع إلى مستحقيها الفعليين من دون تسريبها لجهات غير حكومية".

وفي السياق الاقتصادي، يؤكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أورين مارمورستاين أن بطء الحركة الاقتصادية أو ارتفاع الأسعار داخل الأسواق لا يعودان لسياسة إسرائيلية مقصودة، بل لآلية إدارة توزيع البضائع داخلياً والضوابط الصارمة المطلوبة لتطبيق بند التهدئة.

ويضيف مارمورستاين "خطة السلام والازدهار تضع إطاراً أمنياً واقتصادياً متكاملاً، إسرائيل تلتزم تعهداتها الميدانية، لكن أي تحسين مستدام في المشهد الاقتصادي للقطاع يرتبط بصورة وثيقة بمدى الالتزام بالترتيبات الأمنية، وتفكيك البنى التحتية للمسلحين، والتأكد الميداني التام من أن كل المعونات والسيولة تخدم أغراضاً إنسانية وتنموية مدنية فقط".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير