ملخص
يواجه كوشنر معادلة معقدة، فإسرائيل تشترط خطوات ملموسة من "حماس" قبل الانسحاب، بينما تتمسك الحركة بانسحاب إسرائيلي يسبق تسليم السلاح. وفي خضم لعبة شد الحبل يبرز احتمال تحول "حماس" إلى نموذج هجين شبيه بـ"حزب الله"، يجمع النشاط السياسي ويحتفظ بالقوة المسلحة، مما يثير شكوكاً حول جدية نزع السلاح.
التقى المبعوث الأميركي الخاص جاريد كوشنر، في الـ16 من أغسطس (آب) الجاري، قادة من حركة "حماس" في القاهرة، في لقاء هو الأول من نوعه الذي يجمع الحركة المسلحة المسيطرة على قطاع غزة وصهر الرئيس الأميركي منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار العام الماضي. ويأتي اللقاء في إطار المحادثات الجارية في شأن نزع سلاح "حماس" والانسحاب الإسرائيلي من غزة.
وفق ما ورد من تصريحات منسوبة لمسؤولين من حركة "حماس" عقب اللقاء الذي استمر ساعتين وشارك فيه خليل الحية، القيادي في الحركة ومسؤولين من الدول الوسيطة مصر وقطر وتركيا، إضافة إلى الممثل الأعلى لغزة في مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، وعضو المجلس توني بلير، فإن الحركة ستتحول إلى العمل السياسي عبر حزب سياسي اجتماعي.
التحول إلى فاعل سياسي ليس جديداً، فعقب إعلان خطة السلام التي أعدتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، طرحت قيادات الحركة خارج غزة نقاشاً حول مستقبل الحركة، وفي إطار التكيف أو مراوغة الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، شمل النقاش آنذاك إنشاء حزب سياسي مماثل لجماعات وأحزاب سياسية ما زالت قائمة تمثل نهجاً سياسياً إسلامياً.
لعبة شد الحبل
وفي الوقت الحالي تظل مسألة نزع سلاح "حماس" القضية الأكثر تحدياً لخطة ترمب للسلام، والعنصر الأساس الذي يستغله رئيس الوزراء الإسرائيلي لتعطيل العمل بالخطة والمضي نحو الانسحاب من القطاع، فعقب لقائه قادة "حماس" التقى كوشنر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنحو أربع ساعات في الـ17 من أغسطس الجاري، إذ تتمحور الصيغة التي تتبلور حالياً حول ضرورة أن تتخذ "حماس" أولاً خطوة ملموسة وقابلة للتحقق، كالتخلي عن السلاح، قبل أن تقدم إسرائيل أي تنازلات. وأوضح المبعوث الأميركي أن مجرد التصريحات والوعود لن تكون كافية، إذ يتعين على "حماس" البدء في اتخاذ خطوات ملموسة لتفكيك أسلحتها وبنيتها التحتية العسكرية، وتسليم السلطة الحاكمة لإدارة فلسطينية تكنوقراطية، والقبول بحقيقة أنها لن تؤدي أي دور مسلح في مستقبل غزة. فما الذي يستطيع كوشنر إنجازه في هذه المسألة؟ وما الأوراق التي لم يمتلكها الوسطاء الآخرون للضغط أو إغراء قادة "حماس" للمضي قدماً نحو تنفيذ نزع السلاح؟ وهل بمقدور صهر الرئيس الأميركي إنهاء حال العسكرة التي لازمت "حماس" منذ تأسيسها؟
ثمة لعبة شد حبل بين "حماس" ونتنياهو في هذا الصدد، فإسرائيل تطالب بنزع سلاح "حماس" الكامل قبل الانسحاب العسكري الإسرائيلي من القطاع، في المقابل تصر "حماس" على انسحاب إسرائيل قبل تسليم أسلحتها. وأخيراً، دعت حركة "حماس" الوسطاء و"مجلس السلام"، الذي شكلته الولايات المتحدة للإشراف على وقف إطلاق النار، إلى "إلزام" إسرائيل بالموافقة على خريطة الطريق الخاصة بالخطوات المقبلة، فيما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد رفض الأسبوع الماضي الخطة المكونة من 15 بنداً، في خطوة نادرة عكست تحدياً علنياً لإدارة ترمب، الحليف الأقرب لإسرائيل.
ويتفق المراقبون الذين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" من واشنطن ورام الله على أن احتمالات نجاح مهمة كوشنر منخفضة إلى متوسطة بالنظر إلى عقبات بنوية تتعلق بخطة ترمب للسلام، وبسبب طبيعة "حماس" كحركة أيديولوجية. ففي حديثه لنا، يقول المستشار السابق للخارجية الأميركية الذي عمل مع المبعوث الخاص السابق لمفاوضات السلام ديفيد ماكوفسكي، إن اجتماع كوشنر بـ"حماس" يبدو محاولة لإيصال رسالة مفادها أن "لديكم كثيراً مما يمكن أن تربحوه إذا ما تخليتم عن أسلحتكم، لأنكم عندها ستصبحون حزباً شرعياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة"، مرجحاً أن أنقرة من بين الأطراف التي تدفع بقوة في اتجاه تحول "حماس" إلى حزب سياسي لتسهيل ذلك.
ومع ذلك، ثمة تحديات تتعلق باعتقاد قادة "حماس" أنه "إن لم تكن لدينا أسلحتنا، فلن يهتم بنا أحد"، فالأمر وفق ماكوفسكي معقد بعض الشيء، لأن الولايات المتحدة تعمل مع السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" باعتبارها الشريك بدرجة أكبر، لذا ربما أراد كوشنر أن يبعث برسالة إلى "حماس" بأنه عندما تتخلون عن السلاح يمكننا الحديث معكم. ويضيف أن كوشنر كان يحاول من خلال زيارته للمنطقة التي تضمنت إسرائيل ولقاء نتنياهو، طمأنة الطرفين أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة وقف إطلاق النار وتحقيق السلام في غزة، لكن يستدرك بالقول إن هناك حدوداً لما يمكن تحقيقه. ويقول "كوشنر يعرف أنه موجود في موسم سياسي داخل إسرائيل. وفي موسم سياسي، لن تكون هناك اختراقات كبيرة".
السلاح مصدر شرعية
غادر كوشنر المنطقة تاركاً مقترحاً لنزع تدريجي للسلاح ينطوي على استراتيجية مرحلية تعتمد على مدى امتثال حركة "حماس"، غير أنه من غير المرجح التوصل إلى اتفاق في شأن جدول زمني لنزع السلاح أو سحب القوات، فطوال أربعة عقود من العمل المسلح، مثل السلاح بالنسبة إلى "حماس" مصدر شرعية وأساس نفوذ مما يجعل نزع السلاح تهديداً وجودياً للحركة وليس مجرد تنازل تكتيكي. ويقول الباحث الفلسطيني لدى معهد البحوث والدراسات العربية خليل أبو كرش، في حديثه لنا، إن مسألة نزع السلاح بالمنطق الأميركي والإسرائيلي الذي يجري الحديث عنه من شأنه أن يفرغ "حماس" من أحد أهم أدوات الشرعية الداخلية التي بُنيت عليها، والتي كانت من خلالها قادرة على التجييش والتجنيد والدعاية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقودنا هذا إلى سؤال آخر في شأن مدى قدرة قيادة الحركة التي تعيش خارج القطاع، على السيطرة على جناحها المسلح في الداخل، وهو ما يشكك فيه أبو كرش، مضيفاً أن "الحركة أمام تحول ومأزق كبير وأمام خيارات صعبة، سواء من ناحية الواقع على الأرض أو من ناحية ما يطرح من مشاريع سياسية."
تنازل محدود
نجاح مهمة كوشنر يظل مرهوناً بمعادلة صعبة تتطلب أن تقدم "حماس" خطوة ملموسة تتجاوز التصريحات وأن يمتلك نتنياهو الغطاء السياسي الكافي لمقابلتها بتنازل موازٍ، وهو ما لا يبدو متاحاً في ظل موسم انتخابي صعب على الجانبين.
عقب اجتماع كوشنر ونتنياهو، أبلغ الجيش الإسرائيلي قواته في قطاع غزة رسمياً بعدم تحريك "الخط الأصفر" باتجاه الغرب. والخط الأصفر هو حدود الانتشار الموقت للقوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، غير أن "حماس" اتهمت إسرائيل مراراً بتحريك علاماته غرباً وتوسيع مناطق سيطرتها داخل القطاع. ويعتقد المستشار السابق للخارجية الأميركية أن كوشنر يمكنه الحصول على بعض الأمور من نتنياهو إذا ظلت منخفضة السقف وبعيداً من الضجيح الإعلامي، ففي حين لا يتوقع أن يحقق كوشنر اختراقاً قريباً لكن بإمكانه منع الأمور من أن تصبح أسوأ وإرسال رسالة طمأنة أميركية.
ومع ذلك، يظل اليمين المتطرف في إسرائيل تحدياً قائماً لنتنياهو وخطة السلام على حد سواء، حتى إنه يتهم رئيس الوزراء الذي تنتظره انتخابات صعبة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بأنه "يهتم بترمب أكثر مما يهتم بحياة الجنود على الخط الأصفر"، وفق ماكوفسكي الذي أشار إلى أن اليمين الإسرائيلي جزء منه يطالب بسيطرة كاملة على غزة ويذهب بعضهم إلى المطالبة بدفع الفلسطينيين للخروج من القطاع. وفي خضم موسم انتخابي يصبح كل طرف سياسي أكثر انشغالاً باسترضاء قاعدته الانتخابية ولا يرغب أحد أن يظهر بمظهر الضعيف أو المتنازل.
ولا تقتصر القيود على نتنياهو نفسه، فالحسابات الانتخابية تبدو عاملاً حاسماً في تحديد هامش المناورة. فترى الزميلة لدى معهد تشاثام هاوس في لندن جولي نورمان، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى إطالة أمد أي مفاوضات إضافية قدر الإمكان مع اقتراب انتخابات أكتوبر المقبل، فأى تلميح علني من نتنياهو بأن إسرائيل ستُقلّص سيطرتها على غزة أو تُقدم تنازلات لـ"حماس" من شأنه أن يُفقده قاعدته الانتخابية. وعلى الجانب الآخر فإن إطالة أمد العملية تصب في مصلحة "حماس"، فالموافقة على خطة ترمب ليست سوى خطوة براغماتية من جانب خليل الحية، لإبقاء "حماس" حاضرة في الحوار حول مستقبل غزة، وقد يُحسّن موقفها أمام مجلس السلام، بل وربما يُحول عبء التعنت إلى إسرائيل، لكن "حماس" تدرك أن نزع سلاحها لن يكون فورياً.
"حزب الله 2"
تجنب قادة "حماس" استخدام كلمة "نزع السلاح" في تصريحاتهم، جنباً إلى جنب مع الحديث المتزايد عن التحول إلى حزب سياسي وخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في نوفمبر المقبل، يطرح سيناريو تناوله المراقبون في واشنطن وتل أبيب خلال الأشهر القليلة الماضية، يتعلق بنموذج هجين على طريقة "حزب الله"، يجمع بين الذراع السياسية والعسكرية معاً وليس التخلي عن إحداهما، فتحتفظ "حماس" بحق النقض على أي قرار مدني لا يتماشى مع مصالحها الحيوية عبر التلويح بالقوة المسلحة.
هذا السيناريو نفسه يضع صدقية "حماس" في نزع سلاحها موضع تساؤل جدي، فيشكك أبو كرش في مدى جدية الحركة في التعاطي مع هذا الملف كخطوة أولى وشرط مسبق لبقية بنود خطة ترمب، لافتاً إلى أن الحركة عندما تتطرق إلى الأمر تتحدث بلغة مبهمة بعيدة عما جرى التوافق عليه على الأرض، في وقت تسعى فيه إلى فتح باب الشرعية والبقاء في المشهد السياسي عبر بوابة الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية. ويضيف أن هذه الاستراتيجية ربما تفضي إلى أزمة داخل الحركة، بخاصة في ظل ضغوط إقليمية من الوسطاء، مما قد يحول التنظيم إلى مجموعات متناثرة، ضمن ارتدادات "زلزال" السابع من أكتوبر الذي يرى الباحث الفلسطيني أن تداعياته لم تعد تقتصر على الأرض والمستقبل الفلسطيني، بل طاولت قدرة "حماس" على البقاء كما كانت قبل ذلك التاريخ في ظل خيارات تضيق يوماً بعد يوم.
ويصف الحديث عن التحول السياسي بعملية "إعادة إنتاج" للتنظيم، ومراهنة تأتي في سياق حرب وخسارة كبيرة للحركة على مختلف المستويات، سياسياً وعسكرياً، أو حتى على مستوى الحكم والسلطة في قطاع غزة، وليس تحولاً دراماتيكياً حقيقياً، بل مناورة ومحاولة لشراء الوقت وانتظار ما ستؤول إليه الأمور في قطاع غزة بعد الخطة الأميركية ومحاولات الوصول إلى وقف لإطلاق النار.
هذا التشكيك في جدية "حماس" يتعلق بالبعد الأيديولوجي الأعمق للحركة، فبسؤاله عما إذا كان الانخراط السياسي والتفاعل مع اللاعبين الدوليين يمكن أن يُحدث تحولاً في عقيدة "حماس"، قال مستشار المبعوث الأميركي السابق إنه"سؤال الـ64 ألف دولار"، مشيراً إلى أن التجربة التاريخية لا تدعو إلى التفاؤل، فقبل هجمات السابع من أكتوبر كانت هناك حوافز اقتصادية من بينها دخول 18 ألف عامل غزي للعمل داخل إسرائيل، يُعتقد أنها ربما تدفع الحركة نحو مزيد من الاعتدال، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق، إذ أظهرت "حماس" بحسب تعبيره، قدرة على "تسويات تكتيكية" من دون أن يقترب ذلك من "تحول استراتيجي" حقيقي. معرباً عن شكوكه إزاء إمكان تغير حقيقي في مواقف الحركة، نظراً إلى ما يصفه بـ"الالتزامات الأيديولوجية" الراسخة لديها، فالأمر "أشبه بنمر يغير جلده"،بحسب تعبيره.
ويرى ماكوفسكي أن قادة "حماس" يراهنون على إنهاك جميع الأطراف، وقد يكتفون بتقديم بادرة رمزية مثل "تسليم بعض الأسلحة هنا وهناك، مع إبقاء الوصول إليها سهلاً، ومن دون الاضطرار إلى تغيير هويتهم، كذلك فإنهم يرون أن حكم غزة يمثل عبئاً يفضلون التخلص منه، ما بقي السلاح، وهو في نظرهم الضامن الحقيقي للقرار "من يطلق النار هو من يقرر".