ملخص
يعقد الوضع السياسي لنتنياهو الحساب الأميركي أكثر فأكثر. ائتلافه الحالي بعيد من غالبية 61 مقعداً في الكنيست يحتاج إليها لتشكيل حكومة، لكنه يعتبر أن حرمان المعسكر الخصم من الغالبية يكفي، فإذا لم ينجح أحد في تشكيل حكومة، فسيبقى هو في منصب رئيس حكومة انتقالية حتى إجراء انتخابات أخرى. هذا الإمكان يقلق واشنطن على نحو خاص، لأنه يعني أشهراً أخرى من شأنها أن تجعل جدول الأعمال الإقليمي لترمب ينتظر السياسة الإسرائيلية.
مع تصعيد التوتر الأمني تجاه لبنان في معركة سلسلة مرتفعات "علي الطاهر" في جنوب لبنان، وإعلان الجيش الإسرائيلي استعداده لاحتمال القتال أياماً طويلة هناك على رغم الجهود المبذولة لتهدئة الوضع، أبقت تل أبيب استعدادها وجهوزيتها تجاه إيران في ذروتها، وما زالت تتوقع أن تكون لها مشاركة مع الجيش الأميركي في الهجمات، على رغم التحذيرات التي لا تتوقف من قبل جهات أمنية وعسكرية.
الملفان لم يغيبا عن اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو مع المبعوث الأميركي، جاريد كوشنر، والممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، ورئيس الحكومة البريطاني السابق توني بلير، ضمن الجهود لتسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب في قطاع غزة.
ونقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مسؤول دبلوماسي قوله إن "كل الجهات معنية بنقل إدارة القطاع إلى هيئة فلسطينية من التكنوقراط، إلى جانب تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار".
وترجح جهات سياسية إسرائيلية مطلعة على الأبحاث الإسرائيلية الداخلية بهذا الشأن، أن تصر إسرائيل على موقفها في شأن غزة بخصوص استمرار السيطرة على المناطق العازلة، التي سبق وأكدها وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، في سياق حديثه عن قرار إسرائيل الحفاظ على هذه المناطق أو ما يسيمها البعض "الأحزمة الأمنية" في غزة ولبنان وسوريا.
التيار المعتدل في إسرائيل
من جهته دعا الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، إلى استثمار هذا اللقاء بالتعامل بمنتهى الجدية والتجاوب مع الرسالة التي سبق وأطلقها كوشنير قبل وصوله إلى تل أبيب، بخصوص ضرورة استغلال الفرصة الحالية في الشرق الأوسط "الذي يقف عند مفترق طرق"، والتقدم في اتفاقات دبلوماسية.
وقال هنغبي، "لا أعلم في أي مجال يتوقع كوشنر تحقيق اختراق. في غزة، ثمة تحركات إيجابية من جانب مجلس السلام، لكن من المتوقع أن يكون التقدم نحو نزع السلاح من القطاع، إن حدث أصلاً، بطيئاً ومحبطاً". وأضاف، "أما سوريا فيظهر الرئيس الجديد، أحمد الشرع، اعتدالاً وجدية، لكنه لم يبد أي إشارة إلى إدراكه أن إسرائيل لن تنفصل أبداً عن مرتفعات الجولان. يبقى لبنان قائماً، إذا كان هذا ما يقصده كوشنر، في رسالته وهو محق تماماً".
وشدد هنغبي على أن الوضعية الحالية تؤكد إمكان استكمال العملية الدبلوماسية مع الحكومة اللبنانية، وقال "لا ينبغي إضاعة أشهر ثمينة في انتظار الانتخابات والعملية السياسية التي ستجري في ضوء نتائجها. لدى كلا البلدين مصلحة واضحة في الاستفادة من الاهتمام الأميركي الحالي بهذه القضية، إذ لا سبيل للتنبؤ بسياسة الرئيس ترمب بعد انتخابات الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني)، والأهم من ذلك: أن جميع الخلافات بين البلدين قابلة للتسوية. لا توجد قضية لاجئين ولا أماكن مقدسة ولا استيطان يهودي في أراضي الأجداد، ولا آثار تاريخية دامية. تكمن المشكلة العميقة، بطبيعة الحال، في مقاومة 'حزب الله'، ويجب على الأطراف التركيز على هذا الأمر مع إظهار حسن النية والحكمة السياسية، ووضع خطوط حمراء تمكن من إدارة الأخطار بوعي".
ويمثل هنغبي موقف تيار يمكن تسميته المعتدل في إسرائيل، ويضم أصواتاً من أمنيين وعسكريين وسياسيين، يدعون إلى تفادي أي تصعيد أمني على أية جبهة والتوجه نحو حل دبلوماسي.
عقدة "علي الطاهر"
ولبنان في مركز هذا النقاش بعد التصعيد الذي شهدته الأيام الأخيرة حول سلسلة مرتفعات "علي الطاهر"، إذ يصر الإسرائيليون على استمرار السيطرة على هذه المنطقة التي يعتبرونها استراتيجية، وفي الوقت نفسه تريد إخضاع عناصر "حزب الله"، وعلى رغم أنها تتوقع عدم استسلام أي منهم، فإنها تواصل عملياتها وقصفها وتشديد قبضتها انطلاقاً من هذا السيناريو، وفي الوقت نفسه لا تخفي خشيتها من أن ينفذ "حزب الله" عملية نوعية ضد الجنود الإسرائيليين المحيطين بالمكان، تشمل مخادعة تضمن في نهاية الأمر إمكان إما نقل حاجات ضرورية لعناصر الحزب، أو تهريبهم، ولكن أمام هذا السيناريو ترى إسرائيل أن "حزب الله" لا يسقط من حساباته توجيه ضربة إسرائيلية استثنائية باتجاه المحصنين في الأنفاق هناك تقضي عليهم جميعاً.
ما بين السيناريوهات المختلفة لا تستبعد جهات إسرائيلية أن يتخذ نتنياهو وكاتس قراراً غير محبذ يشمل خطوة من شأنها توسيع نطاق المعركة في لبنان، على أمل الحد من التراجع المستمر لحزبهما، الليكود، قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المفترض إجراءها بعد نحو الشهرين ونصف الشهر.
السياسة الداخلية جزء من المعادلة الميدانية
ونشرته صحيفة "معاريف" تقريراً استندت فيه أيضاً إلى مواقف مسؤولين أميركيين يخشون من سيناريو كهذا وهم يدركون تماماً الوضع الداخلي لنتنياهو، ولا يسقطون من حساباتهم استثمار الوضع الأمني الحالي بما يضمن رفع شعبية نتنياهو وحزبه.
"السياسة الداخلية الإسرائيلية هي جزء من المعادلة السياسية، لا يمكن أن يسمح نتنياهو لنفسه بالظهور كمن يسلم أرضاً على أساس تعهدات لبنانية فقط. من ناحيته، صورة دبابات إسرائيلية تخرج من جنوب لبنان قبل أن يكون عرض تجريد حقيقي لـ'حزب الله' من السلاح ممكناً، هي مادة سياسية متفجرة"، بحسب ما جاء في تقرير "معاريف" الذي أضاف أنه "في المقابل يسعى ترمب إلى استكمال التسويات، ولبنان بالنسبة إليه إحدى الحلقات في خطوة إقليمية أكبر بكثير".
وتابعت "معاريف"، "على قائمة أهداف ترمب أيضاً الدفع قدماً لخطة السلام في غزة، واتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وإخراج الأزمة مع إيران من الجمود الحالي، وفي البيت الأبيض يفهمون بأن الانتخابات في إسرائيل من شأنها أن تجمد كل هذه المسارات. في ولاية ترمب الأولى تأجلت خطته للسلام المرة تلو الأخرى على خلفية المتاهة السياسية في إسرائيل، هذه المرة لا توجد في واشنطن نية للسماح للسياسة الإسرائيلية بأن توقف مرة أخرى جدول أعمال الرئيس".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار التقرير الإسرائيلي إلى أن الموقف الأميركي من نتنياهو ينشأ في الفترة الأخيرة عند التمييز بين حاجات حملته الانتخابية وقراراته بالفعل، فبعدما رفض نتنياهو علناً خطة مجلس السلام لتجريد "حماس" من سلاحها، فسر الأميركيون الأمر بالسياسة في فترة الانتخابات. والرسالة التي نقلت إليه كانت عملية أكثر بكثير، في واشنطن مستعدون لأن يحتووا جزءاً من الخطاب كثيراً ما كانت إسرائيل تلجم الهجمات وتسمح للمسيرة بالتقدم، وبالفعل، وعد نتنياهو كوشنير بإعطاء الخطة فرصة وتقليص الأعمال في غزة.
وضع نتنياهو السياسي
يعقد الوضع السياسي لنتنياهو الحساب الأميركي أكثر فأكثر، ائتلافه الحالي بعيد من غالبية 61 مقعداً في الكنيست يحتاج إليها لتشكيل حكومة، لكنه يعتبر أن حرمان المعسكر الخصم من الغالبية يكفي، فإذا لم ينجح أحد في تشكيل حكومة، فسيبقى هو في منصب رئيس حكومة انتقالية حتى إجراء انتخابات أخرى. هذا الإمكان يقلق واشنطن على نحو خاص، لأنه يعني أشهراً أخرى من شأنها أن تجعل جدول الأعمال الإقليمي لترمب ينتظر السياسة الإسرائيلية.
في المقابل، يسعى منافسو نتنياهو في الانتخابات إلى منعه من استغلال الوضع لصالحه. ونقلت شخصيات من محيط المنافس الأقوى لنتنياهو، غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير لبيد، رسائل لرجال ترمب وطلبت منه أن يبقى حيادياً في الانتخابات. ويدل ذلك على تأثير موقف الرئيس الأميركي كعنصر في حملة الانتخابات الإسرائيلية، حتى قبل أن يقرر إذا كان سيتدخل فيها أم لا.
ما بين كل هذه السيناريوهات وتصعيد الوضع كشف تقرير أولي الحجم الكبير لخسائر الحرب التي تساوي نحو 140 مليار دولار والتي سجلت كأكبر كلفة في تاريخ إسرائيل. وبحسب تقرير نشرته "ذي ماركت" من المتوقع أن تصل الكلفة قريباً إلى 339 مليار دولار (تريليون شيكل).
ونقل التقرير عن أحد رؤساء الأركان السابقين، "ثمن يوم واحد من الضعف باهظ جداً، لذلك يجب ألا يتكرر"، وحذر، "سيفرض الواقع الأمني الراهن صدمة وطنية ووضع نفسي خطر إضافة إلى مئات مليارات الشواكل للموازنة في الأعوام المقبلة".