Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حتى "وثيقة الموت" في السودان ضنت بها الحرب

عائلات تخوض متاهات لا نهائية لاستخراج شهادة وفاة لذويها الراحلين في غياب السجلات والصور والمعلومات وأماكن الدفن

استخراج ونقل الجثامين من مواقع دفن طارئة داخل المدارس إلى المقابر العامة، الخرطوم، 8 ديسمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

حولت الحرب أحياء الخرطوم والجزيرة ومدن دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إلى جانب مناطق القتال والنزوح إلى قبور لدفن الموتى من دون توثيق أسماء أو صور أو أماكن دفنهم، مما جعل مصير الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم مجهولاً، ولا تعرف أسرهم ما إذا كانوا أحياءً أم أمواتاً.

تخوض آلاف الأسر السودانية معركة مرهقة ورحلات بحث مضنية لإثبات هوية وفاة ذويهم رسمياً، بعدما عطلت الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، مؤسسات مدنية وصحية وأضعفت السجلات والشهود، ليصبح استخراج شهادة الوفاة حلقة مفقودة نتيجة دفن الجثامين بلا توثيق.

وحولت الحرب أحياء الخرطوم والجزيرة ومدن دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إلى جانب مناطق القتال والنزوح إلى قبور لدفن الموتى من دون توثيق أسماء أو صور أو أماكن دفنهم، مما جعل مصير الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم مجهولاً، ولا تعرف أسرهم ما إذا كانوا أحياءً أم أمواتاً.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 61 ألفاً قتلوا في ولاية الخرطوم خلال أول 14 شهراً من الحرب، منهم نحو 26 ألفاً قتلوا جراء جروح خطرة أصيبوا بها بسبب العنف أثناء العمليات العسكرية، وفقاً للأمم المتحدة. في حين أكد باحثون أن تقديرات أعداد الوفيات الناجمة عن كل الأسباب في ولاية الخرطوم أعلى بنسبة 50 في المئة عن المتوسط المسجل على مستوى البلاد قبل نشوب هذه الحرب التي دخلت عامها الرابع.

سلسلة عقبات

تقول مريم عبدالرحيم، التي تقيم في مدينة الخرطوم بحري، إن "اندلاع الحرب في السودان أفقدتني شقيقي الأكبر الذي رفض النزوح معنا أثناء القتال، إذ تلقينا خبر وفاته عبر الهاتف، وحين عودتنا إلى منزلنا أصبحنا في حال بحث مُضنٍ عن قبره أو أية جهة ترشدنا كيف جرت واقعة الوفاة وأين دفن، ولكن من دون جدوى، إذ لم نترك مكاناً إلا طرقناه، وبذلك بات في عداد المفقودين، مما يصعب استخراج شهادة وفاة نتيجة عدم إلمامنا بمعلومات تؤكد وفاته". وأضافت أن "إثبات حال الوفاة في سجلات الدولة دائماً ما يتعثر بعد مطالبة الجهات المتخصصة بشهود أو تحديد مكان الدفن كإجراءات مهمة للنيابة العامة، ومن المؤسف أن غالبية الأسر تفقد التواصل بمن ينقل إليهم خبر وفاة أحد ذويها". وتابعت "واقع أخي لا يعتبر معزولاً، بل هو ممتد على أوسع نطاق بسبب اتساع رقعة الصراع الدائر في البلاد، لا سيما أن هناك حالات وفاة تعاني الأسر في إثباتها أساساً كون جثامينهم جرى دفنها في الميادين والمدارس أو مناطق القتال أو أثناء النزوح من دون أسماء أو توثيق". وأشارت إلى أن "آلاف الأسر تنتظر معرفة مصير أقاربها في ظل سلسلة عقبات نتيجة تعطل مؤسسات الدولة والمستشفيات والمشارح وإمكان الوصول إلى مناطق القبور المعتمدة، لتصبح شهادة الوفاة حلقة مفقودة لإثبات الموت، بما يترتب على ذلك من ضياع الحقوق".

فجوة توثيق

من جهته يوضح المواطن عبدالكريم محمد، وهو أحد سكان ضاحية الكلاكلة الواقعة جنوب الخرطوم "من المعلوم أن معظم سكان ضواحي جنوب الخرطوم ظلوا عالقين طوال أشهر الحرب نتيجة عدم توفر إمكانات النزوح المالية، مما جعلهم عرضة للموت سواء بسبب المرض أو شظايا القذائف أو الجوع، وكان إجراء دفنهم يتم بصورة عشوائية في ظل عدم وجود جهات رسمية تتولى عملية الدفن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردف محمد أن "سكان هذه المناطق وجدوا أنفسهم أمام جثث في المنازل والطرقات العامة مبعثرة، بينما بدأت تظهر آثار التحلل عليها مما يصعب التعرف عليهم، فضلاً عن الروائح المنبعثة التي تهدد الصحة العامة مع تفاقم انتشار الأمراض والأوبئة، مما دفع السكان دفنها على عجل من دون التعرف على هوياتها". ولفت إلى أنه "كان من الصعب انتظار وصول الجهات المعنية بالأمر للتعامل مع الجثث، نتيجة طول أمد الحرب التي تركت فراغاً بعد تدمير المؤسسات المدنية والصحية، إذ بدأت عملية الدفن قرب المنازل بسبب تصاعد معدلات الوفيات مع اشتداد المعارك وصعوبة الوصول إلى المدافن المعتمدة، كان الدفن يتم في كل المساحات المتاحة، ومن بين الضحايا جنود ومواطنون مجهولو الهوية". وزاد أنه "مع تزايد المخاوف من وجود الجثث وسط الأحياء انطلقت مبادرات كونتها لجان الأحياء المختلفة لدفن الموتى، إذ لم يكن التعرف على هويتهم أولوية بقدر دفنهم بسبب تحلل الجثث وصعوبة حملها، كنا نضع الجثامين في جوالات ونحفر في المكان نفسه ومن ثم يتم الدفن، وهو واقع ظل يتكرر في المناطق التي شهدت نزاعاً نشطاً، وكان الهدف الأول مواراة الجثامين الثرى وإكرام مثواهم، ومن المؤسف أن غاب عنا في كثير من الحالات تسجيل الاسم أو التصوير أو تحديد مكان الدفن تحسباً لوضع الأسر الحالي وهم في حال بحث عن مفقوديهم".

مسارات معقدة

في مدينة أم درمان كان الوضع مختلفاً نتيجة الهدوء النسبي الذي عاشته المدينة، إذ إن الجثامين التي وصلت إلى مستشفى "النو" كان المتطوعون والناشطون يقومون بتوثيق هوياتها فور وصولها إلى المشرحة.

يقول المتطوع أمين يحيى إن "مجموعة من المتطوعين في العمل الإنساني نشطوا في رصد الجثث التي كانت تصل إلى قسم مجهولي الهوية في مستشفى (النو) باعتبارها المستشفى الوحيد الذي كان يبذل جهداً في تقديم الخدمات في سياق الحرب، والاحتفاظ بالمعلومات في سجلات المستشفى من مكان العثور عليها وظروف الوفاة إلى جانب توثيق مكان الدفن وقيد المتعلقات الشخصية".

وواصل يحيى "في تقديري أن ما قام به المتطوعون يعتبر عملاً كبيراً تحسباً لهذه اللحظة، بخاصة في ما يتعلق بحضور شخص يبحث عن مفقود له لاستخراج شهادة الوفاة"، مضيفاً "مع استقرار عمل المشارح في المستشفيات التي عادت للخدمة، وإصدار أذون الدفن أضيفت تلك المستندات الخاصة بالموتى إلى المبادرات التي نظمها المتطوعون في ظل محدودية عمل الجهات الأمنية والمستشفيات، لا سيما أن هذا العمل الدقيق أصبح معروفاً لدى النيابة العامة، وفي حال توفر بيانات المتوفى يسهل استكمال إجراءات الدفن واستخراج شهادة الوفاة".

وبين المتطوع أن "هذا النظام كان يشمل مدينة أم درمان فحسب، إذ تواجه الأسر مسارات معقدة في بقية مدن العاصمة والولايات التي دارت فيها معارك عنيفة وجرى دفن الموتى بها من دون توثيق وسجلات يمكن الرجوع إليها".

ضياع الحقوق

المحامي السوداني حيدر رحمة الله أشار إلى أن "عدم توفر بيانات واضحة عن المتوفى يضع أمام الأسر عقبات في حفظ الحقوق الممثلة في المعاشات والممتلكات الخاصة والعقارات المسجلة باسم المتوفى، فضلاً عن الإجراءات المتعلقة بالأطفال، لا سيما أن غياب شهادة الوفاة لا يقف عند ورقة رسمية، بل هو بمثابة ضياع حقوقهم بشكل كامل".

وأوضح رحمة الله "عندما تكون الوفاة قد حدثت في منطقة معروفة ففي هذه الحال يمكن أن تعتمد الأسرة على الشهود أو أعضاء المبادرات ولجان الحي التي انتظمت في رصد الوفيات أو من شاركوا في عملية الدفن لتقديمهم أمام القضاء وإثبات الوفاة باعتبارهم الدليل الوحيد، لكن في ظل تعقيدات المشهد الحالي قد لا يكونون أداة كافية لإثبات الوفاة أمام المؤسسات والبنوك". ونوه بأن "هناك حالات لا يعثر لها أساساً على جثمان، وتختلف الإجراءات قانونياً سواء كان المفقود مدنياً أو جندياً نظامياً، وتظل الإجراءات قيد الانتظار إلى حين التوصل إلى دليل يثبت الوفاة أو مكان الدفن، علاوة على عدم التصرف في متعلقاته حتى إذا كان المتوفى عائلاً لأسرة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير