ملخص
أمام التكية تختلط أصوات بكاء أطفال يقرص الجوع أمعاءهم، وصراخ مكتوم لنساء يحاولن الحفاظ على أدوارهن. يتصاعد دخان أسود كثيف يزكم الأنوف، يلسع عيون شيرين المتعبة التي تجول بقلق بين الوجوه، بينما تتردد في مخيلتها نظرات أطفالها الثلاثة الذين تركتهم خلفها في خيمة نازحة مهترئة، معلقين آمالهم على ما ستعود به في قاع ذلك الوعاء.
بخطوات مثقلة في رمال دير البلح الرطبة تحث شيرين عبدالهادي خطاها مع خيوط الفجر الأولى نحو ساحة ترابية استضافت "تكية خيرية" وسط قطاع غزة.
تسير شيرين وتفكر بمرارة في واقعها الجديد كأرملة وجدت نفسها فجأة بلا سند أو معيل يقاسمها مشقة الحياة، تحمل في يدها وعاء بلاستيكياً أكلت النار أطرافه، وتندس وحيدة وسط طابور لولبي طويل يغص بمئات النساء اللاتي يتقاسمن المأساة ذاتها.
أمام التكية تختلط أصوات بكاء أطفال يقرص الجوع أمعاءهم، وصراخ مكتوم لنساء يحاولن الحفاظ على أدوارهن. يتصاعد دخان أسود كثيف يزكم الأنوف، يلسع عيون شيرين المتعبة التي تجول بقلق بين الوجوه، بينما تتردد في مخيلتها نظرات أطفالها الثلاثة الذين تركتهم خلفها في خيمة نازحة مهترئة، معلقين آمالهم على ما ستعود به في قاع ذلك الوعاء.
خرج ولم يعد
تقول شيرين "كنا ننتظر عودته بالطعام، لكنه خرج ولم يعد، سقط ضحية قصف إسرائيلي وهو يبحث عن كسرة خبز يسد بها رمق أطفالنا، بعد مقتل زوجي أجد نفسي وحيدة كلياً في مواجهة غول الجوع".
تخرج شيرين مع الفجر، تتنقل بين طوابير المياه والتكيات، وفي كثير من الأيام تعود بوعاء فارغ ودموع عجز لا تجف، وقصتها الممزوجة بالقهر تكشف عن أن "الترمل" مصيبة لا تطوى بمجالس العزاء، في غزة باتت قضية أمن غذائي عامة أعادت صياغة أدوار المرأة قسراً.
مع غياب الزوج، وجد آلاف الأرامل أنفسهن في مواجهة مباشرة ومفاجئة مع مسؤوليات تفوق طاقة البشر، ليتحولن من ربات بيوت أو عاملات إلى خط الدفاع الأخير ورأس الحربة في معركة البقاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بحسب بيانات وزارة التنمية الاجتماعية قفز إجمال عدد الأرامل في القطاع ليصل إلى أكثر من 29 ألف أرملة، هذا النزف الديموغرافي دفع بظاهرة "المرأة المعيلة" إلى الصدارة بصورة غير مسبوقة، إذ صعدت نسبة الأسر التي تعيلها نساء لتلامس حاجز الـ18 في المئة.
وتشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن أسرة واحدة من بين كل سبع أسر في غزة باتت تقودها امرأة وحيدة تقع على عاتقها مسؤولية تدبير الأمن الغذائي في بيئة يسودها دمار اقتصادي شامل وتفكك كامل لسوق العمل.
لا تتوزع هذه المأساة بالتساوي على الرقعة الجغرافية للقطاع، ففي مناطق شمال قطاع غزة، تشتد وطأة الأزمة الإنسانية للأرامل بصورة مضاعفة نتيجة لسياسة العزل وإغلاق المعابر المتواصل، مما منع دخول السلع الأساسية والمواد التموينية الطازجة بانتظام.
ووفقاً لتوثيقات الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، فإن الأرملة في شمال غزة تواجه صدمة الفقد والحاجة الاقتصادية على حد سواء.
وفي هذا السياق، تؤكد مديرة ملف الاستجابة الإنسانية وشؤون الإغاثة سماح حمد، أن استمرار استهداف أرباب الأسر وفقدان العائلات معيلها الأساس ضاعف أعداد العائلات المعتمدة كلياً على برامج الإغاثة الشحيحة، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الدولية والمحلية على الاستجابة.
بحثاً عن الطعام
عند تشريح البنية العمرية للأرامل، تتركز النسبة الكبرى من الأرامل الجدد ضمن الفئة العمرية الشابة والحرجة بين 18 و45 عاماً.
يشير الباحث السوسيولوجي الفلسطيني إياد الشرفا إلى أن "صعود المرأة المعيلة في غزة ليس نتيجة تمكين اقتصادي، بل نتاج مباشر لانهيار اقتصاد الحرب، الذي فرض على النساء دور الإعالة من دون أن يوفر لهن شروط القيام به".
ويضيف الشرفا "المرأة المعيلة الشابة في غزة تقذف إلى اقتصاد حرب منهار وسوق عمل مغلقة من دون امتلاك أدوات إنتاج حقيقية أو شبكات أمان مالي، مما يوسع دورها مقابل تعميق هشاشتها"، ويتابع "الأرملة الشابة في حال إنهاك وجودي ومجتمعي ممتد، إذ يطلب منها فجأة أن تكون الأب وموفر المال والحامي لأسرة نازحة".
ويشير الشرفا إلى أن غياب التكيات الكبيرة وشح المساعدات الواصلة للمستودعات يحول رحلة البحث عن الطعام إلى معركة بقاء، حيث تتحمل النساء مسؤولية إنقاذ أطفالهن من الموت جوعاً.
ويوضح أن مسؤولية إعالة عائلة مكونة من ثلاثة إلى خمسة أطفال على كاهل امرأة في مقبل العمر داخل مجتمع يعاني معدلات بطالة عامة قياسية بلغت نحو 68 في المئة، يمثل إعادة إنتاج قسرية للفقر الاجتماعي.
استنزاف الساعات
تقاس الأيام عند الأرامل بعدد الساعات التي يقضينها واقفات على أقدامهن في طوابير ممتدة، وهو ما يطلق عليه باحثو الاجتماع في الميدان "اقتصادات الانتظار القسري".
تقضي الأرامل ما بين ست وثماني ساعات يومياً يتنقلن فيها بين طابور "التكية الخيرية" لضمان وجبة طعام ساخنة، وطابور نقاط تعبئة المياه المالحة أو الصالحة للشرب، والانتظار العبثي في مراكز تسليم الطرود الإغاثية الشحيحة.
تتحدث منى "حياتي باتت عبارة عن طابور لا ينتهي، أستيقظ عند الرابعة فجراً لحجز دور في طابور مياه غسل الصحون والملابس، ثم أركض فوراً لمركز توزيع دقيق علني أحصل على قسيمة شراء، ومنها أتوجه لخط التكية الطويل".
الإنهاك مرسوم على قسمات وجه منى النحيل، تضيف "قد أقف لأربع ساعات متواصلة تحت الشمس الحارقة ممسكة بوعائي".
وفي لحظة تنهار الآمال عندما يخرج المشرف ليقول "نفد الطعام، عودوا غداً". في تلك اللحظة تشعر منى بالرعب، وتتابع "الفشل في الطابور يعني أن أطفالي الأيتام سينامون ليلتهم على بطون فارغة وبكاء مرير لا يرحم".
يتجاوز الجوع في غزة كونه مجرد حاجة إلى الطعام ليتحول إلى أداة تضغط بعنف على الأرامل، تقول سهير "قبل الحرب كنت أنا وزوجي نكفل أسرة محتاجة، واليوم أجد نفسي مجبرة على التزاحم ومد يدي للحصول على علبة فول أو مغرفة حساء عدس".
تصمت قليلاً ثم تتابع "في كل مرة أقف فيها في الطابور، أشعر بأنني أترك جزءاً من كرامتي وعزة نفسي على الرصيف، مشاعر العجز وأنا أطلب طعاماً إضافياً لأن الوجبة لا تكفي أطفالي تقتلني من الداخل".
تبلع سهير انكسارها عندما تعود إلى الخيمة وترى عيون صغارها الأيتام معلقة بيدها التي تحمل الطعام، حينها تقنع نفسها بأن كرامة الأم تكمن في ألا يموت صغارها جوعاً أمام عينيها.
تقاسم الجوع
خلف الخيام المهترئة، تمارس الأرامل في غزة الإيثار عندما تتقاسم الأمهات الجوع مع أطفالهن، عبر حرمان أنفسهن من الوجبات الشحيحة لتوفير لقيمات صغيرة تسد رمق صغارهن الأيتام. تروي سلوى "منذ مقتل زوجي في الحرب، تحولت الوجبة اليومية إلى حصة مخصصة للصغار، أكتفي بشرب الماء وتناول كسرة خبز لكي يشبعوا هم".
المأساة الكبرى هي جفاف الحليب من صدر سلوى، تضيف "أنا مرضعة ولا أجد ما يغذي جسدي لأرضع طفلي اليتيم، وحليب الأطفال الصناعي مفقود أو غالي الثمن بصورة خيالية. جسدي ينهار حرفياً، لكنني لا أستطيع أن آكل وأرى أطفالي يبكون من الجوع".
تواجه المنظمات الإغاثية الدولية، وفي مقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وبرنامج الأغذية العالمي، عقبات لوجيستية وسياسية معقدة تحد من قدرتها على تقديم إغاثة مستدامة للأرامل في غزة.
وتتسبب القيود الصارمة على المعابر وتقنين دخول الشاحنات في جفاف مستودعات المساعدات والاعتماد الكلي على المعلبات، مع منع دخول الخضراوات والمواد الطازجة.
يؤكد ممثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في فلسطين، شون هيوز أن "القيود المفروضة على سلاسل الإمداد وشح السيولة النقدية يحولان دون الاستجابة للمجاعة الهيكلية، إذ يحتاج القطاع إلى تدفق مستمر وآمن للمواد الغذائية المتنوعة لمنع تفاقم سوء التغذية الحاد".
من جهة أخرى تبرز فجوة إغاثية نوعية تجعل المساعدات العامة تفشل في تلبية الحاجات الخاصة بالأرامل المعيلات وعائلاتهن، تقول الباحثة في شؤون الإغاثة الإنسانية تارا مصطفى "تصمم المساعدات في الأزمات بناءً على معايير عامة لسد الرمق، لكنها تسقط تماماً الفروق الجندرية، فالأرامل الشابات يحتجن إلى حماية خصوصيتهن ومستلزمات رعاية نوعية لأطفالهن الرضع، وهو ما يتطلب برامج دعم نقدي مباشر بدلاً من الطرود النمطية الجافة".
نفي التجويع
ترفض السلطات الإسرائيلية الاتهامات بانتهاج سياسة تجويع ممنهجة داخل قطاع غزة، يقول رئيس وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، يورام هليفي "تل أبيب تلتزم تسهيل تدفق المساعدات وتطوير آليات التنسيق".
ويضيف هليفي "البيانات الميدانية واضحة ولا تدع مجالاً للشك، فإسرائيل تسمح وتسهل إدخال المساعدات الإنسانية والمعدات الطبية بصورة مستمرة بناءً على الحاجات التي تردنا من الميدان عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية".
ويعتبر هليفي أن الأزمة الحقيقية تكمن في الاستغلال الميداني لشحنات الإغاثة والقصور اللوجيستي للمنظمات الدولية في تسلم وتوزيع البضائع، ويوضح "بينما نبذل جهوداً لتأمين المعابر، تواصل حركة (حماس) وأطراف أخرى استغلال كل فرصة، بما في ذلك الشحنات الطبية والإنسانية، لخدمة أغراضها العسكرية والسياسية، وتشويه الصورة الإنسانية في القطاع".
ويشدد منسق أعمال الحكومة على أن تشديد الرقابة وفحص الشاحنات هو ضرورة أمنية قصوى لحماية المساعدات من الاستغلال.