Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بشهادة المنقذين... بحر غزة "أكثر غدرا" بعد الحرب

يخوضون يومياً ما يشبه "سباق حواجز" بين الخيام المتناثرة لانتشال الغرقى وسط دمار أبراج الإنقاذ وانعدام أدوات العمل 

تدفق آلاف الغزيين نحو الماء اصطدم بتغيير جذري وهدام طاول المنظومة اللوجستية للإنقاذ البحري (أ ف ب)

ملخص

حافي القدمين وبصافرة يتيمة، يركض المنقذ في غزة بين أوتاد الخيام وحبالها لمسافة كيلومتر مضاعف، في سباق مع الموج والوقت. تحول البحر من ملاذ هرباً من الخيام إلى مصيدة، والإنقاذ الذي كان يتطلب 30 ثانية بات يحتاج إلى دقائق قاتلة.

قبالة المستوطنة الخيامية الأكبر في مواصي خان يونس، يمتد البحر كلوحة زرقاء مخادعة، تحت أشعة شمس أغسطس (آب) الحارقة، يندفع آلاف النازحين نحو الماء، يفرون من أفران النايلون الخانقة، يغسلون ملابسهم، ويبحثون عن نسمة هواء باردة.

وسط هذا الطوفان البشري المكتظ، يتجول المنقذ البحري محمد أبو حصيرة حافي القدمين على الرمال الساخنة، يطلق صافرته اليتيمة. يصرخ بأعلى صوته محذراً السباحين من خطر العمق.

يضطر محمد للمشي والركض المستمر على امتداد الشاطئ لتعويض انعدام الرؤية المرتفعة، فجدران خيام اللجوء الممتدة حتى خط الماء تحجب عنه المشهد بالكامل.

في تلك الدقيقة الحرجة، وبينما كان محمد يتحرك لتأمين مقطع آخر من خط الساحل، ضرب تيار ساحب عنيف، يعرف محلياً بالجرار، البقعة التي غادرها للتو.

في لحظات، جرف التيار صبياً نحو الأعماق بصمت، انطلق محمد راكضاً بأقصى سرعته فور سماعه صيحات الأهالي، لكن الرحلة كانت جحيماً فيزيائياً.

اضطر المنقذ للمناورة والركض المتعرج بين أوتاد الخيام وحبالها المتشابكة، ثم السباحة بيديه العاريتين ومن دون زعانف لقطع مئات الأمتار وسط الأمواج، استغرق الأمر أربع دقائق كاملة لانتشال الصبي الفاقد للوعي، وهي دقائق قاتلة حبست أنفاس الشاطئ.

يعتصر محمد ألماً وهو يسترجع تلك اللحظات "قبل الحرب، كان هذا المشهد مستحيلاً، كنت أقف فوق برجي المرتفع لأكثر من ثلاثة أمتار، أكشف الشاطئ بأكمله بلمحة عين واحدة".

ويضيف "لو حدث هذا السحب سابقاً للمحته في ثوانٍ معدودة، ولانطلقت بخط مستقيم مستعيناً بزعانف الدفع أو قارب الإنقاذ السريع لأنتشله في أقل من دقيقة".

بعد الحرب يقاتل محمد البحر بجسده، يشرح "نجلس في خيام أرضية تحجب عنا الرؤية، ونتحرك وسط عوائق خنقت الساحل، مما يجعلنا نصل إلى الغرقى متأخرين، لنبدأ معركة إنعاش بدائية فوق الرمل ونحن ندعو ألا يدخلوا في غيبوبة الموت الدماغي".

انفجار خط الساحل

لم يعد شهر أغسطس موسم اصطياف تقليدي في غزة، إذ فرضت الحرب تغييراً جذرياً وقاسياً على خط الساحل. فخلال قرابة ثلاثة أعوام من القتال المستمر، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء متلاحقة، تبعها تدمير نحو 90 في المئة من عمران القطاع، وسيطر الجيش على نحو 65 في المئة من مساحته البرية.

هذه العوامل العسكرية الضاغطة دفعت مئات آلاف العائلات مجبرة نحو النزوح صوب الشريط الساحلي الضيق، وتحديداً في مواصي خان يونس، التي أقيمت فوق رمالها "المستوطنة الخيامية الأكبر".

وللمفارقة، كان بحر غزة قبل الحرب يشهد ازدحاماً موسمياً يقتصر على أيام عطلة نهاية الأسبوع (الخميس والجمعة)، كخيار ترفيهي موقت لمواطنين يعودون ليلاً إلى بيوتهم المجهزة بالمياه النظيفة والكهرباء.

 

اليوم، تحول خط الماء إلى ملجأ إجباري ومزدحم على مدار 24 ساعة من دون انقطاع، حيث صار البحر هو المهرب والملاذ الوحيد المتبقي لتبريد الأجساد اللاهبة من حرارة الخيام الخانقة، وبات بمثابة الحمام اليومي الوحيد للآلاف في ظل انقطاع مياه شبكات الخدمة.

تدفق آلاف الغزيين نحو الماء اصطدم بتغيير جذري وهدام طاول المنظومة اللوجستية للإنقاذ البحري، ففي الوقت الذي تضاعف الضغط البشري مئات الأضعاف على الشاطئ، انقرضت هندسة الإنقاذ السابقة تماماً.

تسببت آلة الحرب في إبادة أدوات التوجيه، وأجهزة الاتصال، وغرف الطوارئ بشكل كامل، مما خلق عجزاً تشغيلياً هائلاً فشلت البلديات المحلية في مجاراته في ظل شح الموارد.

يقول الباحث الميداني في الشؤون الإنسانية هيثم الشوا "الخطورة الكامنة اليوم على شواطئ غزة والمواصي تنبع من تلاقي نقيضين، انفجار سكاني ديموغرافي هائل ومستمر على خط الساحل، يقابله انهيار بنيوي شامل في شبكات الإنقاذ البحري التي كانت تحمي هؤلاء البشر قبل الحرب".

ويضيف "عندما ينزل آلاف المواطنين، والأطفال خصوصاً، بشكل عشوائي ويومي إلى الأعماق تحت وطأة الطقس الحار ومن دون وجود خطوط أمان للإنقاذ، فإن الساحل يتحول فيزيائياً من متنفس طبيعي إلى بؤرة استنزاف بشري يومية تفوق بأضعاف قدرة المنقذين الموجودين على الأرض".

الإنقاذ قبل الحرب

حتى تتضح المأساة التي يعاني منها المنقذ والنازح، الذي يبحث اليوم عن مجرد أنفاس باردة وسط الأمواج، لا بد من العودة بالذاكرة إلى ما قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

حينها، كان ساحل قطاع غزة الممتد على طول 40 كيلومتراً، يدار عبر منظومة إنقاذ بحري متكاملة وشديدة الانضباط، تخضع لأعلى المعايير الهندسية والأمنية المشتركة بين جهاز الدفاع المدني والبلديات الساحلية.

قبل الحرب، كان خط شاطئ القطاع محمياً بـ100 برج مراقبة وإنقاذ بحري رئيس، موزعة هندسياً بدقة متناهية لتوفر تغطية بصرية شاملة ومستمرة طوال مواسم الاصطياف.

في مدينة غزة وحدها، كان يرتفع 22 برجاً خشبياً وخرسانياً تغطي طول الشاطئ البالغ 8.5 كيلومتر، بينما حظي شاطئ خان يونس بالكتلة الأكبر؛ إذ انتشر على طول ساحله الممتد لـ8.5 كيلومتر أيضاً 25 برجاً، نظراً إلى طبيعة تضاريسه الرملية الحيوية وتدفق المصطافين إليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوزعت الأبراج المتبقية بواقع 12 برجاً على شواطئ الشمال، و20 برجاً في محافظة دير البلح، و15 برجاً تؤمن ساحل مدينة رفح في أقصى الجنوب، وجميعها شبكات كانت تضمن السيطرة الكاملة على خط الماء.

خضعت تلك الأبراج لحسابات فنية دقيقة تتعلق بالمدى البصري الآمن للمنقذ، هندسياً، كانت المسافة الفاصلة بين كل برج وآخر في المناطق الحيوية المزدحمة تتراوح بين 340 و380 متراً فقط.

يشرح المسؤول عن شعبة المنقذين البحريين في غزة إبراهيم شملخ، كفاءة ذلك النظام قائلاً "كنا قبل الحرب نقف فوق أبراجنا المرتفعة، نرى وننقذ أي شيء في المياه، حتى لو كان قشة صغيرة".

ويضيف "القرب الشديد بين أبراج الإنقاذ كان يضمن انعدام البقع الميتة على خط الماء؛ فالغريق الذي قد يغيب عن عين المنقذ في البرج الأول نتيجة زاوية الموج وتلاطمه، تلمحه فوراً عين المنقذ في البرج المجاور".

كان كل برج من هذه الأبراج يرتفع لأكثر من ثلاثة أمتار عن سطح الأرض، هذا الارتفاع الاستراتيجي منح الطواقم زاوية رؤية عمودية كاشفة لأعماق المياه وتضاريس القاع وتحركات التيارات الساحبة.

وراء هذه المنظومة، كان يقف جيش بشري منظم يتكون من نحو 800 منقذ بحري مؤهل ومحترف، يجري توزيعهم وإدارتهم وفق هيكلية صارمة.

ضمت نواة المنقذين في القطاع حوالى 300 منقذ ممن يمتلكون خبرات طويلة وشهادات دولية في الإسعاف والإنقاذ المائي، ومثبتين رسمياً على ملاك البلديات والدفاع المدني.

ومع بداية كل صيف، كانت المنظومة تتدعم بـ500 منقذ إضافي بنظام العقود الموسمية الموقتة لتغطية الأبراج ونقاط الحراسة كافة.

يوضح شملخ "عملت هذه الطواقم وفق نظام ورديات صارم يمتد لـ12 ساعة يومياً، ويغطي المنقذ الواحد ست ساعات عمل فقط في الوردية الواحدة، مما يضمن بقاءه بكامل تركيزه البصري، ونشاطه البدني والعضلي، عند قفزه إلى الماء لانتشال الغرقى ومقاومة الأمواج الشديدة، قبل أن تبيد الحرب هذه البنية الاحترافية كلياً وتترك الساحل مكشوفاً بلا أمان".

التكنولوجيا المائية المفقودة

إلى جانب الكادر البشري المؤهل والهندسة الدقيقة للأبراج، كانت طواقم الإنقاذ البحري قبل الحرب تتسلح بمنظومة أدوات مراقبة واتصال متكاملة، شكلت الجهاز العصبي الفوري لحماية المصطافين والسيطرة الكاملة على الساحل.

المنقذ فوق برجه كان مدعوماً بتجهيزات فنية تضمن الرصد الاستباقي قبل وقوع حالات الغرق الفعلية، شملت تلك التجهيزات مناظير بحرية مقربة تتيح مسح العمق لكيلومترات عدة ومتابعة حركة رؤوس السباحين بدقة متناهية وسط تلاطم الأمواج.

 

وكان المنقذ يستخدم النظارات الاستقطابية الفنية لحجب انعكاس أشعة الشمس العمودية الحادة عن سطح الماء، هذا الحجب يمكن عين المنقذ من اختراق السطح ورؤية الأجسام وتغيرات القاع ورصد بداية تشكل التيارات الساحبة بيسر.

وهناك أيضاً منظومة الرايات اللونية الدولية، ترفع على سارية البرج لتوجيه الجمهور بصرياً بحال البحر، يضاف إليها أجهزة اللاسلكي الموحدة، وهي شبكة اتصالات مشفرة تربط كافة أبراج الساحل ببعضها، وبغرفة طوارئ مركزية مشتركة.

يقول المتحدث باسم المديرية العامة للدفاع المدني محمود بصل "اللاسلكي كان يمثل صمام الأمان، فبمجرد رصد برج لتيار ساحب جماعي أو حاجة لإسناد سريع، يضغط رئيس الطاقم على الزر لتستنفر الشرطة البحرية بقواربها، وتتحرك سيارة إسعاف الهلال الأحمر لتصل خط الماء خلال دقيقتين فقط، تنتظر خروج الغريق".

ولم تقتصر الأدوات على الاتصال، بل شملت وسائل الإنقاذ السريع مثل قوارب "الحسكات" الخفيفة والمجدافية، إلى جانب مكبرات الصوت القوية المثبتة على الأبراج لتوجيه التنبيهات المباشرة التي يصل مداها إلى 500 متر للسباحين المتجاوزين لخط الأمان.

عداد الغرقى

قبل الحرب، كان الإنقاذ في ثوانٍ يمنع الوفاة في دقائق، وبفضل الانتشار الكثيف لـ100 برج مراقبة والتكامل مع الدوريات البحرية، كان الساحل الغزي يسجل معدلات أمان عالمية، ويحافظ على أرقام وفيات الغرق في حدودها الدنيا.

وعن النفاذة الذهبية، وهي الوقت المستغرق منذ لحظة اضطراب السباح في العمق وحتى ملامسة يد المنقذ لجسده، يقول المسؤول عن المنقذين إبراهيم شملخ "قبل الحرب كان زمن استجابة المنقذين لا يتعدى 30 إلى 45 ثانية فقط".

ويضيف "الرصد المبكر من فوق الأبراج، والتدخل الفوري عبر قوارب الحسكة السريعة، كان يضمن انتشال الغريق في مرحلته الأولى قبل أن تبتلع رئتاه المياه، مما يجعل معظم حالات الغرق تخرج سليمة تماماً من دون حدوث مضاعفات خطرة في خلايا الدماغ أو غيبوبة".

وتؤكد إحصاءات البلديات الساحلية قبل الحرب هذه السيطرة إذ كان موسم الاصطياف بأكمله (الذي يمتد لستة أشهر كاملة) يسجل معدل وفيات منخفضاً جداً يتراوح بين 6 و15 حالة وفاة فقط في القطاع بأكمله.

تدمير الترسانة

مع اندلاع الحرب وتصاعد وتيرتها تبدل هذا الواقع المستقر بشكل عنيف وصادم، إذ استهدفت آلة القتال البنية التحتية الساحلية لتبيد أبراج المراقبة كافة، وتدمر معها المقرات والمخازن اللوجستية للإنقاذ كلياً، وفي لحظات اختفت المناظير المقربة، وأجهزة اللاسلكي، والرايات الملونة، ومكبرات الصوت.

يبين شملخ أن"التغيير الذي أحدثته الحرب في منظومة الإنقاذ مرعب ولا يمكن تخيله، لقد تحولنا من قمة السيطرة التقنية والبصرية فوق أبراجنا المرتفعة، إلى العجز الكامل من داخل خيام أرضية مقامة على مستوى صفر".

ويشير شملخ بحسرة إلى أن جدران خيام النازحين واكتظاظ البشر يحجبان رؤية خط الماء تماماً، ويكمل حديثه "بتنا نقاتل الأمواج بأجسادنا العارية وبلا أدوات، تأخر زمن وصولنا للضحايا من 30 ثانية قبل الحرب، إلى دقائق طويلة وقاتلة تنتهي غالباً بالوفاة الدماغية للمصاب".

أمام هذا الشلل، لم تقف طواقم الإنقاذ المتبقية مكتوفة الأيدي، بل ابتكرت من قلب المعاناة ومن بين أزقة خيام النزوح في المواصي، بدائل بدائية جداً، تحاول من خلالها تعويض غياب أبراج المراقبة المرتفعة وتدارك أرواح الغرقى.

الساحل "الأصلع"

على امتداد ثمانية كيلومترات ونصف تشكل واجهة مدينة غزة البحرية، يبدو الشاطئ اليوم "أصلع" ومكشوفاً بشكل موحش بعد أن سويت أبراج المراقبة الـ22 بالأرض.

في المشهد الميداني الحالي، يعيش جهاز الإنقاذ التابع لبلدية غزة حالاً من الانكماش الجغرافي والعملياتي الحاد، إذ تعمل الطواقم في بيئة مدمرة تماماً، مما جعل المنظومة تقتصر على بؤر طارئة ومحدودة جغرافياً للتعامل مع التدفق البشري الهائل.

ولسد هذه الفجوة البصرية القاتلة، لم تجد بلديات القطاع والمنقذون المتطوعون مفراً سوى إقامة "خيام أرضية بدائية" صنعت عروقها من أخشاب تالفة كساها قماش مهترئ وبقايا نايلون اللجوء.

يقول رئيس لجنة طوارئ بلدية غزة باسل ناصر هذه الخيام تحولت هندسياً ووظيفياً إلى مجرد مظلات بدائية للاحتماء من أشعة الشمس الحارقة وعوامل الطقس، من دون أن تمنح المنقذ أي قدرة عملياتية على مسح المياه، فوجودها على مستوى سطح الأرض وسط طوفان خيام عائلات النازحين والكتل البشرية المكتظة على خط الماء، جعلها تعيش حال عمى بصرياً كاملاً يعيق رصد المستغيثين في الأعماق".

ويضيف "البلدية تعيش عجزاً تشغيلياً كاملاً جراء استهداف المقر الرئيس للإنقاذ البحري وتدمير الأبراج كلياً، المنقذون اليوم يمارسون مهامهم بلا مظلة إدارية ولا شبكات حماية عملياتية، والخيام الأرضية التي استحدثناها بجهود ذاتية شحيحة لا تفي بالحد الأدنى من معايير السلامة البحرية".

ويتابع "نعتمد كلياً على التضحية الفدائية لمنقذين متطوعين يدركون أن جلوسهم في هذه الخيام يحجب عنهم رؤية الغرقى، فيضطرون لتركها والوقوف لساعات طويلة تحت الشمس مباشرة على خط الماء لعل عيونهم تلمح كفاً تطلب النجدة".

معركة الـ1400 متر

بسبب الحرب لا يوجد أي برج مراقبة أو إنقاذ بحري تقليدي من الأبراج الـ100 التي كانت منتشرة قبل الحرب على طول ساحل قطاع غزة، حيث دمرتها الحرب بالكامل وسوتها بالأرض.

ومع ذلك، استحدثت بلديات القطاع بعض البدائل الطارئة لمواجهة الكارثة، إذ جرى تفعيل 14 نقطة إنقاذ أرضية في مدينة غزة، أما في خان يونس فنحو 12 نقطة طارئة، وتغطي شواطئ دير البلح 10 خيام إنقاذ، وفي الشمال أربعة فقط.

وبعملية حسابية بسيطة، نجد أن كل نقطة إنقاذ أرضية باتت مسؤولة اليوم عن تأمين أكثر من 1.4 كيلومتر من الشاطئ المكتظ، ويعمل بها طاقم يتراوح بين خمسة وسبعة منقذين فقط.

يقول المنقذ البحري إبراهيم كباجة "تأمين 1400 متر من البشر المكدسين على الأرض من دون أبراج هو انتحار، نقف على خط الماء طوال 12 ساعة، وتتقطع أنفاسنا وأقدامنا حافية فوق الرمال الساخنة".

ويضيف "لا يمكننا الجلوس، فبمجرد أن نتحرك أمتاراً لتنبيه عائلة في الشمال، ينشط تيار الجرار في المقطع الجنوبي الذي غادرناه، لنبدأ رحلة ركض مجنونة نحاول فيها أن نسبق الموت بأجسادنا العارية".

ويتابع كباجة "وأنا على الأرض، إذا وقف طفلان أمامي يحجبان عني رؤية السابحين في العمق، نوزع أنفسنا جغرافياً، لكن المسافة شاسعة جداً، ونعتمد على صيحات الناس لإرشادنا إلى مكان الغريق، مما يعني أننا نتحرك دائماً كخطوة تالية للحدث وليس كإجراء استباقي".

تحولت خيام النازحين المصنوعة من الأقمشة المهترئة والنايلون وأوتادها الخشبية وحبالها المشدودة على طول خط الساحل، إلى عوائق فيزيائية تمنع المنقذ من الانطلاق العمودي المستقيم نحو الماء عند رصد استغاثة.

 

يعلق المنقذ المتطوع عائد أبو حصيرة "عندما أسمع صرخة غريق في الماء، غريزتي تدفعني للركض المستقيم، لكنني أصطدم بواقع ممزق، أتعثر بحبال خيام النازحين، وأناور بين الأطفال النيام على الرمل، وألتف حول أوتاد الخشب".

ويقول "الرمل الجاف هنا يمتص طاقة عضلات الفخذ قبل أن أصل إلى خط الماء، نخوض سباق حواجز حقيقي والخصم فيه هو أمواج البحر التي لا تنتظر أحداً".

من جانبه، يقول الباحث التنموي ومخطط المدن سائد البغدادي "المقارنة بين ما قبل الحرب واليوم تكشف عن خلل بنيوي قاتل، في السابق كان الـ750 ألف نسمة من سكان مدينة غزة يزورون البحر بشكل متقطع وموزع، كانت هناك بدائل ترفيهية، والمنازل مبردة".

ويضيف "أما اليوم، فنحن نتحدث عن انفجار ديمغرافي مرعب على خط الماء، شواطئ غزة وخان يونس تحتضن الآن تجمعات ضخمة من مئات آلاف النازحين الذين يعيشون داخل الخيام بشكل دائم".

ويتابع "عندما تفرض على خمسة أو سبعة منقذين يقفون على مستوى صفر مراقبة مسافة 1400 متر تموج بالبشر على مدار الساعة، فأنت تقر فكرة عجز المنظومة فيزيائياً وبصرياً، حتى لو امتلك المنقذون قدرات خارقة".

أجساد متعبة

على نقاط المراقبة الأرضية القليلة المنتشرة على طول شاطئ القطاع، يقف منقذون منهكين، فوفقاً لإحصاءات لجان الطوارئ في بلديات القطاع، انكمش عدد المنقذين البحريين العاملين على طول الساحل إلى 445 منقذاً بحرياً فقط.

يداوم هؤلاء المتطوعون لـ11 ساعة متواصلة يومياً، منذ الثامنة صباحاً وحتى السابعة مساء من دون توقف أو ورديات بديلة، ويعملون تحت أشعة الشمس الحارقة وبأقدام حافية فوق الرمال.

يحتاج منقذ البحر إلى مخزون هائل من السعرات الحرارية والبروتين ليقوى على مقاومة الأمواج وسحب الأجساد، لكن منقذي غزة يواجهون البحر بمعدة شبه فارغة، فهم يعتمدون كلياً على وجبة طعام وحيدة وشحيحة وغير منتظمة، تقدمها المطابخ الإغاثية الموقتة.

يشرح المنقذ المتطوع أحمد القدرة قائلاً "نحن نركض ونسبح بأمعاء خاوية، في كثير من الأيام، يصاب زملائي بحالات شد عضلي حاد أو هبوط مفاجئ في ضغط الدم وسط الماء أثناء سحب الغرقى".

ويضيف "نقاتل تياراً ساحباً لعمق البحر، وعضلاتنا لا تسعفنا لأننا لم يدخل جوفنا سوى معلبات أو صحن أرز صغير منذ الفجر، نحن لا نملك حتى مياه شرب نظيفة ومبردة تحت هذه الشمس، ونخاطر بأرواحنا لحماية الناس بجهود فردية".

يفتح الليل بوابات الجحيم على الشاطئ، فعند الساعة السابعة مساء، ينتهي الدوام الرسمي لطواقم الإنقاذ، ويضطر المنقذون لمغادرة خيامهم الأرضية بسبب غياب الرؤية وحلول العتمة المطلقة على طول الساحل الذي يفتقر لأي كشافات إضاءة أو مصادر طاقة مخصصة للإنارة.

تصر مئات العائلات والشباب على البقاء والنزول إلى المياه ليلاً، هرباً من الرطوبة والحرارة الخانقة داخل أقمشة الخيام، واستخدام البحر كمغسلة وحمام يومي إجباري.

عن سيناريو الرعب، يتحدث المنقذ البحري محمود المدهون "قبل أن نغادر عند المغيب، نصرخ بأعلى أصواتنا في الناس لكي يخرجوا من الماء، ونردد عليهم دائماً ذات العبارة التحذيرية 'من يغرق بعد السابعة، يغرق وحيداً في الظلام'".

ويضيف "عندما يغرق شخص ليلاً لا نرى شيئاً، الساحل أسود مظلم كلياً، يتجمع المواطنون على حافة الماء، ويقومون بتشغيل كشافات وفلاشات هواتفهم المحمولة الضعيفة، ويوجهونها نحو العتمة الزرقاء، يندفع بعض السباحين المهرة منا بشكل تطوعي وأعمى نحو العمق، متتبعين صوت صراخ الضحية فقط وسط عتمة الأمواج وهدير البحر الصاخب".

الصافرة التالفة

مع تلاشي التجهيزات الفنية، بات العبء بالكامل على عاتق المنقذ وبواسطة "العين المجردة" والجهد البدني العاري يستجيب لطوفان من مئات آلاف البشر.

يقول المنقذ عائد أبو حصيرة "عيوننا ذابلة أمام الشمس، نركض حفاة القدمين طوال النهار لتعويض غياب الارتفاع والمناظير، وعيوننا أصابها الإعياء البصري جراء انعكاس الضوء على الأمواج، والنتيجة أننا لا نرى الغريق إلا بعد أن يبتلعه الموج ويبدأ الناس بالصراخ".

من جانبه يوضح متحدث الدفاع المدني محمود بصل، أن آلية التواصل الوحيدة المتاحة بين المنقذين هي الهواتف المحمولة الشخصية، وهي مهددة دوماً بانقطاع تغطية الشبكات ونفاد الشحن الكهربائي لنقص الطاقة.

ويضيف "إذا وقع غرق جماعي، لا توجد إشارة فورية، والوسيلة المتاحة هي 'الركض البشري الصرف' والصراخ بأعلى الصوت من نقطة إلى أخرى لطلب الفزعة، مما يعني ضياع وقت حرج لتنسيق عمليات الإسعاف الفوري".

وتمتد الكارثة اللوجستية لتمس أبسط أدوات التحذير؛ إذ يعاني المنقذون من نقص شديد في أعداد "الصافرات". ويشير منقذون متطوعون إلى أن الطاقم الواحد داخل الخيمة الأرضية يضطر للاعتماد على صافرات متناوبة مشتركة.

 

غابت عن الشاطئ منظومة التوجيه اللوني، حيث تبددت الرايات الدولية (الصفراء، الحمراء، والسوداء) التي كانت تُرفع فوق الأبراج لتحديد مستوى خطورة البحر.

يقول الشاب بلال المقادمة "اختفت الأبراج واختفت معها الرايات الملونة التي كانت ترشدنا؛ اليوم نذهب للبحر من دون أي دليل، السباحة أصبحت عملية عشوائية قائمة كلياً على التخمين البصري العائلي".

ويضيف "ننظر إلى الماء، فإذا رأيناه هادئاً وخالياً من الموج الكبير نفترض تلقائياً أنه آمن وننزل للعمق، لنكتشف متأخرين أننا في قلب التيار الساحب الخادع، فالبحر يبدو كالفردوس من الخارج لكنه يخفي مصيدة في قاعه".

أمام هذا العجز رفض المنقذون الاستسلام، وابتكروا من قلب المعاناة وأزقة الخيام أدوات بديلة فاستخدموا ألواح التزلج التالفة بديلاً عن القوارب، وغالونات الزيت الإغاثية بديلاً عن العوامات، وقوارير المياه المقصوصة بديلاً عن مكبرات الصوت.

تشرح الأم مريم رضوان "أخرجوا ابن أختي من الماء فاقداً للنطق، لم يكن هناك أكسجين ولا سيارة إسعاف، وُضع على تل رملي مائل وبدأ المنقذ يضغط على صدره العاري بكل قوته وهو يصرخ بقارورة بلاستيكية مقصوصة لطلب النجدة".

الموت اليومي

الجسد المنهك للمنقذ يجد نفسه يومياً في مواجهة ما بين 70 و100 حالة غرق وشبه غرق يومياً في مدينة غزة وحدها، وتتركز هذه الحالات في فترتين زمنيتين محددتين.

الفترة الأولى هي ذروة الظهيرة، حيث تصل درجات الحرارة داخل خيام النازحين المصنوعة من النايلون والقماش إلى مستويات غليان لا تطاق، مما يدفع آلاف الأطفال والعائلات جماعياً نحو الماء هرباً من ضربات الشمس.

وعن هذه الذروة، يقول المشرف الميداني على المنقذين نائل العجلة "ساعات الظهيرة هي جحيم حقيقي لنا وللناس، الخيام تصبح كالأفران، فيلقي الأهالي بأطفالهم إلى مياه البحر من دون رقابة، في هذه الفترة تحديداً، نتحول إلى آلات ركوب آلية لانتشال الأجساد".

ويضيف "نسجل عشرات حالات الاختناق والشد العضلي المفاجئ في غضون دقائق معدودة، إننا نتعامل مع طوفان يومي يفوق طاقة طواقمنا البشرية المنهكة أضعافاً مضاعفة، وتتحرك أيدينا لانتشال الأطفال ونحن في حال عمى بؤري كامل بسبب انعكاس أشعة الشمس الحادة على الماء من مستوى الأرض".

ويشير المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، إلى طبيعة البيانات ومعدلات الوفاة الحقيقية قائلاً "رسمياً، سجلت سجلاتنا الطبية 15 حالة وفاة مؤكدة غرقاً منذ بداية الموسم الحالي، لكن هذا الرقم مرشح للارتفاع، وهو مضلل ولا يعكس عمق المأساة".

ويوضح بصل أن الـ15 حالة هي فقط للجثامين التي قذفتها الأمواج صباحاً أمام خيام النازحين أو نقلت للمشافي، أما الحقيقة الميدانية فهي أن مئات الحالات الصعبة والأطفال يتم سحبهم وإخراجهم ليلاً بجهود المواطنين، ويجري إنعاشهم بمعجزة إلهية وبطرق بدائية فوق الرمال المظلمة مباشرة، ويعودون لخيامهم من دون أن تصل تقاريرهم للمستشفيات لتوثيقها".

ويظهر أن زمن الاستجابة للإنقاذ قبل الحرب، منذ لحظة كشف الغريق وحتى انتشاله بواسطة زعانف الدفع، لا يتجاوز 30 إلى 45 ثانية فقط، أما اليوم فالإنقاذ يتم بالسباحة الفردية العارية، مما قفز بزمن الاستجابة ليتراوح بين ثلاث وسبع دقائق كاملة.

ويلفت إلى أنه إذا انقطع الأكسجين عن الدماغ وتوقفت الرئتان عن العمل لأكثر من أربع دقائق، يدخل الغريق في مرحلة الوفاة الدماغية الحتمية، الدقائق الأربع المفقودة بين عوائق خيام النازحين والركض الأرضي العاري على مستوى صفر، هي الفاصل الزمني القاتل الذي يحول حالات شبه الغرق اليومية إلى وفيات حتمية تبتلعها عتمة الساحل بصمت.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير